مختارات

الثلاثاء,4 أغسطس, 2015
لهذه الأسباب قد يكون الحُبّ عبر الإنترنت فكرة سيئة

الشاهد_منذ ظهورها، بدأت الشبكة العنكبوتية، شيئًا فشيئًا، تأخذ حيزًا كبيرًا من حياتنا. وفي السنوات الأخيرة الماضية، بدأت تتداخل مواقع التواصل الاجتماعي في الحياة الإنسانية على مُستويات عدّة. أعداد ضخمة من البشر يعتمدون على الإنترنت عمومًا، وشبكات التواصل الاجتماعي خصوصًا؛ كمصدر دخل رئيسي.


لا نقول فجأة، رغم ما تبديه سرعة وتيرة تطورها، لكن سنقول: بالتدريج بدأ الإنترنت في اقتحام مساحات من حياة كل شخص فينا، لم نكن نتخيلها، تحديدًا الجيل الذي عاش يومًا دون إنترنت. الآن بات الإنترنت – على مستوى كبير – عاملًا أساسيًا في إعادة تشكيل أنماط حياتنا.

من بين المساحات التي اقتحمتها الشبكة العنكبوتية، مساحة العلاقات العاطفية. فمع عالم سيبري بديل عن الواقع بمميزات قد لا يُقدمها الواقع بما فيه الكفاية؛ أضحت وسائل التواصل الاجتماعي فرصة لخلق علاقات إنسانية جديدة، بينها بالضرورة العلاقات العاطفية، سواء للباحثين عن الحب والارتباط، أو الآخرين من هُواة إمضاء الأوقات الممتعة عبر إطار – ربما – أكثر رحابة وتحررًا من الواقع.

رغم ذلك، ثمة أسئلة مُلحّة تدور حول مسألة العلاقات العاطفية عبر الإنترنت: مدى جدّيتها، وصحّتها. هل هي آمنة بما فيه الكفاية؟ وما هو المُستقبل المُتوقّع لها؟ في مُقابل الأصوات المُتفائلة دون حذر، نُمثّل نحن هُنا الصوت الآخر، الأكثر حذرًا وحيطة، وربما عقلانية؛ لذا نضع بين أيديهم أسبابًا “قد” تجعل من العلاقات العاطفية عبر الإنترنت فكرةً سيئة.

علاقات سطحية في عالم غير حقيقي

العلاقات الإنسانية، وكُل ما هو إنسانيّ عمومًا، هي أشياء حقيقية، يصعب، بل يكاد يكون مُستحيلًا، تحويلها إلى مجموعةٍ من الأرقام، أو الحروف المطروقة عبر لوحة الكتابة على جهازك. في المُجمل لا يُحبّذ تسطيح ما هو إنساني لدرجة قبول توظيفه في عالمٍ غير حقيقي!

وأنت على وشك خوض غمار علاقة عاطفية عبر الإنترنت، اسأل نفسك بكل جدّية: كيف أقبل ممارسة ما هو إنساني حقيقي بصورةٍ افتراضية؟

الصورة الضوئية ليست كافية كما يبدو لك!

غالبًا يُحب كل شخص أن يُقدم نفسه للآخرين كأفضل ما يكون، ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. وقطعًا شبكات التواصل الاجتماعي تُقدّم تلك الفرصة، التي تبدو جيدة لكل شخص، إلا إن كُنت تبحث عن علاقة عاطفية.

أخبرني إذًا: كيف ستتأكد من مدى مصداقية أو صحة الصورة المُقدّمة لك. صدقني الصور الضوئية لا تُقدّم شرحًا كافيًا للشخص الذي أنت مُقبلٌ معه على علاقة عاطفية.

ببساطة، الذين نتشارك معهم علاقة عاطفية عبر الإنترنت، هُم بالنسبة لنا أشخاص افتراضيون، حتى وإن لم يكونوا كذلك في الحقيقة. لكن بحكم وسيلة التواصل هم افتراضيون، نرتبط بهم في علاقة افتراضية، عبر عالم افتراضي أصلًا؛ إذًا كيف يُمكن أن نعبر عن عواطف أو مشاعر إنسانية حقيقية لشخص “افتراضي”؟ أو كيف نُصدق ما يُعبّر هو عنه؟

هل تشعر بالأمان أصلًا؟

عدم الإحساس بالأمان، شعورٌ نفسي تتجاوز مُحدداته الخوف من وقوع الضرر المادي، إلى أمور أخرى شعورية. قطعًا، احتمالية وقوع الضرر المادي قائمة طوال الوقت في التعاملات عبر الإنترنت. إذ إنك لست واثقًا طوال الوقت من أنّ من تُحدثه هو نفسه الشخص الذي يُصوّره لك، إما عبر صوره، أو تعريفه لنفسه على صفحته الشخصية أو حسابه الشخصي.

