فن

الأربعاء,21 سبتمبر, 2016
لايجاده ظالته فيها.. الدراما التركية تزيح الدراما التونسية من قلب المشاهد التونسي

كغيرها من الدول العربية، اجتاحت الدراما التركية البيوت التونسية وأصبحت محل اهتمام كبير من مختلف الشرائح العمرية، وصارت تحصد نسب مشاهدة هي الأكبر مقارنة بالبرامج التلفزية والدرامة التونسية، ذلك أن دراسات عدة انطلقت في تحليل هذه الظاهرة وما يمكن أن تفضيه من نتائج ايجابية وسلبية.

وفي دراسة أجرتها وزارة الثقافة التركية سنة 2014، تبين أن أعمال الدراما التلفزيونية التركية انتشرت بشكل متزايد في تلك الآونة لتصل إلى 54 بلدا في منطقة جغرافية تتسع رقعتها من الشرق الأوسط وحتى البلقان، وأنها أثرت فعليا على شريحة واسعة من النساء.

وانطلقت قصة الدراما التركية مع الدول العربية منذ سنة 2007، مع انطلاق قناة”mbc1″ السعودية الخاصة بعرض مسلسل “إكليل الورد” مدبلجا إلى اللغة العربية باللهجة السورية”، وتتالى من حينها بث هذه النوعية من المسلسلات كـ” سنوات الضياع”، “نور”، “وادي الذئاب”، “العشق الممنوع”.

وبعد أن كان التونسي يشاهد هذه المسلسلات عن طريق القنوات العربية الأخرى، فإن قناوات تونسية خاصة( كقناة نسمة، حنبعل) سارعت إلى بث هذه المسلسلات بسيناريوهات متنوعة وبصفة مسترسلة إلا أن الخيط الجامع بينها كان “الحب” حتى في تلك التي تكون فيها مشاهد الرعب على أشدها كمسلسل “وادي الذئاب”. وكان للقنوات الخاصة التونسية نصيب في بث هذه العناوين وكان اكثرها رواجا مسلسل”نور” ثم “حريم السلطان” بأجزائه الأريعة.

وكان لهذه المسلسلات تأثير كبير على المشاهد لمخاطبتها العاطفة عن طريق المشاهد المؤثرة والصور الجذابة والاضاءة القوية وقوة الدبلجة إلى اللغة العربية، حتى أنك تجدها محل حديث ونقاش مطول بين الفتيات والنساء والشباب والرجال أيضا في الجلسات الخاصة والعائلية كل يعبر عن انبهاره بمحور اهتمامه.

وتقول الباحثة سهير وشاشة في إحدى دراساتها “إن المسلسلات التركية تركز على المشاهد العاطفية بشكل كبير حيث تغلغلت عوامل جذب كثيرة في اللقطات، كما أن للموسيقى التصويرية أثرا كبيرا في تعميق فكرة المشهد ولفت الانتباه إليه، إضافة إلى الأماكن الجميلة والأصوات الطبيعية التي جعلت المشاهد يمتزج مع المشهد ويعيشه في داخله”.
وبخصوص العناوين، تقول الدكتورة شميسة الخلوي في قراءة لها ” أن العنوان هو بوابة المسلسل، والعتبة التي يلج منها المشاهد لأحداثه” العنوان… تلك الكلمات التي تطوق المسلسل، وتتيح لنا فهما مسبقا لحبكة أحداثه ومآلها، وتعطينا تصورا عن شخصياته، ورغم اختلاف هذه العناوين فإنها لا تخرج عن أربعة أطر: عناوين بمسميات أبطال المسلسلات، عناوين تدل على الضياع والأحاسيس السّلبية ،عناوين توحي بجمال الحياة والأحاسيس الإيجابي، عناوين تجمع بين نقيضين.

وتأثير هذه المسلسلات تجاوز مرحلة الانبهار والصدمة إلى التقليد في الملابس وتسريحة الشعر وطلاء الأظافر وماركات العطورات حتى أن الموضة التركية غزت الأسواق التونسية وأصبح المواطن يطلبها بعينها.

ومع تنامي هذا الاقبال فإن تحذيرات يسوقها المراقبون للشأن العام مما يمكن أن تؤثره هذه المسلسلات على الهوية العربية الاسلامية بصفة عامة وهوية التونسي بصفة خاصة. وتوضح الدكنورة ثريا السنوسي في دراستها، “غزو المسلسلات التركية: هل هو الإجتياح ؟” أن هناك من رأى أن ” الشغف العربي بالمسلسلات التركية خطرا لابد من الاستنفار للحد من تبعاته المدمرة للهوية العربية ومقوّمات الأمة المسلمة” وفي المقابل ” أكد آخرون أن الأمر لا يتعدى أن يكون مجرد موجة عابرة في طريقها إلى الزوال، مستشهدين بموجة المسلسلات المكسيكية والبرازيلية التي انطفأ بريقها بعد مدة زمنية قصيرة”.

هذا الحب للمسلسلات التركية العابر للبيوت التونسية يطرح في المقابل، وبصفة واضحة ، عجز الدراما التونسية على حشد المشاهدين حولها وافتكاك مكانتها في قلوب المشاهدين، هذه الاخيرة التي تكون عادة مناسباتية خلال شهر رمضان، وغالبا ما تجد انتقادات لاذعة من التونسيين بخصوص السيناريوهات ، حضور الممثلين، القدرة على الأداء، الصورة، التمكن من التمثيل، وأحيانا ما تكون بعض الممارسات في الانتاج التونسي غريبة عن العادات التونسية أكثر مما تقدمه نظيرتها التركية منها ما ظهر في مسلسل “أولاد مفيدة”.

وأمام هذا النفور تجاه المنتوج الدرامي المحلي وكذلك العربي كالسوري والمصري والذي اصبحت قضاياه مستهلكة ، فإن التونسيين، ووفق شهادات الكثيرين منهم، وجدوا ظالتهم في المسلسلات التركية وأصبحت تربطهم علاقة وثيقة بالقضايا المطروحة بطريقة نوعية وحضارية وأنيقة تلامس روح المشاهد كالثراء والفقر، الحب والكره، السلطة والضعف.