الرئيسية الأولى

الأحد,6 ديسمبر, 2015
لـغــة “الـظــاد”

الشاهد_التلميذ والمعلمة:
كان غيورا على اللغة العربيّة.. يتحرّق شوقا للدفاع عنها.. يحدوه الأمل في نهضتها التي يتمناها ويراها قريبة.. في أواخر السّنة الدراسيّة طُلب منه ومن زملائه إعداد موضوع في محور يشغلهم، فاستغل الفرصة وبثّ همومه في نصّ مطوّل تحدّث فيه عن ما تتعرض له ” لغة الظاد” من تهميش واستهداف وتغيّيب بل ومحاولات موصوفة لوأدها.. ورغم أنّه ما يزال في مرحلته الابتدائية إلا أنّه تعلّق باللغة أيّما تعلق..

 

 

 

أنهى الموضوع الذي صرف فيه ليالي، عنونه بــ ” لغة الظاد ” ثمّ سلّمه… تسلّم موضوعه في اليوم الأخير للدراسة بعد التصحيح والمراجعة… قلّبه بلهفة فوجد كلمات في أسفل النصّ كتبتها معلمته باللون الأحمر:

 

 

حُرقة مفهومة.. اهتمامات مبجّلة.. وموضوع منجز بعناية كبيرة وتركيز عال، فعلا لقد حزت إعجابي، لكن لديّ رجاء أسوقه بلطف، بما أنّك – عربيّ – واللغة العربية عزيزة علينا جميعا، فإنّي أدعوك وأتمنى عليك أن تصرف هذا الذهن الوقّاد في الدفاع عنها، عن ” لغة الضّاد ” بدل الدفاع عن “لغة الظاد ” التي لا أعرفها، لكن من المؤكد أنّ لها شعوبها التي تدافع عنها..

 

عطلة سعيدة يا بني
م – ف – معلمة السنة السادسة إبتدائي “ب” .

 

أزمة لغة
هل من الموضوعيّة أن نتساءل فيما إذا كان بوسعنا تعهّد حروف اللغة العربيّة بالمراجعة والتنقيّة والصيانة الدوريّة؟ ثمّوكيف يتمّ ذلك؟! ومن يقوم على هكذا مهمّة؟ هل العمليّة تحتاج إلى خبرة ودراية أم إلى صدق وصبر؟! كيف يمكن معالجة هذه الحروف المتآكلة المأزومة المهزومة؟؟ لكن قبل هذا كيف يمكن عتق الحروف واستنقاذها وهي عبيد وإماءفي أيدي السماسرة ومن ثمّ تحويلها إلى الثقاة من أهل الاختصاص لتطبيبها.

 

 

إن لم يكن الواجب هو المحفّز الأول للتحرّك فلا أقل من أن تكون الشفقة على هذه الحروف التي طالما أرضعت قومها الأمجاد،وخصّبت عقولا كانت بورا.

 

 

واجبة هي صيحة الفزع اليوم أكثر من أيّ وقت مضى، لأنّ الأمر جلّل.. ولأنّه عندما تُصَفّف الحروف العربيّة أمامك، وتجول بعينيك في هياكلها.. وتُقلّب ناظريك في هزالها وما علق بها من درن يجب أن يكون بحوزتك مخزونا هائلا بل خرافيا من التفاؤل حتى يكون لديك أمل في تماثلها..

 

 

لم تعد الحروف مصفّفة كما كانت ولم تعد منضبطة..لقد اعترتها حالة من الفوضى، فهذه “سين العرب” التي كانت تستمد صفائها من عيون زرقاء اليمامة وحدتها من ذهن الخنساء تمايلت أسنانها وتآكلت أحشاؤها، واصفر ورسها من فرط استخدامها دروعا في جبهات الاضطهاد، وتخمة في وجبات الفساد.. فلم تعد “السّين”سنابلا و سواعدا وسقاية.. “سين” اليوم أصبحت سجنا وسراديبا وسعارا وسرقة.. تفرّقت مكوّنات اللغة وانفرط عقدك يا عربيّة!!! فجُرجرت “دَالُكِ” إلى الداخلية، وزج بــ “ألِفُكِ” في الأزمات وصارت “هَاؤكِ” هزّا، و”شِينُكِ” شذوذا.. و”تَاؤكِ” توريثا.. وأصبحت “فَاؤكِ” فولاذا.. و”جِيمُكِ” جدارا.. واستدعيت “مِيمُكِ” إلى مهام أخرى..

