مقالات رأي

الإثنين,2 مايو, 2016
لقاء مع حميد عبايدية … أي صدفة كانت خير من ألف ميعاد …

الشاهد_الكاتب كالحوت … إذا أبتعد عن قراءة الكتب وكتابتها قد لا يعيش… فعرق الحياة مشدود لديه بشحنة الكلمات التي تتفجر نوازعها لتنبت حكايا وخيالات للذكريات والحنين.. والأهم أنها تدون تاريخا بلا زيف … فلا تبتر ولا تمحى جوانبه… .وكنت أسأل حالي من أين يأتي حميد عبايدية بالكلمات … وكنت أتعجب من افتتاحية محمد الحمروني وأنا أقرئها كل مساء في طريق الى البيت كيف تلامس كل ما نفكر فيه ونعجز عن التعبير عنه… ومن أين يولد الكلام وكيف نكون قادرين على قول ما نريد والتعبير عن ما نشعر دون قيود او تجاوزات. حميد عبايدية … أخيرا كان اللقاء …لا أذكر عدد الأصدقاء الذين حديثتهم عن حميد عبايدية وقصصه …. كما حدثتهم في سنوات الباك والجامعة عن حنا مينا …. وعن رواية الأبنوسة البيضاء و حكاية بحار وكتاب نهاية رجل شجاع ورواية النجوم تحاكي القمر والذئب الأسود… حدثتهم أكثر عن رواية الياطر وبطلها زكريا المرسلني وشكيبة حبيبته… وفي سنوات الباك الثلاث أعدت قراءة ” الياطر” مرات ومرات … وفي كل مرة كنت أكتشف أن الكاتب يخفي أكثر مما يبطن لكنه في الأخير تمكنمن جذبي وأسري اليه كقارئ أن أبحث عن كتبه بين المعارض وفي كل المكتبات وأخيرا على الانترنات، وأسافر طواعية مع صور رسمها بالكلمات، مزجها بألوان حياة صورها كما شاء. حميد عبايدية … لم يكن مجرد كاتب … وكلمة مناضل شوهوها فلمعت أكثر ذهبا خالصا لمن وقفوا في وجه دكتاتورية ظالمة وكسروا شوكة الصمت المفروض…. حميد عبايدية الانسان والمناضل والأديب الذي يكتب في صمت وينشر في صمت … ويبيع كتبه في صمت … دون رغبة في لفت الأضواء اليه. لم أكن اعرف حميد عبايدية، الا حين قرأت له رواية سنوات العذاب” التي كان لها وقع في حياتي … وكان اول انطباع لي أن الرجل فنان والأهم أنه ساحر … سلاحه الكلمة الصادقة التي لا ترد … سحره مزيج الفرح والألم الذي ينعشك وأنت منهمك في تتبع أحاسيس البطل وهواجسه. وحيرته … ووحدته وتساؤلاته المجنونة حين يسأل نفسه ويحدث البحر ويصرخ في وجه فيقول ” وسألتني وأنا أقف أمام البحر، أمام شاطئ بوجعفر، سألتني وغصة تزحم صدري والمرارة في حلقي وعلى لساني : ترى من أين ابتدأ الخطأ الأول الذي تناسلت بعده بقية الأخطاء أحاول ترتيب الأحداث وفهم حقيقة ما جرى.. ذهبت أشياء، اغتيلت أحلام، تشردت آمال وتغرّبت أماني. لكنه يستدرك بالقول ” ومع ذلك ظلت أشياء تلمع وتدرأ عنها النسيان كأني لم يبق لي سوى الذكريات أتلفت حولي كالأبله وكان كورنيش بوجعفر حاليا في هذا المساء الشتائي الحزين لوعة في القلب. ثم يناجي ربه طلبا للهداية الى الحق … لانارة الطريق الذي يضيق ” يا رب لقد ضاقت عليّ نفسي أريد أن أفهم أريد أن أصرخ بالصوت العالي وأن تسمعني كل الدنيا أريد أن أقول كل شيء بعد أن ذهب كل شيء ذهب الفرح وذهبت رانية ثم يضيف ” حياتي شطرت شطرين وكل شطر منها في مكان متناء وزمن مختلف. يبدو لي ماضيّ كأنه ليس ملكي كأنه ليس جزء مني. كأني لم أعشه ولم أكتو بناره إنه يبدو لي بعيدا وقريبا عدوا وصديقا ظاهرا وغائما، لي وليس لي. تأكلني الهلوسات والهواجس” . حدثته في أول لقاء أني بحثت عنه كما كنت أبحث عن كتاباته، وقلبت كل الوجوه التي تعترضني في مسيرة البحث، حتى لمحته مصادفة بشارع الثورة. قلت له أني أحببته في رواية سنوات العذاب … وعشقته في سلسلة ” في القلب جمرة ” … وعجزت عن قراءة رواية ” الشفق الاسود … فقد خفت من الكلمات … فساعت تكون الكلمة قاتلة وخيرت الهرب من الكلمات الى كلمات أكثر حدة بإعادة قرأة ” رواية سنوات العذاب” التي أهداني الياها مؤخرا في هذا اللقاء … حميد عبايدية … ليس حنا مينا … وحنا مينا ليس حميد عبايدية … والفرق أن روايات حنا مينا بثت فيا وحشة لا ترحم وفرضت عليا الانزواء بعيدا عن العالم والعيش وحيد… وعلمتني روايات حميد عبايدية الذي فركت مرات كثيرة أن أذهب الى سوسة بحثا عنه … وقد كنت أعرف أن حديثه عن سوسة في رواياته ليس مجرد سرد …. وكنت اعرف أن الكاتب قادر على التمويه لكنأحاسيسه تفضحه حتى حين يتقمس دور الحبيبة وتراوده تساؤولاتها ويشعر بلسعة ندمها أن فرقهما الزمن العصيب… علمتني أن أعيش …رغم كل شيئ أن لا أقف على الماضي فالحاضر أجمل …الحاضر هوالحياة مع حفظ التاريخ …. علمني عبايدية الصبر … علمني الكلام والحكمة … والأهم أنه لقنني درسا جديد ان كل شيئ يمكن احيائه … يمكن تجديده وان حياتي بحلوها ومرها اليوم لن تكون كماضي الامس الأليم.

عمار عبد لله



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.