وطني و عربي و سياسي

الأحد,16 أغسطس, 2015
لقاء أردوغان والسبسي الابن.. قوة النداء أم قوة الأخوة التونسية التركية؟

الشاهد_اللقاء المفاجئ بين رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان والقيادي البارز في حركة نداء تونس حافظ قائد السبسي صنع الحدث لاعتبارات عديدة أهمها:

أولًا: مكانة أردوغان كزعيم إقليمي بل دولي رفيع تحول إلى نموذج يكاد يكون غير مسبوق لنجاح الإسلام الديمقراطي في الحكم.

فأردوغان نجح في نقل تركيا من دولة مثقلة بالمشاكل والديون والفوضى السياسية إلى القوة 16 في العالم، بنسبة نمو أكثر من 10 بالمائة وبمعدلات منتظمة تؤهلها لتكون القوة العاشرة في حدود سنة 2023.

ثانيًا: مكانة تركيا الأردوغانية في التوازنات الجيوستراتيجية في علاقة بثلاثة ملفات رئيسة هي الصراع الدائر في أوكرانيا بين الغرب وروسيا (تركيا عضو في الحلف الأطلسي وهي في تماس مباشر مع موسكو)، ومواجهة خطر داعش بعد اقتناع صناع القرار البارزين بانه لا مجال لقهر تنظيم الدولة دون الاستفادة من تجربة تركيا في مقاومة الاٍرهاب وضمان مصالحها في المنطقة، أما الملف الثالث فهو تجاوز المعضلة السورية في ارتباط بتداعيات الاتفاق النووي مع إيران، والذي أفسح المجال للحديث عن حاجة المنطقة إلى جبهة سنية تقودها تركيا والسعودية في مواجهة المد الشيعي.

ثالثًا: إن الدبلوماسية الشعبية مازالت في خطواتها الأولى في تونس ولم يعتد الملاحظون على لقاءات السياسيين التونسيين مع زعماء العالم باستثناءات قليلة قبل الثورة وبعدها، وعلى العكس من ذلك تكون زيارة وزير سابق أو عضو برلمان من أمريكا وأوروبا وحتى فنان أو رجل أعمال لتونس حدثًا كبيرًا يحظى خلاله باستقبال رسمي وتغطية إعلامية.

اللقاء تحول من حدث سياسي هام يمكن الاستفادة منه لتعزيز العلاقات التونسية التركية، إلى ما يشبه الصدمة في صفوف قادة النداء الذين تراوحت ردودهم بين الصمت ومحاولات التبرؤ من اللقاء واعتماد اُسلوب «مناور» في الركوب على المقابلة مع تقزيم طرفيها، كما ورد على لسان أمين عام نداء تونس محسن مرزوق.

المنتظر من مسؤول حزبي رفيع كان تقديم الشكر لرئيس جمهورية تركيا على استقباله قياديًا بارزًا في حزبه، وحرص أنقرة على إقامة علاقات طيبة مع مختلف الحساسيات السياسية في تونس وليس تقوية طرف على حساب أطراف أخرى ووضع اللقاء في إطار مستقبلي بناء مع إبداء أي تحفظات على مواقف تركيا، غير المتصلة بالشأن التونسي.

العكس هو الذي حصل وبطريقة غير مقنعة وتنم عن تسرع أو استسهال للحديث من أمين عام حزب حاكم. مرزوق قال إن اللقاء دليل على قوة نداء تونس ، رغم أن أمينه العام لم يتمكن إلى الآن إلا من مقابلة وزير خارجية روسيا وكمبعوث لرئيس الجمهورية، إضافة إلى رئيس جمهورية سابق يبحث عن العودة إلى الأضواء. بلغة لا تخلو من تهكم غريب قال مرزوق إنه من غير المعتاد أن يُستقبل نائب رئيس حزب من طرف رئيس جمهورية!! وطبعًا العبارة الشائعة هي أن حافظ قائد السبسي كان في زيارة شخصية وكأن لقاءه مع أردوغان كان محطة سياحية!!

رغم أن مصادر مطّلعة أكّدت لـ«الشروق» أنّ السبسي الابن ذهب خصيصًا إلى أنقرة في زيارة قصيرة لم يغادر فيها النزل إلا لمقابلة الرئيس التركي في القصر الجمهوري بأنقرة، ولم يكن له أي نشاط آخر لا على المستوى الشخصي ولا السياسي .

كيف يمكن أن نقرأ الزيارة إذن ؟

تركيا كانت من الدول القليلة التي مدت يد العون لتونس بمساعدات مالية وكذلك بتجهيزات متنوعة وخاصة الأجهزة الأمنية والبلديات، غطى عليها الفشل الاتصالي لحكومة الترويكا وعدم تمييز المعارضة وقتها بين المناكفات الحزبية ومصالح تونس الاستراتيجية، وهو اليوم من الوجهات الرئيسة للتونسيين للسياحة خاصة إلى جانب الاستثمارات التركية الضخمة التي تدفقت على تونس في العقد الأخير، والتي بقي أغلبها معلقًا أو اُضطر أصحابها إلى صرف النظر عنها.

ولذلك ليس من المستغرب أن يحظى السبسي الابن بهذا الاستقبال النوعي بصفته الحزبية والمكانة الاعتبارية التي بات يحظى بها بفضل رهانه القوي على التوافق وتصديه لما كان يعرف بالتيار الاستئصالي في النداء، وهو ما يفسر حرص كل السفارات الغربية البارزة المعتمدة في تونس، مثل أمريكا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا على استقباله في السنة الأخيرة للاطلاع على أفكاره ورؤيته لمستقبل النداء في علاقته بالدساترة والإسلاميين.

حافظ قائد السبسي الذي كان من الشخصيات الأكثر إثارة للجدل الإعلامي والذي اتهمه خصومه في السابق بقيادة تيار التطبيع مع النهضة، ومحاولة تحويل النداء إلى «تجمع دستوري ديمقراطي جديد» إلى جانب محمد رؤوف الخماسي، شخصية سياسية من العيار الثقيل، وكانت مواقفه قبل الانتخابات وبعدها حاسمة في توجيه دفة النداء نحو خيار التوافق الوطني لذلك من الطبيعي أن يعامل في الخارج بمراعاة قدرته على التأثير في القرار السياسي وتوجيهه.

التعتيم المقصود على هذا الجانب في شخصية السبسي الابن والتركيز على القرابة برئيس الجمهورية أو محاولة تشويهه سياسيًا أو شخصيًا، زاد من شعبيته وسرع خروجه من «جلباب والده»، رغم حرص الابن على تاكيد أنه يقود «خط الباجي قائد السبسي».

لقاء أردوغان وحافظ قائد السبسي رسالة قوية من الشقيقة تركيا مفادها أنها معنية بنجاح تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس، وأنها حريصة على أن تكون لها علاقات طبيعية ومتينة مع تونس الرسمية والشعبية.

وهو مؤشر على أن السبسي الابن جاد في المضي قدمًا لإنجاح رهانه على لم شتات الدساترة وترسيخ التوافق الوطني الذي يمر حتمًا عبر الشراكة بين خصوم الأمس، أي الإسلاميين والدساترة.

ترك برس

 



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.