كتّاب

الجمعة,23 سبتمبر, 2016
ليبيا في مفترق طرق

شهدت ليبيا خلال عطلة عيد الأضحى تطورا مثيرا من شأنه أن يقلب موازين القوى فى ذلك البلد المبتلى بأهله وبعض جيرانه وأشقائه. ذلك أن المجموعات العسكرية التى يقودها اللواء خليفة حفتر نجحت فى الاستيلاء على منطقة الهلال النفطى. وصار بمقدورها أن تمسك بالورقة التى تمثل عنصرا ثمينا فى الصراع الحاصل على الأرض. ذلك أنها المرة الأولى منذ بدأ الصراع بين المعسكرين المتحاربين فى ليبيا قبل ثلاث سنوات، ينجح طرف فى وضع يده على المورد الاقتصادى الأول للبلاد الذى تم تحييده طول الوقت.

إذ ظلت المنشآت النفطية تحت حراسة عناصر تابعة لقبيلة المغاربة، يرأسها قائد سابق فى قوات حرس المنشآت هو إبراهيم الجضران. إلا أن قوات حفتر نجحت فجر يوم الأحد الماضى (11/9) فى الاستيلاء على موانى المنطقة (الزويتينية والسورة ورأس لانوف والبريقة) فى ظروف مريبة لم تتكشف كل تفاصيلها بعد. وهو ما كان له صداه السريع الذى دفع المجلس الرئاسى وحكومة الوفاق الوطنى إلى التنديد بالعملية، وفى الوقت ذاته أصدرت الولايات المتحدة وخمس دول أوروبية بيانات مماثلة طالبت بسحب القوات الغازية فى أسرع وقت.

خبراء الشأن الليبى الذين رجعت إليهم لفتوا الانتباه فى العملية إلى عوامل عدة فى مقدمتها ما يلى:

إنه رغم أن منطقة الهلال النفطى ظلت هدفا لمناوشات لم تتوقف خلال السنوات الثلاث السابقة، إلا أن عملية الاستيلاء على موانيها تمت هذه المرة دون مقاومة من جانب قوات قبيلة المغاربة التى تولت حراستها طيلة تلك المدة. وتبين أن وراء ذلك انقساما حدث داخل القبيلة ذاتها، إذ انقلب أبناء عمومة إبراهيم الجضران عليه. وتحالفوا مع عناصر من قبيلة المقارحة الموالية للقذاذفة الذين انتمى إليهم العقيد القذافى، الأمر الذى مهد الطريق لقوات حفتر للاستيلاء على الموانى دون قتال.

ادعى المستشار عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الموالى لحفتر، الذى يتخذ من طبرق مقرا له أن العملية قام بها «الجيش الوطنى الليبى» بتفويض شعبى (وهو ما أبرزته صحيفة «الأهرام» على صفحتها الأولى فى 14 سبتمبر الحالى). إلا أن المجتمع الليبى يدرك أن الجيش المذكور بمثابة أسطورة إعلامية بأكثر منه حقيقة على الأرض. صحيح أنه يضم بعض العسكريين الموالين لحفتر، وأن «الجيش» يضم مجموعات من السلفيين والمرتزقة الذين تم تجنيدهم من تشاد ودارفور المجاورة (من جماعة العدل والمساواة). وهو ما تحدث عنه صراحة الرئيس السودانى عمر البشير، كما أثبتته تقارير لجنة خبراء الأمم المتحدة المكلفة بمتابعة الوضع الليبى.

لفت أولئك الخبراء الانتباه أيضا إلى أن ثمة قوات فرنسية خاصة تحارب فى صف الفريق حفتر. وهو ما أعلن على الملأ فى شهر يوليو الماضى حين أسقطت طائرة هليكوبتر قرب بنغازى وقتل ثلاثة من جنود القوات الخاصة الفرنسيين، الأمر الذى دعا الرئيس الفرنسى إلى الاعتراف بوجود تلك القوات فى شرق ليبيا، وإن قال إنهم يقومون بمهام استخبارية وفى مرة ثانية ذكر أنهم مستشارون لحفتر. وكانت صحيفة نيويورك تايمز قد ذكرت فى أشهر أوت عام 2014 أن الفرنسيين يقاتلون إلى جانب حفتر، وهو ما فاجأ حكومة الوفاق فى طرابلس التى احتجت على التدخل الأجنبى فى المشهد الليبى.

لم يختلف خبراء الشأن الليبى على الدور الإقليمى الذى يساند حفتر ذلك أن بعض دول الجوار توفر له المجندين فى حين أن دولا أخرى تدعمه بالمال والعتاد والتسويق الإعلامى. والإشارات صريحة فى وسائل الإعلام الغربية إلى الدور الخليجى فى ذلك، إذ يتحدثون عن الدول التى أيدت الثورة المضادة وقدمت الكثير لمقاومة رياح التغيير فى العالم العربى. وكانت لها نجاحاتها المشهودة فى ذلك. جدير بالذكر فى هذا الصدد أن بعض صحف القاهرة رحبت بالاستيلاء على الهلال النفطى واعتمدته إنجازا للجيش الوطنى فى مواجهة قوى التطرف والإرهاب، غامزة بذلك فى حكومة الوفاق فى طرابلس التى تحظى بالتأييد الدولى.

رغم أن الثقل السكانى والسياسى والعسكرى الأساسى فى الغرب وحول طرابلس، إلا أن السيطرة على الهلال النفطى وفرت ثقلا خاص لحفتر وجماعته، خصوصا أن الرجل الذى منح رتبة «مشير» بعد العملية يطمح إلى خلافه القذافى واستنساخ تجربته، الأمر الذى قد لا يستبعد إذا ما عاد ضخ النفط وتصديره إلى طبيعته (أكثر من مليون برميل فى اليوم وهو الآن 250 ألف برميل فقط). وهو التطور الذى يجعل المصير الليبى عند منعطف خطر، يجعل المشكلة أكثر عبثية وتعقيدا. ذلك أن الذين هللوا للسيطرة على الهلال النفطى لم ينتبهوا إلى أن ذلك يعد انتصارا للثورة المضادة، وللقوات التى لم تكف عن ملاحقة الربيع العربى فى مختلف صوره ومظانه.

الشاهد | أخبار تونس