لقاء خاص

الخميس,4 يونيو, 2015
لطفي زيتون:لا مكان بعد الثورة لشعبين ومجتمعين في بلادنـا

 

الشاهد_زاول تعليمه الابتدائي بمدرسة سيدي علي عزوز بالعاصمة ثم بالمعهد الفني بتونس لكن الاعتقالات المتتالية التي تعرض إليها حالت دون استكمال دراسته الجامعية في تونس بسبب الحملة التي شنها نظام بن علي على ناشطي حركة «النهضة».

بدأ رحلة المنفى في ديسمبر 1990 في الجزائر وعمل هناك مراسلا لبعض الصحف العربية ثم غادر إلى بريطانيا سنة 1992 اين واصل عمله الصحفي وتحصل على ديبلوم اللغة الإنقليزية والتحق بالجامعة من جديد فتحصل على بكالوريوس الحوكمة والتاريخ السياسي من جامعة شرق لندن ثم تحصل على الماجستير في نظريات العلاقات الدولية من جامعة كانتربري ببريطانيا.

شغل موقع مدير مكتب رئيس حركة «النهضة» من سنة 1993 إلى غاية 2006 كما كان عضوا في المكتب الإعلامي والسياسي للحركة بالمهجر خلال التسعينات.

في سنة 2000 التحق بالمكتب التنفيذي ومجلس شورى «النهضة» في المهجر وشغل منصب رئيس تحرير مشارك لفصلية «مراصد» التاريخية.

لطفي زيتون، المستشار السياسي للشيخ راشد الغنوشي، استطاع رغم حملات الصّدّ حتى من داخل حركة «النهضة» التأثير ولو دون حضور سياسي مباشر، على توجهات الحركة حتى قبل إعلان نتائج الانتخابات في خطوة استباقية وقدرة على قراءة موازين القوى في الساحة اليوم. من صاحب خطاب «شرس» نوعا ما إلى خطاب مصالحة وتهدئة. ما الذي تغيّر في قناعاته أو رؤاه الفكرية والسياسية؟ كيف يقرأ متطلبات المرحلة؟ وما هو العاجل المطروح على الفرقاء السياسيين؟
عن هذه الأسئلة وغيرها تمحور حوار «التونسية» معه.

 من 2011 وعودتك من المنفى إلى 2014، تغيّر خطاب لطفي زيتون من لغة حادّة نسبيا وحزبية إلى خطاب هادئ يقترب من دور المحلّل السياسي الذي تأخذ قراءته للأحداث وللواقع مسافة «موضوعية» حتى مع حزبه، ما الذي تغيّر خلال هذه الفترة في زيتون؟

ـ التغيير وقع في سبتمبر 2012، عندما تبين لي أننا لن نستطيع الوفاء بالتزام سياسي وأخلاقي قطعته القوى السياسية التي شاركت في انتخابات المجلس التأسيسي بألاّ  تستمر الفترة التأسيسية الانتقالية أكثر من سنة واحدة لنتفرغ لمعالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي كانت السبب الرئيسي لثورة الحرية والكرامة.

وقد صرحت وقتها في حوار مطول لجريدة «لابراس»أنّ البلاد لن تُحْكَمَ الا بتوافق جديد ينتجه حوار وطني وقد اقترحتُ وقتها داخل «النهضة» وفي «الترويكا» أنْ يتم تحوير جذري في القانون المنظم للسلطات يُكَوَّنُ بموجبه مجلس رئاسة يجمع زعماء العائلات السياسية الرئيسية بما فيها «النداء» وقد كان في بداياته وقتها يتولى هذا المجلس القضايا السياسية والأمنية والعلاقات الخارجية وتتولى الحكومة معالجة المسائل الاقتصادية وتتكوّن من كفاءات وطنية.

لم يجد وقتها هذا الاقتراح آذانا صاغية فأدّى ذلك مع جملة من الاسباب الأخرى الى تقديم استقالتي في جانفي 2013 أي قبيل سقوط حكومة «الترويكا» الاولى.

ترسخت قناعة لديّ أنّ البلاد غير مهيَّأة للصراع السياسي الدموقراطي المفتوح كما ظننا في البداية، وأنّ الدكتاتورية تركت بناء هشا جدا قد يؤدي التدافعُ الشديدُ الى انهياره على رؤوس الجميع وأنّ شعبنا يحتاج إلى فترة نقاهة بعد سنوات طويلة من القهر والحيف وانعدام التوازن على كل المستويات.