 

 

هُجنت ذاكرتك،، وتخنثت مذكراتك.. واسترجلت مؤنثاتك ، عقود والحروف تستعمل ضدّ فطرتها، حتى يئست فانفجرت وتمرّدت، تنكّرت “لن” للزمخشري، و”واو عطفك” تحجرت وذهب عطفها،و”لاؤك” انتكست فأصبحت تبرر المنكر ولا تنهى عن فحشاء.. ولم تعد ” من، إلى ،في، عن، على، لعلّ، متى، مذ ،ربّ، كي”… صالحة للجر، فبعضها اتجه إلى “النصب”.. والبقيّة تبحث لها عن وظيفة أخرى خارج إطارها المعتاد ، لأنها ملّت العيشة في كنف هيكل طال احتضاره.

 

من فرط استعمالها في دوائر الدولة وقصور الحكّام ومحاكم العرب فسدت طبائع الحروف وانتهك الجوار وخفرت الذمم.. فهذه “تاء” عوراء بنقطة واحدة وجارتها “ثاء” أمست بثلاث أصبحت على أربع! تقسم بأغلظ الأيمان أنّها رُباعية الدفع هكذا خلقت بأربع نقاط قبل 100 ألف عام في عدن..

 

 

في عصر انتكست فيه اللغة والتاريخ والجغرافيا.. اكتشف التنويريون أنّ الطائي مبذرا والمتنبي ثرثارا، وحسّان متفيهقا في الجاهلية متلعثما في الإسلام.. والبخاري متعصّبا دينيا، والزمخشري متطرفا لغويا، والجاحظ تآمر مع الأصمعي على الأدب… واهتدوا إلى أنّ قواعد اللغة زوّرها سيبوية في بيت الخليل بن أحمد الفراهيدي بتواطئ مع يونس بن حبيب الضبي..

 

 

تغيّرت قبلة الأدباء والشعراء والفلاسفة والنحاة كما تغيّرت من قبلهم قبلة الطغاة..

إييييييه يا عربيّة لا الكوفة كوفتك ولا البصرة بصرتك…

 

 

إيييه يا عرب أصابت ضادكم عجمة مُذْ قلع العراق شواربه وتعمّم بالسواد وتغيّر طعم آذانه،، ومنذ استورد علب المارينز وفوت في بساتين النخيل.. مذ تصافدتغلمان وغواني “بلاك ووتر”، وتهادت مخمورة بين حجرة زبيدة وإيوان الرشيد.. مذ فقدت خيولكم حوافرها وأصبحت جمالكم بلا ذروة مطيّة سهلة ” لمن غُلبوا ومن غَلبوا ذات يوم في أدنى الأرض”… مذ أصبحت ضادكم ظاءً.. وظاؤكم ذالا.. وأميركم ذيلا.. وذلّ شريفكم.. مذ أصبحتم بلا ميمنة ولا ميسرة.. منذ ذهب السقاة إلى أرضها وتخلّف الجيش عن المعركة.. مذ أقعد السكر فرسانكم فهبت الصبايا يدفعن الصائل عن حياضكم.. مذ أصبحت فتواكم تحت الطلب، وخطبة جمعتكم يصنعها شرطي.. وينثر حروفها شيخا متعتع اللسان والجسد فوق جموع المصلين ثم يهشّ بعصاه النقاط والحروف والحركات المتساقطة تحت أقدامه خجلا من عيون المؤمنين..

 

 

حروفكم أصيبت في مقاتلها، والعربية تلحّّن.. حروفها تتلعثم، لغتكم تلفظ أنفاسها وبلكنة أعجمية تسلم الروح، بابا.. ماما.. طاط… ز..ز ..خ……خ…خ..خ…آآآآآآآه إنّ للموت لسكرات.

 

 

كعادة العرب يغردون خارج السرب ويجهّزون أسلحتهم عقب انتهاء المعارك ويتحركون لا عند اللزوم بل بعد اللزوم، عرضوا لغتهم على حكيم مغبون في حكمته، مدّ يده وأخذ الضّاد ليفحصه لأنّه رأس الأمر كله، إذا فسد فسد ما بعده، وإن صلح صلح ما بعده… لم يلبث طويلا حتى ألقى لهم ضادهم فارتطم بالأرض وقال: عجبا لكم تُجهزون على القتيل ثم تبذّرون الوقت والمال في علاج الجثة.. إنّه من محاسن أقوال أسلافكم: “إكرام الميّت دفنه”.

 

 

نصرالدين السويلمي



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.