فن

الجمعة,12 يونيو, 2015
لماذا يتابع الناس الدراما التليفزيونية؟

الشاهد_بمرور الوقت وإلى جانب التطورات التكنولوجية الهائلة ما زال التليفزيون يحتفظ بمكانة كبيرة في كثير من البيوت لما يرتبط به من مشاعر كالألفة والراحة والتخلص من التوتر وأعباء اليوم واجتماع أفراد الأسرة.

ويهتم القائمون على الإنتاج الدرامي بمعرفة مواقيت الجذب الجماهيري لعرض أعمالهم، وهو ما يتميز به شهر رمضان، الذي يعد شهر المنافسة الكبرى بين الأعمال الدرامية والتي تبلغ فيه تكلفة الإنتاج المصري على سبيل المثال لما يزيد عن المليار جنيه في بعض الأحوال.

قد يتصور البعض بالخطأ أن مصطلح دراما يعني الأعمال المأساوية فقط، إلا أن المصطلح في أساسه هو تعبير عن كل أشكال الإنتاج الفني من سينما ومسرح وتليفزيون شرط أن ينطوي على شكل من أشكال الصراع في الحياة ليجسده على الشاشة ويقدم المخرج رؤيته لإنهاء هذا الصراع.

الدراما هي التعبير الفني عن أفعال الإنسان ومواقفه على اختلافها وتنوعها، بل هي التعبير عن الحياة بتفاعلاتها ومشكلاتها بأفراحها وأتراحها.. *من كتاب الدراما والمجتمع في العصر الرقمي في كثير من الأحيان ينظر الناس إلى الفن بشكل عام وإلى الدراما بشكل خاص باعتبارها وسيلة للترفيه لا أكثر، في حين أن الدراسات النفسية تؤكد تخطي الدور الذي تقوم به الدراما إلى أبعد من ذلك بكثير؛ فهي في مجملها تقوم بإشباع حاجات هامة للفرد.

ومن خلال ما يلي سوف نستعرض أهم ما تقدمه الدراما التليفزيونية إلى جانب الترفيه لنتعرف على مدى تأثيرها:

1- المعرفة واكتساب المعلومات

قد يعتبرها البعض وظيفة سطحية إلا أن الواقع يؤكد أن التعليم بالمحاكاة هو أقوى طرق التعليم على الإطلاق، وأن الدراما التليفزيونية تقوم في أساسها على المحاكاة، فالمسلسلات التاريخية والسير الذاتية تقدم حقبات تاريخية كاملة في شكل مبسط وسلس، ولا يجوز لنا بسبب سوء استخدام كثير من النماذج الدرامية أن ننكر أهميتها في هذا المجال. فقط علينا أن نتفكر في كم المعلومات التي تعرضنا لها لأول مرة من خلال عمل درامي!

2- المساعدة في فهم النفس البشرية

كما قلنا سابقًا إن الدراما تقوم على المحاكاة وكذلك عرض التناقضات وتجسيد النماذج البشرية المتنوعة، وذلك يؤدي إلى استعراض عميق للدواقع الإنسانية والغرائز والرغبات. كذلك فإحدى أهم خصائص الدراما أنها تعمل على مساعدة المتلقي على التقمص، فهو يتخذ موقفًا إيجابيًا من أحد الشخصيات التي يشاهدها، ويتوحد معها عاطفيًا ويكتسب الخبرات التي تعرض لها وتتحول النماذج التي تعرض أمامه إلى جزء أصيل من حياته الإنسانية التي تساعده على فهم الحياة بل واتخاذ القرارات.

3- فهم الحياة واكتساب القيم والأفكار

تحدثنا عن مفهوم التقمص الوجداني والذي يساعد المتلقي على تكوين وجهات نظر عن الشخصية والتأثر بها في الحياة بشكل عام، إلى جانب ذلك تقدم الدراما التليفزيونية بعض القيم والأفكار في صورة عميقة سريعة التغلغل في النفس البشرية من خلال المعايشة، ففي كثير من الحالات يتأثر الفرد بمسيرة الأبطال خلال العمل الدرامي وتضحيتهم في تحقيق أحلامهم وكسب معاركم فيتزود بقيم العمل والحلم والرغبة في استكمال مسيرته الخاصة في الحياة أو في تعامله مع المشكلات التي يواجهها.

