مقالات مختارة

الإثنين,11 يناير, 2016
لا نهاية للدم..

الشاهد_أقول لكم: لا نهاية للدم..

هل في المدينة يضرب بالبوق،

ثم يظل الجنود

على سرر النوم؟

– أمل دنقل-

 

استوقفتني أحداث مسلسل سوري تم عرضه سنة 2000 والمأخوذ عن الملحمة العربية الأشهر الزير سالم أبو ليلة المهلهل، أو المعروفة تاريخيا بحرب البسوس، والتي استمرت أربعين سنة.

 

لن أتحدث كثيرا عن الصناعة القوية والمثابرة للدراما السورية، لكن الملفت كان السيناريو الإنساني المتقن لممدوح عدوان والذي قام من خلاله بالتأكيد على أبعاد عميقة للتحولات التي حدثت في شخوص المتحاربين.

 

وبعدها جمعت النسخ المتاحة للملحمة الأدبية وقرأت ما فيها من أساطير حول شخص الزير وحرب الزير التي بدأت ضد أبناء عمومته من البكريين بإيعاز ثأري من اليمامة ابنة أخيه الملك كليب الذي قتله خالها – صهره وابن عمه – جساس بن مرة البكري، واستمرت هذه الحرب أربعين عامًا والزير لا يقتل جساسًا بل يبيد البكريين حرفيا.

 

في هذه الحرب قتل الزير أبناء أخته ضباع زوج همام بن مرة صديقه الأقرب ونديمه وشقيق روحه وقتل همام أيضًا؛ الحرب لا تبقي على ندمان ولا أخلاء.

 

يحلو للبعض الحديث عنها ببساطة حديثهم عن التحلية بعد وجبة غدائهم اليومي؛ وهي ميدان كل من فيه خاسر وإن انتصر.

 

تتشابك ظروفها وملابسات اشتعالها ككرة خيط توغل في التعقيد كلما حاولنا الوصول لأصلها. يحتدم الصراع، يشتد القتل ويموت الجند، تسحق إنسانية الجميع لإصرارهم على فكرة نبتت بالتأكيد عن عقل خرب بأن الموت وقوفا هو الأفضل.

 

لسنا من السذاجة بمكان حتى نتوهم أن يهتم أصحاب التجارة الأكثر ربحية في العالم ورؤساء الدول وقادة الجماعات المتناحرة بتعليم أطفال إفريقيا بينما يمكن قتلهم، إحصاء الموتى أسهل من توفير حياة كريمة للأحياء.

 

“كم هو بغيض أن يكون عليك أن تأكل قبل أن تموت, سأموت ومع ذلك لابد أن آكل. سندويتشات محشوة بشرائح السجق, تلك التي يسمونها سندويتشات الغارات الجوية. هناك علبة كاملة منها, والأسوأ أن طعمها جيد”. هكذا وصف هاينرش بول على لسان أحد الجنود ضريبة الذهاب مضطرًا إلى معركة.

 

الحروب وويلاتها لا يبقى منها إلا أرقام، في الحرب العالمية الأولى والثانية قضى ما يقارب مائة مليون نفس انتزع منهم التاريخ إنسانيتهم قسرًا، وتحولوا إلى أرقام جامدة مدونة في سجلات الدول والمنظمات. ماذا أفاد الكوكب منهم إلا بعضًا من وقود أحفوري سينتج عن تحلل أجسادهم قد يكتشف يوما في حال أن صمدت الأرض لملايين أخرى من السنين.

 

سيظل البسطاء ممتنين للسياسيين لو أنهم فقط تركوهم يخوضون حروبهم اليومية للعيش وإعمار الأرض – الأم المعجزة التي يهدد الجوع أكثر من مليار شخص من أبنائها – والبقاء مجهولين في بقاعهم النائية البعيدة عن كتب التاريخ والسجلات العسكرية, لو استطاعوا فقط أن يتنازعوا مكاسبهم بعيدا عن أرواحهم المجردة المنهكة وأحلامهم الكسيحة.

 

بسمة ناجي