الرئيسية الأولى

الثلاثاء,17 مايو, 2016
لحظات قبل الوداع ..

 الشاهد _تستعد حركة النهضة لتنفيذ أكبر عملية وداع منذ نشأتها وهي الأكبر في الساحة التونسية وربما العربية ، فكل الأحزاب والجماعات التي تفرقت أو انشطرت أو تحللت كليا وقع لها ذلك على مراحل وبالتقسيط وتوفرت فيها أسباب الضعف و الوهن ، أيضا كل الهياكل التي انشطرت تم ذلك غصبا عنها وتحت الإكراه و الجبر ، وقد تكون حركة النهضة الوحيدة التي قررت أن تقْدم على عملية انشطار إرادية وبعد التفكير المريح ومع سبق الإصرار والترصد ، وهي الوحيدة التي قررت أن تودع شريحة منها الشريحة الأخرى بلا سابق نزاع ولا بغضاء ولا حتى حزازيات ، إنه الوداع الهادئ اللين وأيضا هو الوداع المؤلم الذي جُبل على المكاره وانتفت منه الملذات ، وداع إيجابي بطعم السلبية المرة، هي خطوة “انشطار” لترقية الحزب ودفعه نحو الآداء الأفضل وتنقية الدعوي من هموم السياسي اللذيذة .

سيبرر المشفقون وتتحدث القرائح المشربة بسنوات النضال والتضحيات والشهادة والعذابات ، سيقول الكثير بأن النهضة مقبلة على التخصص وأن المحبة باقية وتتمدد وأن الناس في منازلهم كما عهدناهم واللُّقْيا في المساجد والصلاة جامعة والأخوة ثابتة .. فلما الخوض في تهييج الحنين وما جدوى استدعاء الرحلة المخضبة بالمتاعب المنهكة بالسجون ووضعها بين يدي لحظة سياسية بإمتياز ، لحظة يقدم لها الكل بأنها البارقة الجميلة ، فلا تسرقوا فرحتنا السياسية الآلية الميكانيكية بإقحام رائحة العنابر والمقابر! كفوا عن استحضار روح بوصاع وقسمات الشماخي ..اففف دعونا نتمتع بالإنجاز ..بركات من ذكر بركات ..

حين تضع الحركة نفسها تحت مشرط المؤتمر ثم تباشر قيصرية الفصل ستهتف كوادرها : يحيا الجوهري يحيا الخماسي يحيا خميرة يحي الزرن تحيا القوافل التي ارتفعت من أجل هذه اللحظة الفاصلة ..لحظة التوافق لحظة المصالحة ، سيهمس الزمن في زنازن الرومي و9 أفريل وحربوب والهوراب ، وستزف رياح الفصل بشائرها للراقدين في الجلاز وفروعها المترامية في أرجاء تونس ، يا أيها النازلون على ربهم ، أبشروا بنصر الله ، لقد تم الفصل بسلام .

سيطالب بعضهم بقراءة الفاتحة تحت قبة البرلمان ترحما على أرواح شهداء تونس ، وسيطلبون وقتا مستقطعا للصلاة ، سيسمعون صوتا ينهرهم : هوششششش نحن فصلنا ..إقرؤوها في صدوركم ليس إستجابة لأدبيات الفصل معاذ الله وإنما مخافة الرياء ، لقد كان بشر الحافي يحرص على كتمان أوراده أكثر من حرسه على الأوراد نفسها ، هيا تراصوا استووا للصلاة في معابد الفصل المقدس ..هيا ارتقوا إلى مستوى كوكتال مزيجه رحيق إبن الرومي وسنفونيات الحلاج ، يختزل فيه السياسي جميع التربوي يدسه في أحشائه يخبئه إلى اليوم الموعود ..إلى يوم القيامة.

خميرة ..بن محمود ..دقاش ..المطماطي ..العريبي ..الصويعي ..الدريدي ..بن عمر ..بن عائشة .. سيتحلق جميع الشهداء حول العلامة عبد القادر سلامة ، سيكون ذلك في البرزخ ، سيسألونه عن الفصل وإن كان يندرج ضمن العقيدة ام الفقه أم الحديث أم التفسير ؟ سيفكر الشيخ طويلا سيقلب الأمر ويسترجع مدونة سحنون ويستحضر الأشعري ومن خالفه ومن حالفه ويمر على المعتزلة ويدقق في ما عند الشافعي قديمه وجديده ويرمق إرث الزيات ثم يمعن فيما بين يدي حفص ويستجلي عاصم ، حتى إذا أعجزه الطلب قال لهم ، لقد محّصتكم العسرى ورحلتم بأجركم كاملا ، وأخرهم الله إلى أجل مسمى حتى ادركوا اليسرى ، وتلك محنة وليست منحة ..سيخرج “الزرن” عن صمته ، سيؤكد أنه من اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد ولم يصب فله أجر واحد..ستُرفع الجلسة على أمل العودة للنظر إن كان الفصل يدخل تحت باب الإجتهاد أم لا ، سيلقي الكل بحججه وسنستمع همهمة من رجل منزوي ، أشعث أغبر من الذين لو أقسموا على الله لأبرهم ، إنه يتمتم ! سنقترب أكثر لنتبين ، نبالغ في الإقتراب ..إنه يهمس في خشوع : سلم اللهم سلم .

نصرالدين السويلمي