لم أتحول الى محلل سياسي ولكن الى سياسي يحاول التعالي عن الانتماءات الجهوية والفئوية والحزبية ويحاول النظر من زاوية أكثر اتساعا هي زاوية الوطن، أنْ يعلي ثابتا واحدا هو أنّ التونسيين في العمق عائلة واحدة وجب عليها في البداية انْ تستعيد تجانسها وتوافقها وثوابتها وان تحل مشاكلها المزمنة وتأخذ بأيدي المظلومين والفقراء فيها قبل أنْ تفتح الباب لأبنائها امام التنافس السياسي.

    هل كانت المراجعات نتاج إكراهات الواقع أم كانت خلاصة قراءة شاملة للمشهد التونسي بعد الثورة؟

ـ أحدث تعريفات السياسي في العلوم السياسية هو الرجل أو المرأة الذي يتعامل مع الواقع المعيش للناس في تفاصيله محاولا تحسينه من خلال اقتراح التشريعات الضرورية سواء عبر الحكومة او البرلمان او الحكم المحلي. من هنا يكون السياسي هو الاكثر تفاعلا مع الواقع واكراهاته فوجب أن يطوّر خطابه ورؤيته للأمور حول تطورات هذا الواقع وإكراهاته.
لقد تبين لي أننا كنخبة سياسية اخطأنا في فهم مطالب الناس وفي فهم طبيعة الثورة التي هي في الأساس ثورة اجتماعية عميقة وليست ثورة سياسية سطحية كما حاولنا ترجمتها.

ولئن اقتنع الرأي العام بأن يمنحنا سنة واحدة لإنجاز دستور ومؤسسات دستورية، فإنه في نفس الوقت لم يكن مستعدا لأكثر من ذلك. نحن (وأقصد كلنا حُكمَا ومعارضة) مطّطنا المدة الى ثلاث سنوات وأكثر وانخرطنا في صراعات سياسية مدمّرة مواضيعها لا تعني الشعب بل كانت في اغلبها تصفية لصراعات الماضي بين يسار ويمين وعلمانيين واسلاميين، صراعات غير منضبطة بقوانين لأن الدستور لم يجهز بعد ولا بمؤسسات دستورية تؤطرها.

انسحبت من هذه الصراعات واتخذتُ طريقا معاكسا تماما: الدعوة الى الإسراع بالانتقال الديمقراطي وبناء الحكم في هذه المرحلة على التوافق والتنازل المتبادل بَدَلَ الصراع والتدافع.

   ألم تخف أن تُواجَهَ مواقفك المعلَنة بالصّدّ حتى داخل حركة «النهضة»؟

ـ المنتظر من المناضل الحزبي أن ينضبط للزاوية الحزبية في نظرته الى الامور فإذا اقتضت خطورة الوضع وتقدير الموقف أن يخالف الزاوية الحزبية ويغلّب المصلحة الوطنية، سيثير ذلك بعض المشاكل وسوء التفاهم داخل الحزب وهذا ما وقع. وهو ليس مهمّا أمام التحديات التي تواجهها البلاد، ثم اننا في الحركة نملك من آليات الحوار والمؤسسات التي تؤطّر الديمقراطية الحزبية ما يمكّن من تقريب وجهات النظر خاصةإذا كانت القيادة ذات بصيرة ثاقبة ومغلّبة للمصلحة الوطنية.

   دعوت منذ فترة إلى التقارب بين «النهضة» والدساترة باعتبارهما العموديْن الأساسييْن لقيادة البلاد، على ماذا اعتمدت في تقييمك؟

ـ لا ليس الامر كذلك، الدعوة وُجِّهَتْ الى التيارين الاسلامي والدستوري بالتقارب لأنّ اختلافهما وصراعهما على مدى العقود الماضية هما اللذان هدّدا وما زالا  الاجتماع السياسي التونسي بالانفراط وهو الذي دفع الدولة الى الاستبداد. هما التياران الرئيسيان في السياسة التونسية والتقاؤهما يمكن أن يوفّر أرضية لائتلاف سياسي كبير يشمل القوى الاخرى طبعا، كما ان هذين التيارين متقاربان في رؤيتهما الاقتصادية والثقافية.

