الرئيسية الأولى

الخميس,10 مارس, 2016
لماذا نحج البغدادي في الموصل والرقة وفشل في بن قردان ؟

الشاهد _ رغم أنه تمرس على حرب العصابات وتمكن من الحياز على تقنيات أهلته لتحسين آدائه الإعلامي والرفع من جودة التواصل وحماية علاقاته البينية التي تدار عبر الوسائل الحديثة ، ورغم قدرته على الحشد واستعمال الدعاية وإستمالة الشباب عبر الشحن والمؤثرات ومغازلة الإدفاع والرغبة في التفوق والعنترة ، رغم كل ذلك فإن التنظيم الأخطر في العالم خسر معركته الأهم والتي ووفق العديد من الخبراء ستعجل بإضمحلاله ، بعد أن أكدت جميع الإشارات أن بن قردان كانت نقطة العودة إلى الصفر وأعطت إشارة إنطلاق تحلل داعش وإنتهائها إلى الذوبان .

لا شك أن لتنظيم داعش قوة كبيرة وحالة إندفاع أقرب إلى الهيجان استطاع من خلالها إقتحام الموصل والأنبار وافتك العديد من المدن بعد أن طرد منها الجيش السوري ، فكيف تراه حقق كل نجاحاته هناك ، وفشل هنا في تونس رغم أن جيشها لم يخض المعارك الطويلة وليست لديه تجارب في حروب العصابات ، لا يمكن أن نتحدث عن تفوق الجيش التونسي والأجهزة الأمنية على بقية الأجهزة العربية التي خسرت العديد من المعارك أمام التنظيم ، لذلك لا يسعنا القول أن داعش اندحر أمام الجيش التونسي أو الأمن وإنما يصح القول أنه انكسر على صخرة المعادلة التونسية ، تلك التي تحمل خليط سحري تداخل فيه الأمني والعسكري والمدني فشكل حصانة قد تلوح للعين المجردة بسيطة صغيرة ، لكنها صلبة صماء تحمل في طياتها مقومات البقاء ولديها قابلية لمقاومة الإرتطامات والصدمات ، تلك المقاربة التونسية الناهلة من معين السهل الممتنع ، لا تبدو ضخمة هادرة لكن تفاجئ الجميع عند الملاحم والمحطات الحاسمة .


لا يمكن أبدا فصل ملحمة بن قردان عن ملحة الثورة التونسية ، الكل يتسائل عن الخسائر التي تكبدها التنظيم في تونس ولم يتكبدها في بلاد الرصاص والحروب والإنقلابات والتمرد ، نفس هؤلاء تساءلوا عن سر إنطلاق الثورة من تونس ثم تساءلوا أكثر عن سر إستعصاء دولة المغرب العربي الصغيرة الهادئة المسالمة وكيف أنها لم ترضخ لثورة مضادة رغم كل ما حشدته من مقدرات داخلية وخارجية ..يستغربون لأنهم يقيسون الأمر بالقوة والعضلات ، وتناسوا المقاربات ، هذه البلاد تملك ثقافة المقاومة وليس قوة المقاومة ، تملك ثقافة إدارة الأزمات وليس ثقافة الإجهاز على أطراف الأزمات ، هنا في إفريقيّا في تونس وبين مكونات شعب الخضراء ترعرعت فكرة قديمة جديدة ، تفيد بوجود خيار ثالث بعيد عن الغالب والمغلوب ، فكرة تحسن ترتيب الأولويات ولا تنهك المجتمع وتستهلك قوته في المعارك الداخلية الشقية الغبية ، حتى إذا حانت المعركة الحاسمة وجدت قوى المجتمع قد خارت واعتراها الفتور فتغول المعتدي .


لقد فشل داعش في الوقوف على تاريخ تونس وكيف صنعت رموزها و إستقلالها و ثورتها ، لم يتسرب داعش من جنوب البلاد لأنه متاخما للحدود الليبية فحسب ، بل إقتحم من هناك لمعرفته بالشرائح التي تحتضن الخطاب الديني ، ولعلمه بأن المجتمعات المحافظة تألف الدين وتركن إليه وتبجله ، لذلك إختار بن قردان ، لم يكن يبحث عن ثكنة يعتليها بقدر بحثه عن حاضنة ..ولما تقدم إكتشف أن الجهات المحافظة كانت حسمت أمرها منذ أمد بعيد ، ومكنتها فطرتها النقية من التفريق بين سماحة الإسلام ووحشية التنطع .. لقد فشل البغدادي في قراءة شخصية الدغباجي فوقع طعما لأحفاده .

نصرالدين السويلمي



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.