4- تسهيل التفاعل الاجتماعي أو تقديم بديل عنه

يظهر ذلك بصورة واضحة في الشخصيات الانطوائية، حيث تجد في متابعة الأعمال الدرامية صورة بديلة لحياتها الاجتماعية، تتفاعل فيها مع الشخصيات وتتعايش معها وتتخذ منها أصدقاء وأسرة. كذلك ترى بعض الدراسات أن وسائل الإعلام في كثير من الأوقات تقوم بدور بديل عن التفاعل الاجتماعي كما في حالات الخرس الزوجي، وحالات الهروب من العلاقات الاجتماعية والضغط النفسي.

5- الشعور بالأمان والاستقرار

يتذكر جيدًا جيل الثمانينات موعد مسلسل السابعة مساء، التفاف الأسرة والصمت، يذكر متخصصو الطب النفسي أن الإنسان في يومه بحاجة إلى نقاط إرتكاز لمساعدته على الشعور بالأمن والاستقرار، وفي حالات كثيرة تقوم الدراما التليفزيونية بهذه النقطة، خاصة لربات المنزل وكبار السن، فهي تشعرهم أن اليوم يسير وفق نظام محدد مما يضفي عليه الشعور بالاستقرار والأمان بعيدًا عن الاضطراب وهو ما يشعرون به كثيرًا مع نهاية عرض موسم المسلسلات أو في أيام انقطاع العرض في الحالات الاستثنائية.

6- إشباع الرغبات الإنسانية

كالشعور بالحب، بالانتقام، بالبطولة، بالانتصار…

كلها رغبات إنسانية يبحث الإنسان عنها خلال يومه، وتقوم الأعمال الدرامية بالتركيز على مثل هذه الرغبات فتقدمها للمتلقي من خلال المعايشة فيتلقاها المشاهد ويتفاعل معها ويشبع جزء من رغباته، كتلك البطلة التي تبحث عن حب حقيقي رغم أنها قبيحة ولا تجد من يعجب بها، ثم تدور أحداث المسلسل لتجد حبها الحقيقي الذي يبحث عن جوهرها النقي، أو كذلك البطل الذي يقرر الانتقام من الفاسدين لأن القانون يعجز عن الوصول لهم.

إلى هنا نكون قد استعرضنا أهم التاُثيرات الإيجابية التي تتركها الدراما على نفسية المتلقي.

إلا أن الإنتاج التليفزيوني في كثير من الأحيان بل في أغلبه يسعى إلى تحقيق الربح، وتحقيق الأرباح يتخذ مسارًا مختلفًا ربما عن تحقيق القيمة، وهذا ما أكدته الدراسات التي قامت على تحليل الصور الذهنية المقدمة من خلال الدراما العربية على وجه التحديد، فتحقيق الربح والمنافسة قد يجعل البعض يؤمن بفكرة تقديم ما يحقق رواجا بين الجمهور بغض النظر عن أي اعتبارات أخلاقية أخرى.

1- ترسيخ الصور النمطية

المرأة سليطة اللسان، الغاوية، المهمشة، فتاة الليل المغلوبة على أمرها، تاجر المخدرات العاشق، المجرم الظريف، البطل السكير، رجل الدين المنافق .. صور كثيرة يتم تقديمها في إطار الدراما بشكل متكرر حتى أصبحت صور ذهنية تلقائية يتم استدعائها في أي موقف، هذا يعد أخطر التأثيرات على الإطلاق، فالمعايشة كما ذكرنا سابقًا تجعل المتلقي ينظر للشخصية التي يتم تقديمها على الشاشة باعتبارها شخصية حقيقية في مجال تعاملاته اليومية، وهذا ما يجعله في كثير من الأحيان يقع ضحية التعميم وإصدار الأحكام. وهذا ما استدعى كثير من الدراسات الإعلامية التي حاولت تحليل صورة المرأة في الدراما العربية لتجدها في مجملها صورة سلبية إلى جانب صورة ذوي الاحتياجات الخاصة وأهالي الأقاليم والأرياف.

