مقالات مختارة

الأحد,10 أبريل, 2016
لو كان لورنس العرب حيا لما تفاجأ بظهور “داعش”

الشاهد_ في واحد من أشهر المشاهد في تاريخ السينما، يظهر العقيد تي إي لورانس، بعينيه الزرقاوين الثاقبتين وثوبه الأبيض المتموج، جاثما وراء كثيب رملي ومن خلفه جيش من الأعراب. وما هي إلا لحظات حتى يقترب القطار، فيفجره لورنس عن بعد، ولا يبقي منه ولا يذر. ثم، في واحدة من تلك المشاهد الكلاسيكية، وإثر صيحة “تعالوا، اتبعوني أيها الرجال” يقفز لورنس من فوق الكثيب ليوجه إشارة إلى جيشه العربي بأن يلحق به.

ذلك هو المشهد الذي جسده فيلم لورنس العرب الحاصل على الأوسكار في عام 1962، والذي مثل دور البطولة فيه كل من بيتر أوتول وعمر الشريف. سيناريو الفيلم مأخوذ من تقرير لورنس ذاته كما دونه في كتابه الشهير “أعمدة الحكمة السبعة”، وإن كان البعض قد انتقده معتبرا أنه تعمد تضخيم دوره في حركة التمرد العربية. وفعلا، فقد رأى البعض أنه لم يكن أكثر من فني متفجرات كان قد كلف بالتواجد داخل القوات العربية في مهمة استشارية لا أكثر. إلا أن علماء الآثار من جامعة بريستول اكتشفوا مؤخرا رصاصة في الصحراء في موقع حالة عمار نفسه الذي جرى فيه تفجير القطار، يعتقد أنها أطلقت من نوع المسدس نفسه الذي كان لورنس يستخدمه، الأمر الذي يؤكد فيما يبدو رواية لورنس للأحداث.

إلا أن الخديعة الكبرى التي ارتكبها لورنس لم تكن بحق قرائه بقدر ما كانت بحق رفاقه العرب. ولوضع الأمر في سياقه، لنعد إلى تلك الفترة التي جرت فيها الأحداث في عام 1917. كان لورنس وجيشه العربي يقاتلون ضد الترك الذين انحازوا في الحرب العالمية الأولى إلى جانب الألمان.

كان لورنس، بدعم من الحكومة البريطانية، قد وعد العرب بدولة مستقلة خاصة بهم بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية. وهذا هو السبب الذي دفع العرب إلى الانحياز إلى جانب البريطانيين في القتال. إلا أن ما لم يكن يعرفه لورنس – على الأقل في البداية – هو أنه قبل ذلك بسنة، في عام 1916 تحديدا، كان الفرنسيون والبريطانيون قد أبرموا فيما بينهم اتفاقا سريا لتقسيم الشرق الأوسط بطريقة تتجاهل تماما تطلعات وأماني أهل المنطقة من العرب.

تلك كانت اتفاقية سايكس بيكو التي رسمت بخطوط طويلة مستقيمة تارة ومائلة تارة أخرى حدودا في الرمال وضعت بموجبها سوريا ولبنان تحت سلطان الإدارة الفرنسية بينما وضعت فلسطين والأردن ومنطقة الخليج والعراق تحت سلطان الإدارة البريطانية. ولما سربت أخبار هذه الصفقة إلى لورنس وقع في نفسه نزاع حول ما إذا كان يتوجب عليه إخبار جنوده العرب بأنهم تعرضوا للغدر من قبل الدبلوماسيين البريطانيين، وأنهم لن يحصلوا أبدا على الدولة التي كانوا يضحون بحياتهم في سبيلها.

لعله لم يدرك حجم الخديعة في اتفاقية سايكس بيكو إلى أن أعلن عنها إثر نشر تفاصيلها في هذه الصحيفة (الغارديان) في نوفمبر من عام 1917. ولكنه كان يعلم ما يكفي لأن يدرك أنه كان يضلل أصدقاءه العرب، وهذا بالضبط ما دونه في “أعمدة الحكمة السبعة” حينما كتب يقول: “كان لابد من أن أنضم إلى المؤامرة وأن أطمئن الرجال مؤكدا لهم أنهم سينالون جائزتهم. فالأفضل لنا أن نفوز بدلا من أن نخسر حتى وإن نكثنا بوعدنا”.

لقد رفض لورنس استلام وسام الفروسية وغير ذلك من النياشين احتجاجا على الطريقة التي جرى فيها خداع العرب من قبل البريطانيين. بل لقد حاول أن ينتحر. وكان قد كتب إلى مديره في القاهرة قائلا: “لقد قررت التوجه إلى دمشق، أملا في أن أقتل في الطريق. إننا نستدعيهم ليقاتلوا من أجلنا بناء على كذبة افتريناها عليهم، وهذا ما لم أعد أحتمله”.

بعد مرور قرن من الزمان، مازالت تلازمنا الخيانة التي مورست في سايكس بيكو. ولا أدل على ذلك من أن تنظيم الدولة “داعش” حينما أعلن إعادة تأسيس الخلافة، فعل ذلك من خلال شريط فيديو عنوانه “نهاية سايكس بيكو”. والمثير للاهتمام أن الدولة التي أعلن عنها التنظيم لا تقع على بعد مليون ميل من موقع تلك الدولة التي كان لورنس قد وعد العرب بها.

نحن الآن مسكونون بهاجس تدمير “داعش”، وهذا أمر مفهوم. فما هم سوى عصابة من القتلة. إلا أن القوى الكامنة التي تضغط باتجاه إنشاء دولة سنية تتجاوز حدود سايكس بيكو – بما في ذلك أجزاء كبيرة مما نطلق عليه اليوم سوريا والعراق – لن تختفي أيا كان المتحكمون بمقاليد الأمور وأيا كان الاسم الذي يطلق عليهم.

صحيح أن ظاهرة “داعش” لا تقتصر على الرغبة في إزالة آثار الاستعمار البريطاني والفرنسي التي مازالت جاثمة بعد قرن من الزمن، إلا أن ذلك يمثل هدفا أساسيا من أهدافها. وإذا ما انتهى المطاف بالعراق إلى أن يقسم إلى كيان كردي وآخر شيعي وثالث سني، وانتهى المطاف بسوريا إلى أن تقسم إلى شريط علوي على امتداد الساحل وآخر سني في الجهة الشرقية من البلاد، فمن المحتمل حينذاك أن ينتهي المطاف بـ”الدولة الإسلامية” إلى أن تحصل بالضبط على ما يعلن عنه صراحة الاسم الذي اتخذته لنفسها حتى بعد أن تكون قد منيت بالهزيمة. سوف تقوم الحدود الجديدة على اعتبارات عرقية ودينية وليس على أساس من التصميم الإمبريالي الذي مر عليه الآن مائة عام. ولا أعتقد أن بإمكان التدخل الغربي هذه المرة أن يوقف ذلك أو يحول دون تحققه.

غايلز فريزر



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.