 وماذا عن القوى الاخرى؟

ـ القوى الأخرى التي تقع في الأغلب على اليسار بمختلف اطيافها مطلوب منها ايضا وذلك لمصلحة البلاد،الاجتهاد وتقديم التنازلات الضرورية لبعضها من أجل التمكن من تأسيس الرافعة الحزبية الضرورية التي توحّدها وتجعل منها لاعبا أساسيا أصليا لا مجرد مجموعات صغيرة تقتات على التناقض بين التيارين الرئيسيين.أرى أنّ ذلك ممكن جدا باعتبار التجربة الثرية لليسار التونسي ونجاحه في إنتاج زعامات سياسية مقتدرة واحتوائه على نخبة قوية من الإطارات والكفاءات التي يمكن أن يقوم عليها بناء حزبي متين.

 ما هي مبررات مشاركة «النهضة» في حكومة الصيد؟

ـ مبررات المشاركة تنبع من نفس الرؤية التي تحدثنا فيها سابقا وهي أنّ بلادنا تواجه جملة من التحديات الداخلية الموروثة من الماضي الاستبدادي ومن التهديدات الخارجية الجديدة وعلى رأسها آفة الارهاب لا تسمح بانقسام البلاد الى حُكم ومعارضة، خاصة إذا كانت المعارضة ذات ثقل واتساع مما قد يؤدي لا سمح الله الى تصادم يعيدنا الى نقطة الصفر أو يدفع بنا الى الفوضى.

 كيف تقيّمون أداء الحكومة الحالية والتحديات الاجتماعية والاقتصادية المطروحة أمامها؟

ـ  بعد مرور ثلاثة أشهر على تشكيل الحكومة بدأت تتبلور جملة من الخلاصات:

السلوك السياسي للحزبين الكبيريْن خلال السنتين الماضيتين تسبّب في انتاج حكومة ملتبسة فلا هي حكومة سياسية ولا هي حكومة تكنوقراط وهي تجمع أربعة احزاب وحظيت بنسبة تزكية مرتفعة في البرلمان ولكنّ هذه التزكية لم تُتَرْجَم الى شرعية سياسية وشعبية.

الحزبان الكبيران في هذه الحكومة في وضع قلق وأقل من حجمهما بكثير خاصة الحزب الثاني (النهضة) الذي يتأرجح بين المعارضة والموالاة، كما تعاني الحكومة من قلة الكفاءة وغياب البعد السياسي ومن نفس التحديات الاجتماعية والاقتصادية والإرهاب التي اطاحت بالحكومات السابقة كما تشتغل تحت قصف اعلامي قاس وشرس مثل سابقاتها.

هذه الملاحظة تدفعنا الى مساءلة مقولة الدولة العميقة التي فسّرنا بها ولا نزال فشلنا في ادارة الحكم للبحث عن تفسير آخر عن الذي يعطّل استقرار الحكومات في بلادنا؟

 يتأكد يوما بعد يوم انّ ما يمكن اعتباره الثورة الاجتماعية العميقة او المطالب الاجتماعية والاقتصادية التي هي أساس وعمق الثورة التونسية، حوّلتها النخب السياسية الى مجرد مطالب في الحرية والديمقراطية واصلاح النظام السياسي.
تهميش هذه المطالب وكذلك عدم وضوح الدور السياسي للقوة الرئيسية التي تمثلها (الاتحاد العام التونسي للشغل) في الفعل السياسي والمشاركة في الحكم رغم الادوار الرئيسية التي لعبتها في الثورة وفي عملية الانتقال الديمقراطي.

تكشف الصعوبات التي تواجهها حكومة الصيد على المستوى الاجتماعي والاقتصادي أن القوى والجهات والفئات المظلومة والمهمشة في تاريخ هذه البلاد لن تسمح باي استقرار ما لم تتم بلورة نمط اقتصادي جديد يستجيب لاستحقاقات الثورة.

وقد تبين يوما بعد يوم أنه لا يمكن المحافظة على النمط الاقتصادي السائد والذي ظنت القوى الرئيسية أنه قابل للإصلاح  الا باستعادة كل المنظومة الاستبدادية وذلك ليس واردا وقد يدفع بالبلاد الى الفوضى. هذه هي التفسيرات الموضوعية لعدم استقرار الحكومات.

