كتّاب

الجمعة,12 فبراير, 2016
ليبيا …الضربة العسكرية مستبعدة و الحل لن يكون الا سياسيا…

خليل كلاعي

 

 

 

الشاهد_تداول الإعلام التونسي في الأيام الأخيرة موضوع التدخل العسكري في ليبيا بتركيز كبير و طفق ( الخبراء ) في الشأن الليبي من منبر إلى آخر و من صحيفة إلى أخرى يدلون بدلوهم في الموضوع …هذا التداول الإعلامي المكثف للموضوع من طرف متحدثين ليس لدى أغلبهم معرفة جيدة بالوضع الليبي و إشكالياته الداخلية و التحديات التي يطرحها على المنطقة خاصة منها دول الجوار رفع منسوب الخوف من هذاالتدخل العسكري المفترض و تسبب في حالة من الهلع لدى جزء واسع من الرأي العام التونسي الّذي يخشى امتداد شظايا هذه الحرب الى ساحته الداخلية و تسببها في إنهاك البلاد أمنيا و إجتماعيا .


مردُّ الحديث عن تدخل عسكري غربي في ليبيا التواجد الواضح لتنظيم الدولة و قيامه بعمليات عدة هناك أشهرها عملية ذبح المصريين الأقباط و يحاول التنظيم من خلال قاعدته في مدينة سرت السيطرة على مساحة أوسع بما يمكنه من هامش تحرك أكبر في ضل إنقسام سياسي حاد و غياب شبه تام لدور الدولة في التصدي له… لكن هذا التنظيم المتواجد في ليبيا لا يعدو كونه مجموعة مسلحة من مئات المقاتلين غالبهم الأعم من غير الليبيين و لا يمتلك التنظيم في نسخته الليبية اي نوع من الأسلحة النوعية كما أنه لا يحضى بدعم العمق الشعبي في مدينة سرت التي لا تزيد مساحتها عن 77 كلم مربعا بالإضافة إلى أن التنظيم فقد مواقعه في بنغازي و تراجع بشكل ملحوظ في درنة ليقتصر تموقعه على حي الفتائح اين يخوض ضده مجلس شورى ثوار درنة قتالا دون هوادة فضلا على الضربات الجوية التي أنهكت التنظيم في الأشهر الماضية و التي تقوم بها طائرات بدون طيار يرجّح أنها أمريكية و فرنسية بالإضافة لطائرات سلاح الجو التابع لرئاسة الأركان الخاضعة لقيادة المؤتمر الوطني العام و أفقدت عمليات القصف المتكررة هذه التنظيم أميره في ليبيا أبو مغيرة القحطاني
على العكس من هذه العمليات التي حدت من خطر تنظيم الدولة و أوقفت زحفه نحو مناطق مجاورة لمدينة سرت لم تتسم عمليات سلاح الجو التابع للواء المتقاعد خليفة حفتر بالفعالية كما أن حفتر لم يتسهدف التنظيم في مناسبات كانت عملياته فيها جريئة و خطيرة كمحاولته السيطرة على ميناء السدرة النفطي الشهر الماضي حيث لم يتدخل حفتر رغم استنجاد حرس المنشئات النفطية به…


الموقف الدولي من الوضع في ليبيا يمكن فهمه بكل بساطة من خلال تصريحات وزراء دفاع و خارجية حلف الناتو أو الاتحاد الأوروبي فوزير الخارجية البريطاني مثلا صرح منذ ايام قليلة بأن أنبلاده لاتعتزم نشر قوات قتالية في ليبيا لكنها ستسعى إلى تقديم الدعم الإستراتيجي و المخابراتي لحكومتها الجديدة و هو تقريبا نفس ما ذهب إليه الأمين العام لحلف شمال الأطلس يينسستو لتنبرغ حيث قال إن حل ف النات ومستعد لمساعدة ليبيا في محاربة التنظيم و خصوصا في تكوين مؤسسات قوة في البلد إذا طلبت الحكومة الجديدة ذلك , الرسالة نفسها وجهتها مفوضة الاتحاد الأوروبي للسياسةالخارجية فيديركا موغيريني التي استبعدت اي تدخل عسكري غربي قبل تشكيل حكومة الوفاق الوطني لتتقاطع في ذلك ما قاله المبعوث الأممي السابق في ليبيا طارق متري على موقعه على تويتر و التي وردت كالتالي … في اجتماع رومااستبعد البعض تدخلاعسكريافي ليبيا فيما استأخره البعض الآخر. واتفق الكل على دعم العملية السياسية التي يتحكم بها الليبيون اولا…


تصريح وزير الخارجية الإيطالي باولوجينتيلوني لم يشذ عن جوهر تصريحات بقية القادة الغربيين حيث صرّح بأن ليست هناك أية عجلة للتدخل في ليبيا لامنقبل إيطاليا ولامن جانب المجتمع الدولي