العلاقات العاطفية، وكغيرها من أنواع العلاقات الإنسانية، تحتاج في الأساس إلى تعزيز الشعور بالأمان بين طرفيها، أو أطرافها. بالجملة، يُمكننا القول، إن أية علاقة يشوبها شعور بعدم الأمان بين طرفيها هي علاقة محكومٌ عليها بالفشل.

من بين عدم الشعور بالأمان، الإحساس بالقلق، أو سؤال الجدّية: هل الطرف الآخر جاد في العلاقة؟ ما مدى جدّيته؟ ما الذي يُريده من خوض العلاقة؟ هل هو صادق أصلًا فيما يقوله؟ هذه أسئلة تصعب الإجابة عنها في علاقة عاطفية عبر الإنترنت، يحكمها بشكلٍ كبير مجموعة من الحروف المرصوصة، والوجوه المرسومة!

ما لا يُمكن بناؤُه بين عشيّة وضحاها: الثّقة

أسباب نجاح أية علاقة عاطفية، متعددة وقد تختلف من شخص لآخر بحسب ما يراه مُلائمًا لمتطلباته الشخصية. ولكنّ الشيء الذي لا يُمكن أن تقوم علاقة حقيقيّة أصيلة بدونه هو الثّقة.

كما ذكرنا، الثقة ليست بالشيء الذي يُمكن تأسيسه بين عشيةٍ وضحاها. الثقة بخاصة، من الأمور التي تستلزم مُعاشرةً وهي التي تستلزم بالضرورة تواصلًا مُباشرًا، وكذا مواقف اختبارية كمقياس ثقة لدى كل طرف في العلاقة.

عبر الإنترنت، احتمالات الخداع عالية، بسبب سهولته، ففي النهاية أنت لا زلت تتعامل مع أثير، شيء غير ملموس، وليس هُنا طوال الوقت، ولا يُمكن التّأكد أصلًا من حقيقة هويّته. حسنٌ، دعك من هذه الأخيرة، سيبقى هُناك سؤال آخر: هل يصلك إحساس ثقةٍ حقيقي ببعض كلام معسول على شاشة ضوئية؟ قد تحتاج إلى النقطة التالية لتقتنع.

هذا الأمر لن تشعر به مع شخص «غير حقيقي»!

نتحدث هُنا عن “الوفاء”، الذي يُمثل المُؤشر الأوّل والأقوى على استمرار العلاقة في الاتجاه الصحيح من حيث الجدّية والقوة، وتمسك الطرفين ببعضهما البعض، والتزامهما بالعلاقة.

علامات الوفاء، أو المواقف الاختبارية له، عديدة. ولكن وبما أنّ التّأكد من إخلاص شريكك عبر الإنترنت لك، وأنّه لا يُدير علاقات مُتعددة مثل هذه؛ أمرٌ صعب، بل يكاد يكون مُستحيلًا؛ فسنركز إذًا على المواقف التي يُمكن استخدامها لقياس الوفاء واختباره. لكن قبل ذلك، يجب توضيح أنّ العلاقة العاطفية ليست بعض كلمات الغزل، إنّها حياة كاملة.

حب

من الحياة الكاملة، المُشكلات، التي قد يقع فيها أحد طرفي العلاقة، والظروف الصعبة التي قد يمر بها أحدهما. مثل هذه المواقف تستلزم وقوف الطرف الآخر بجوار شريكه، ومُساندته له. هذا الأمر يُسمّى بالوفاء. وهذه المواقف والظروف الصعبة تُعرف كمقياس ومواقف اختبارية لوفاء شريكك في العلاقة.

المُشكلة في العلاقات العاطفية عبر الإنترنت، أنها لا تُحقق بأي حال من الأحوال نموذج الوفاء الذي تُحققه العلاقات الحقيقية. وإن أكّد طرفي العلاقة على جديّتهما، ووفائهما لبعضهما البعض؛ تبقى تلك مُجرد طرقات على لوحة الكتابة، وتبقى الأعذار كثيرة: انقطاع الاتصال بالإنترنت. عدم التواجد أمام الحاسوب، أو عدم مُلاحظة الإشعارات على هاتفه النقّال.