 

 موقفكم من موجة الاضرابات الاخيرة؟

ـ مطالب الطبقة الشغيلة التي عانت طويلا من الحيف والفقر في أغلبها مطالب مشروعة، يبقى أنّ التعبير عنها في هذه الفترة الحساسة من تاريخ البلاد بالإضرابات الطويلة وبمقاطعة الامتحانات قد يدفع الى عكس المراد.

المسألة ليست اصدار موقف إدانة أو مساندة بل المطلوب هو البحث عن سبل الخروج من هذا المأزق ولن يتأتّى ذلك إلا بجلوس كل الفرقاء السياسيين والاجتماعيين وخاصة الاربعة الكبار الاتحاد والـ UTICA و«النداء» و«النهضة» حول طاولة وادارة حوار معمق للبحث عن التوافقات الضرورية لتجاوز الازمة الاقتصادية والاجتماعية وإطلاق قطار التنمية كما وقع ذلك عندما تأزمت الاجواء السياسية من خلال الحوار الوطني.

 لكن هناك من يتهم «النهضة» بتجييش الشارع؟

ـ رغم أنّ جماهير «النهضة» مازالت تشعر بالمرارة لما مرت به حركتهم جرّاء خروجها من الحكم تحت وطأة الاحتجاجات والتهديدات والهزيمة في الانتخابات الاخيرة وتمثيلها غير المناسب في الحكومة، فإن القيادة تبذل جهدا للسيطرة وتوحيد قواعدها ودعوة جماهيرها الى الهدوء ودعم الحكومة وتعزيز الاستقرار. ليس هناك أية أجندة أخرى فنحن نرى أنفسنا المتضرر الاكبر من عدم الاستقرار وانتكاسة التجربة لا سمح الله.

 ما هي مقاربات «النهضة» لحلحة الاوضاع؟

ـ لا يختلف التونسيون في ان أولوية الاولويات بالنسبة للخمس سنوات القادمة هي اصلاح نظامهم التعليمي بمختلف مراحله بعد إبعاده عن الصراعات الايديولوجية والسياسية. تحتاج بلادنا لثورة تعليمية تربوية تعيد الاعتبار للتكوين المهني وللعملية التعليمية باعتبارها تربية بالأساس كما تحفظ حقوق وكرامة القائمين عليها، وتحتاج للعودة الى الفلسفة التي اعتمدها بناة الدولة بعد الاستقلال في تخصيص القسط الاكبر من الموارد لهذا القطاع مع تطعيمه بما وصلت اليه البشرية من تطور في المجال وخاصة اعتبار التنمية البشرية هي اساس التنمية.

يتبع ذلك، القطع مع نمط اقتصادي أثبت فشله باعتماده تسوّل القروض والهبات والتواكل على الدولة. وإبداع نمط يقوم على انتاج الثروة وتسهيل سبل ذلك بتخفيف القيود البيروقراطية على تأسيس الشركات وتحفيز شباب الاقتصاد الموازي على الاندماج في الدورة الرسمية وتخفيف الضرائب بعد اصلاح نظامها نحو مزيد من العدل. هذا النمط للإقتصاد يقوم على اعادة الاعتبار للتجارة وخاصة التصدير والثراء المشروع وتحفيزه وتصحيح النظر الى الفقر باعتباره ضعفا وعلى المجتمع والدولة التعاون على التخلص منه من خلال الإحاطة بضحاياه.

اقتصاد مستقر تترجم نسب نموّه ولو كانت منخفضة،رخاءً لجميع المواطنين وليس لطائفة أقلية منهم، يسيْطر على نسب التضخم ويحفز المستثمرين في مختلف القطاعات وخاصة أبناء البلد منهم.

خمس سنوات سيتخرج فيها قرابة نصف مليون شاب جديد لسوق الشغل، لن تصمد اية حكومة في ظل الاوضاع الامنية والسياسية الصعبة في الاقليم والمنطقة اذا لم تشتغل ليلا نهارا لتوفير مواطن شغل لأغلبهم.

لن يصبر التونسيون خلال السنوات الخمس القادمة على تواصل اتساع الهوة بين نظامهم الصحي العمومي والنظام الصحي الخاص الذي يواصل النمو والامتداد داخليا وخارجيا لتتكرس بذلك صورة الشعبيْن والمجتمعيْن في بلادنا والتي لم يعد لها محلّ بعد الثورة. من أوكد واجبات الحكومة القادمة معالجة هذا التفاوت من خلال إبداع الصيغ والقوانين التي تشجع التعاون بين القطاع العام والخاص والتعاوني.