كل هذه التصريحات و الإشارات تدل على أن دور الدول الغربية في أي عمل عسكري يستهدف تنظيم الدولة لن يكون إلا في إطار دعم حكومة الوفاق الوطني عسكريا و استخباراتيا و في أقصى الحالات بعمليات إسناد جويلقوات ليبية على الأرضتستهدف المناطق التي يسيطر عليها التنظيم


مواقف الدول الغربيةتبدو على قدر كبير من الكياسة و تعكس دراية عميقة بتفاصيل الساحة الليبية فأي تدخل بري أجنبي في الوضع الحالي الذي يتصف بالتشظي السياسي و بفوضى السلاح سيذكي دعاية تنظيم الدولة في ليبيا و ربما تجد هذه الدعاية لها صدى لدى تنظيمات اخرى معتدلة سترى في هذا التدخل البري احتلالا جديدا كما سيتحول التنظيم الى مغناطيس يجذب الشباب المتطرف من كل أسقاع العالم لمقاتلة القوات التي جاءت لمحاربة التنظيم كما أن تدخلا بريا محتملا سيخلق للتنظيم حاضنة شعبية و هو ما يفتقده في ليبيا إلى الأن كل هذا ينضاف إلى اعتبار أن فصائل كثيرة معتدلة عبرت عن رفضها لأي تدخل بري و هو ما يعني أنها ستتعامل معه في حال حصوله على أنه قوة احتلال الأمر الّذي سيكلف هذه القوات خسائر جسيمة في الأرواح و الآليات و هو درس سبقلدول كثيرة تعلمه في كل من العراق و افغانستان و من الواضح أنها لا تبدو على استعداد لتكراره أو تحمله تكاليفه العسكرية أو المالية أو السياسية الداخلية مرة أخرى لذلك تنصب الجهود الغربية على دعم الحل السياسي و على ان يحارب الليبيون الإرهاب بأنفسهم


بعد بيان كل هذه التفاصيل الواضحة خاصة على مستوى تصريحات المسؤولين و القادة الغربيين لسائل أن يسأل عن سبب التهويل الإعلامي لهذا التدخل المفترض في وسائل الإعلام التونسية للإجابة عن هذا السؤال لا يفوتنا ما روجته وسائل إعلام تونسيةمن أكاذيب كثيرة عن ليبيا كضغط قيادات عملية فجر ليبيا على الحكومة التونسية لطرد حكومة السراج من تونس أو كدخول ألاف الليبيين إلى تونس خوفا من ضربة عسكرية محتملة أو كإرسال شحنات أسلحة إلى حكومة المؤتمر الوطني العام عبر ميناء معيتيقة و الكل يعلم أن معيتيقة لا ميناء فيها إلى آخره من المغالطات…في نفس هذا الاتجاه يتواصل التسخين لحرب لا وجود لها عبر نشر أخبار زائفة و سيناريوهات كاذبة لا يمكن فهمها إلا كخطوة استباقية من طرف بعض الرموز الفكرية و الإعلامية التونسية لتأكيد وجهات نظر سابقة تقرأ ما حصل في ليبيا منذ 17 فبراير 2011 كمؤامرة غربية عبر وكلاء محليين و ليس كثورة شعبية أطاحت بنظام دكتاتوري حكم ليبيا بالحديد و النار أكثر من 40 عاما , هؤلاء ينتظرون لحظة التدخل العسكري المفترض بفارغ الصبر ليقولوا…هذا هو التدخل الغربي و مخطط التقسيم الذي سبق و حذرناكم منه و ما مراحل الانتقال الديمقراطي المزعومة إلا مدخل فوضى و خراب…


لا تسير الأمور بالضرورة على النحو الذي يرتضيه من كان من التونسيين على علاقة بنظام معمر القذافي و لا على هوى من تعود منهم إنكار الروابط المشتركة و الوثيقة بين التونسيين و الليبيين و يتعمد تعفينها بمناسبة و بدون مناسبة و لا على هوى من يقرأون الثورات العربية كمؤامرة خارجية لا كانتصار لكرامة الشعوب العربية على نير المستبدين …هؤلاء ممن كانوا أعوانهم في استبدادهم … يجدون بعض العزاء في الاضطرابات الحاصلة بعد الثورات و يبررون من خلالها ما كانوا عليه من مواقف. الثورات بما هي حركة متواصلة لا تعدو الإضطرابات والفوضى فيها إلا مرحلة تنتهي بانتهاء مسبباتها و هو ما سيكون بالتأكيد من نصيب الليبيين في غضون الأشهر القليلة القادمة لو قدّر لاتفاقهم السياسي أن يرى النور…والأن يبدو هذا الاتفاق أقرب الى التحقق من أي وقت مضى .

 



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.