2- التضليل

نعرف جيدًا أن وسائل الإعلام في أساسها وسيلة لتقديم المعلومات إلى الجمهور، والدراما التليفزيونية تحوي واقع الحياة اليومي، وجهات نظر، سير ذاتية، فترات تاريخية، ومن هنا يأتي عن طريق القصد أو غير القصد طرح المعلومات الخاطئة والرؤى المغلوطة، فيعد تضليلًا كاملًا للمتلقي الذي يكتسب المعلومة لأول مرة وبشكل عميق. فنجد اليوم كثيرا من المصطلحات والمفاهيم الدينية والعلمية والسياسية يتم تناولها بشكل خاطىء من خلال العمل الدرامي فتنتقل إلى الجمهور ويصعب تغييرها بالطرق الأخرى.

3- الصدمات النفسية و نشر الأوهام

يتعايش المتلقي مع الأحداث ويتقمص وجدانيًا الأفكار والمشاعر المطروحة عليه، ليخرج إلى الواقع فيجد الحياة بعيدة كل البعد عن تصوراته وأفكاره، يفقد الثقة في الواقع وينسحب من الحياة ويشعر بالبؤس، قد يبدو الحديث هنا مبالغًا فيه، ولكنها الحقيقة تحدث ببطىء شديد وعلى فترات متباعدة، فكم رأيت من قبل نماذج للدراما التليفزيونية وفي قرارة نفسك رأيت أنها مجرد خيال أو فيلم هندي! كيف تتحول النهايات دائمًا إلى سعيدة، كيف ينتصر الخير دومًا ويُهزم الشر! هل وجدت نفسك من قبل تبحث في الحياة على العدل الإلهي، الصورة التي رأيتها في الدراما من قبل، إنه تأثير الدراما البطىء يزرع الأفكار ويتركك تواجه الحياة بنظرة جديدة.

4- الغزو الفكري والثقافي

ظهرت مؤخرًا بعض الأصوات التي تطالب بإيقاف عرض الدراما التركية على الشاشات المصرية نتيجة لما تقوم به من غزو ثقافي، وبرغم أن هذه الأصوات تطالب بأمر غاية في السطحية نظرًا لكوننا في عصر الفضاء المفتوح وصعوبة اللجوء لقرار منع نشر الأفكار والفنون، إلا أن الحقيقة تؤكد قدرة الدراما التليفزيونية على الغزو الثقافي والفكري طوال الوقت، وهذا ما يحدث على مدار السنوات الطويلة سواء من خلال الدراما التركية أو الدراما الأمريكية أو الدراما السورية، وكذلك الدراما المصرية في الشرق الأوسط، اللغة والثقافة اليومية والعادات والتقاليد كلها يتم عرضها من خلال الدراما التليفزيونية بشكل مرن ومتناغم يصعب الشعور به وإدراكه اللحظي، والأمر لا يتوقف على الغزو من خارج الدولة بل في الحديث عن عرض ثقافة المدينة وعاداتها على الجمهور في الأرياف والضواحي، هو غزو كلي يؤدي إلى تنكر للثقافة الشخصية واستبدال الثقافة الجديدة بالقديمة خاصة في حالات انعدام الانتماء السائدة.

5- الطموح المرضي

يؤدي خلق الصور النمطية لخلق مفاهيم مغلوطة عن الحب والسعادة والنجاح، يتحول المشاهد من متلقٍ إلى عاقد للمقارنات، يقارن بين وضعه المادي ووضع أبطال العمل الدرامي، يقارن بين أسرته وأسرتهم، تقارن كذلك المرأة بين تعامل زوجها وتعامل البطل مع البطلة، تعبيره عن الحب، الهدايا، وسائل الترفيه…كل التفاصيل الصغيرة تتحول إلى معيار للمقارنة يسعى المتلقي في حياته اليومية أن يبلغها، دون أن يدرك أن معايير الحقيقة تختلف عن معايير المخرج، وهو ما جعل البعض ينادي القائمين على الأعمال الدرامية بالنزول قليلًا إلى أرض الواقع والبعد عن الأحلام الوردية والتركيز عن طبقات معينة في المجتمع.

بعد هذا العرض السريع لتأثيرات الدراما التليفزيونية على المشاهدين، يمكن لكل فرد إدراك مدى التأثير الواقع في نفسه من خلال متابعته لهذا الفن المهم، والتأكيد على أهميته مع ذلك، لما يمكن من خلاله تحقيق أعلى إشباع لحاجات إنسانية مهمة وباعتبار هذا الفن وسيلة مهمة في التأثير على الجمهور لو يدرك القائمون عليه قيمة ما يقدمونه.

الشيماء عبد الخالق



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.