وإعادة النظام والانضباط ومقاومة الجريمة والتّوَقّي منها وخاصة مراجعة النظر في جريمة استهلاك المخدرات التي تدمّر اليوم جيلا بأكمله في اتجاه التشديد على المروّجين والتوجه الى المعالجة وليس العقاب للمستهلكين. يقتضي ذلك عناية خاصة بمؤسستنا الأمنية تكوينا وتحفيزا وتأطيرا للتصدي لذلك ولبقية الآفات وعلى رأسها آفة الارهاب.

إعادة الاعتبار للأخلاق والعائلة وتوسيع تعريف العيش الكريم ليتجاوز الجانب المادي الى التثقيف والترفيه والروحانية، المحافظة على المحيط والبيئة والاعتناء بمنظومة النقل خاصة في الجهات المنكوبة.

خمس سنوات هي فرصة لتتطهر فيها السياسة والسياسيون من الأدران ومن نظرة المجتمع السلبية،خمس سنوات يُعاد فيها توزيع السلطة وفقا للدستور الثاني الذي أعطى مكانة كبرى للجهات وللبلديات، خمس سنوات يتأسّس فيها الحكم اللامركزي ويُعاد انتاج الاحزاب والجمعيات على أساس من المسؤولية والمحاسبة، خمس سنوات تُعطى فيها الأولوية في الإصلاح والنهوض للجهات والبلدات المحرومة.

 برأيكم، لماذا ورغم التغيير الكبير في مواقف حركة «النهضة»، مازالت «نظرات» الريبة تحاصرها؟ هل هي كما يقول بعض النهضاويين مرض «النهضفوبيا» أم أنّ «كثرة» المرونة دليل على عدم مبدئيّة هذا التغيير في المواقف؟

ـ هناك وعي متزايد في صفوف «النهضة» قيادة وصفّا بأن المرحلة الجديدة التي أسست لها ثورة الحرية والكرامة تستوجب من كل التشكيلات والأحزاب السياسية التي نشأت في ظل الدكتاتورية ان تقوم بمراجعات جذرية تُعيد من خلالها انتاج نفسها على مستوى البرامج والرؤى والهياكل والسياسات والاهداف وذلك ما تقوم به «النهضة» من خلال المضامين التي تعدّ لعرضها على مؤتمرها العاشر.

من هنا فانّ حركة «النهضة» التي نشأت في نسختها الاولى جماعة حاملة لِهَمّ الدفاع عن الهوية ومقتصرة عليه، هي بصدد التطور من خلال مسيرتها السياسية الطويلة وتفاعلها مع محيطها الوطني والدولي إلى حزب سياسي يعتبر الإسلام أحد مكونات الاجماع والاجتماع التونسييْن وهو باعتباره المكوّن الأساسي للهوية التونسية، ملك لجميع التونسيين بالتساوي سواء كانوا يؤمنون به عقيدة أم ينتمون له ثقافة وحضارة ما يمكّنهم من توظيف قِيَمِهِ والاستفادة منها في برامجهم ورؤاهم دون عُقد ولا احتكار من جهة ما.

أنْ يتوجّس البعض ولا يثق البعض في هذا الاستعداد للتطور، فذلك من حقهم باعتبار الميراث الطويل من عدم الثقة بين الأطراف السياسية في بلادنا. يبقى أنّ الواقع وحده هوالكفيل بالتصديق أو بالتكذيب، المهم أنْ يلتزم الجميع بالقانون وبمقتضيات العمل الديمقراطي وألاّ نقطع يد السارق قبل أن يسرق.

  هل لم نصل بعد إلى مستوى تقاليد الحكم ولو بأغلبية شبه مفقودة أي مثلا بـ 51 بالمائة كما هو موجود في الديمقراطيات الغربية؟

ـ من خلال نتائج الانتخابات المتتالية يبدو انه ليس هناك قوة سياسية تحظى بالأغلبية.

