مقالات مختارة

الجمعة,20 مايو, 2016
لا هي معركة.. ولا هم صقور وحمائم.. المؤتمر العاشر لحركة النهضة.. إدارة الاختلاف وتكريس ثقافة المواطنة

الشاهد_ رغم أنّ رهانات المؤتمر العاشر لحركة النهضة وأسئلته بدت محسومة للجميع منذ فترة، رهانات على أن يكون المؤتمر الوعاء والحاضنة لمراجعات عميقة ولتقييم تجاربها ولاستشراف ما يجب أن تكون عليه سنة 2016 استجابة لمقتضيات المشروع الوطني، واستجابة لتطلعات التونسيين الذين يطمحون إلى أن يروا بعد المؤتمر نهضة جديدة بثوب جديد وحزبا مدنيّا ديمقراطيّا عصريّا قويّا موحّدا قادرا على مواجهة استحقاقات الثورة وحاملا لمشروع وطني جامع.

رهانات على إحداث توازن بين الفعل السياسي والمناشط المجتمعية نحو مزيد الانتشار داخل المجتمع بجميع مستوياته وطبقاته وفئاته وأجناسه، وسبل تصريف المشروع نحو إعادة الانتشار وحسن التموقع، ونحو القدرة على فتح ممرات لعمق المجتمع ونجاحها في ثقافة الانخراط داخل محيطها.

وحول فلك الأولويات الوطنية وأولويات تونس في هذه المرحلة وفي المرحلة القادمة، وكيف تكون في مستوى ما تعيشه تونس اليوم وما تحتاجه منها كفاعل سياسي قوي، قادر على وضع أسس مشروع حضاري.

رهانات على مدى نجاح الحزب في تحقيق التماهي بين الأجندة الحزبية والأجندة الوطنية وبين استحقاقات الحزب واستحقاقات الوطن، ولعلّ من أبرزها الاستحقاق الاقتصادي والاجتماعي والأمني والسياسي الذي يتمثل في حاجة البلاد إلى أحزاب وطنية أداؤها السياسي في مستوى ما تعيشه البلاد اليوم وفي مستوى التحديات الرئيسية المطروحة.

رهانات فرضت أن يكون هذا المؤتمر مضمونيا بالأساس يشتغل على تقديم صورة مضمونية جديدة للحركة أكثر من رهانه على تقديم وجوه جديدة. وهي التي ضبطت بوصلة النقاشات والحوارات حول الورقات المضمونية، وهي أيضا التي جعلت ديناميكية المؤتمر ديناميكية تحول وتطوّر سياسي ومضموني لا ديناميكية معركة تموقع.

بالرغم من أنّ الاسئلة التي سيجيب عنها المؤتمر ومخرجاته أمست واضحة وشبه محسومة تقريبا ولم تعد لا محل غموض ولا إلغاز ولا ضبابية، إلا أنّ بعض القراءات تصرّ على أن تصرف الانظار عن رهانات المؤتمر الحقيقية وتنحرف به إلى قضايا وهمية ومفتعلة لا توجد إلا في أذهانهم.. قضية إعادة الهيكلة والمعركة الطاحنة بين صقور وحمائم نسوجها في مخيلتهم وتمثلوا معركة مصيرية دامية بينهم ستُحسم في كواليس المؤتمر العاشر..

يقينا الماضون في هذا التمثل أو في هذا السيناريو لا يعلمون عن الشأن الداخلي لحركة النهضة وعن حقيقة المشهد بداخلها إلا نزرا..

بداية لأنّ منسوب الوعي بأهمية هذه الرهانات والتحديات المرفوعة على الحركة في مؤتمرها العاشر بدا منسوبا عال، لأن مجمل هذه القضايا المضمونية التي طرحت في ورقات للنقاش والإثراء داخل مختلف هياكل الحركة ومؤسساتها، كمسألة هوية الحزب والفصل بين الدعوي والسياسي والرؤية الفكرية والمسار السياسي التوافقي الذي مضت فيه الحركة والتقييم والمراجعات، لم تثر جدلا حادّا ولا خلافات جوهرية بل على عكس ذلك مرّت بسلاسة وكانت محلّ توافق واسع.