 ولكنّ ذلك قد يتواصل في الانتخابات القادمة لتصبح المسألة في يد «دكتاتورية» الأقلّيّة مما يمنع كل فائز مهما كان لونه من الحُكم؟

 في رأيي سيستمر ذلك طالما استمر بناء الاحزاب السياسية على أساس ايديولوجي لأنه ليس هناك ايديولوجيا تحوز أغلبية وإلاّ لسقطنا في أبشع أنواع الدكتاتورية. عندما تهتدي النخب السياسية الى تكوين أحزاب سياسية برامجية تتجاوز الانتماء الايديولوجي ولا تلغيه، وقتها ستنتج العملية الانتخابية أحزابا تحوز على الأغلبية وهو ما سيحقق استقرار النظام الديمقراطي ويفتح الباب أمام التداول.

 الدعوة إلى حكومة تشاركية هل تراها واقعية خاصة مع عدم الاتفاق حتى على تحديد هذا المفهوم؟ هل هو التقاء على مهام متفق عليها، أم مجرد ائتلاف أحزاب للحكم؟

ـ هو التقاء على الحد الادنى الذي ينتج حكومة مستقرة في اوضاع مضطربة.

 تصريحات راشد الغنوشي سواء في حواراته أو خلال اللقاءات الصحفية، بإنّ مؤتمر الحركة المقبل سيتناول تغيير اسم الحركة والفصل بين الجانبين السياسي والدعوي؟

ـ المؤتمر القادم سيحاول انتاج الأسس الفكرية والرؤية السياسية لحركة  «النهضة» في طورها الجديد كحزب سياسي منافس على السلطة ومشاركا فيها.  في هذا الإطار سيتخذ المؤتمر ما يراه صالحا من الاجراءات بما فيها تغيير الاسم اذا رأي المؤتمر ذلك.

 هل اخطأت «النهضة» عندما أنهكت نفسها سياسيا مقابل تخليها عن الجانب الدعوي لفائدة الحركات المتشددة والمراهنة الفعلية على عملية؟

ـ هذا الذي وقع والتاريخ لا يسير الى الوراء وقد انفتح مجال الحريات وتكوين الجمعيات على نطاق واسع بما يسمح لأنصار المدرسة الوسطية المعتدلة بالاندماج في الحراك الجمعياتي ممّا يخلص الاسلام باعتباره دينا من أسْر السياسي لتتحوّل «النهضة» الى حزب سياسي يعتبر الإسلام أحد مكوّنات الإجماع بين والاجتماع التونسيين وهو باعتباره المكون الأساسي للهوية التونسية ملك لجميع التونسيين بالتساوي سواء كانوا يؤمنون به كعقيدة ام ينتمون له ثقافة وحضارة ما يمكنهم من توظيف قيمه والاستفادة منها في برامجهم ورؤاهم دون عقد ولا احتكار من جهة ما.

 لكن هناك من يرى أن الشق الدعوي داخل «النهضة» مصر على عدم مواصلة قبول ما يسمّيه تنازلات مؤلمة تمسّ من ثوابته؟ 

ـ لقد نشأت حركة النهضة في نهاية الستينات تعبيرة بسيطة تحمل شعار الدفاع عن الهوية ثم تطورت بالتفاعل مع محيطها الوطني التونسي ونهلت من التراث الإصلاحي الوطني وكانت ولا تزال تعبيرة سياسية وثقافية متأصّلة في تربتها التونسية وعنوانا من عناوين النضال من أجل حياة أفضل لشعبها ومن أجل تحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتطوّر. نشير في هذا الصدد إلى أنّ هوية «النهضة» السياسية لم تتشكل بعد كحزب ليبرالي محافظ كما وصفها البعض، إنما هي حزب ديمقراطي يضمّ صلبه أطيافا فكرية وسياسية منها من يميل إلى المحافظة ومنها من يميل إلى التجاوزية والتقدّمية ومنها من ينحاز إلى مدارس الدفاع الاجتماعي والتخطيط المركزي للاقتصاد ومنها من ينحاز إلى الاقتصاد الحر.ّ

لكن العنصر التجميعي بين جميع هؤلاء هو الإطار الديمقراطي للتفكير والنقاش والتفاعل والآلية المعتمدة لإدارة الديمقراطية الحزبية وصنع القرار سعيا إلى اختيار أفضل التصوّرات وأنجعها لخدمة الشأن العام والمصلحة الوطنية.

حوار خاص بجريدة التونسية



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.