ثمّ إنّ مرور الورقات المضمونية إلى المؤتمر العام بهذا التوافق الواسع إنما يعكس حالة من التناغم والانسجام بين أبناء الحركة وقياداتها في الموجهات الكبرى والسياسات العامة، ويؤكّد حالة من الاجماع العام داخل جسم الحركة على ضرورة تطويرها سياسيا حتى تكون مؤهلة لقيادة المشروع الوطني، وحول تحديات المرحلة واستحقاقاتها، وحول النهج السياسي التوافقي الذي اختارت النهضة المضي فيه منذ انطلاق الحوار الوطني إلى يومنا هذا.

ومن ثمة فلن يدخل أحد المؤتمر وهو يحمل وراءه سكينا ولن يكون هناك صقورا ولا حمائم ولن يكون هناك معارك كسر عظم كما يمني البعض النفس، باعتبار الاستراتيجيات الكبرى والسياسات العامة وسبل تصريف المشروع ليست مسألة خلاف داخل الحركة.

ثانيا، وهذا الاهم أنّ العالمين بشؤون حركة النهضة وطريقة تسير الامور داخلها وسبل إدارة النقاش لا بد أن يكونوا على بينة من أنّ الممارسة الديمقراطية تقليد قديم داخل الحركة منذ كانت تعمل في السرية، فالنهضة لم تكن يوما منذ نشأتها الأولى حركة مشيخية يسوسها شيخ القبيلة أو الزعيم الملهم الحاكم بأمره ولا هي بحركة أوليغارشية تتحكم بمصيرها وقراراتها أقلية نافذة..

كما أنّ حركة النهضة كانت تقريبا الحزب التونسي الوحيد الذي ترسخ بداخله مفهوم التدوال على السلطة فقد تداول على رئاسة الحركة أكثر من 15 قياديا وفق آلية انتخابات دورية حرة ونزيهة، كما عرفت تجديدا مستمرا على مستوى القيادات من القاعدة إلى القمة.

العارفين بشأن حركة النهضة يعرفون أيضا أنّ سلطة تحديد خيارات الحزب واتخاذ قراراته كانت دائما من حق أعضائه كلهم ولم يكن في الحزب سيادة على أعضائه من قبل فرد أو أقلية بل كانت المسائل الخلافية تحسم كلها في إطار قرارات المؤسسات التنفيذية والشورية بطريقة ديمقراطية راقية.

العارفين بشأن حركة النهضة يعلمون جيدا أنّ جميع أعضاء الحزب يحتكمون في علاقاتهم الداخلية إلى شرعية نظام أساسي (دستور الحزب الصغير)، مثلما يحتكم المواطنون إلى دستور الدولة الديمقراطية، ومن مقومات هذا الدستور، أن تكون مؤسسات الحزب هم مصدر السلطة في الحزب وأنّ تكون العلوية لنظم الحزب ولوائحه، وأن يكون جميع الأعضاء سواسية أمامها وملزمون بها ومحاسبون على ضوئها..

العارف بشأن حركة النهضة يعلم يقينا أنّ أبناء النهضة الذين نشؤوا على الثقافة والتراث الديني وعلى سنن الصالحين وقصص خلاف عمر مع ربيعة بن عياش وخلاف عائشة وابن عباس في رؤيته عليه الصلاة والسلام للباري جل وعلا، وبين عائشة والصحابة في سماع الموتى يتقنون جيدا فن إدارة الاختلاف بينهم، وكيفية استثمار وجود أكثر من وجهة نظر حول الموضوع الواحد ليصنعوا حالة إيجابية وصحية داخل الحزب..

فائزة الناصر