أهم المقالات في الشاهد

الثلاثاء,26 يناير, 2016
كيف نحارب التهميش؟

 

الشاهد_زياد كريشان

 

الآن وقد بدأ يعود الهدوء تدريجيا إلى مدننا وأحيائنا لا بد أن نتوقف عند ماهو أساسي في أحداث هذه الأيام العشرة التي مضت وأن نترك جانيا نظريات المؤامرات والأطراف والجهات والإعلام والأحزاب..

 

 

لقد أظهرت الاحتجاجات الشبابية التي شملت جل مناطق البلاد أن جزءا من مواطنينا يشكون أشكالا مختلفة من التهميش: تهميش زادته السنوات الخمس بعد الثورة تفاقما نظرا لتعطل آلة الانتاج وللنمو الضعيف للغاية التي صاحبها )معدل النمو خلال السنوات الأولى هو دون 1.5 % ).

 

 

وللتهميش مظاهر شتى ولا يقاس فقط بحجم الموارد المالية للفرد أو للعائلة.. فالتهميش مرتبط عكسا بكل أبعاد “الظهور” او النجاح الاجتماعي : المالي والمهني والأسري والاجتماعي والثقافي والتعليمي..

 

 

وعادة ما تكون انتفاضات المهمشين عنيفة لأنهم استبطنوا العنف الاجتماعي المسلط عليهم والذي يتحول عند بعضهم إلى أنواع من اليأس أو من الحقد على “العالم الظاهر” المستفيد من كل أبعاد الرفاه الاجتماعي..

 

 

لا شك أن البطالة والتشغيل الهش هما في جوهر عملية التهميش وأنه لا معنى لمحاربة التهميش دون البدء بهما ولكن لا ينبغي أن يغيب عن نظرنا أن طموح المواطن المهمش هو كل بشر أي الرفاه المادي والمعنوي وأن هذا لا يتحقق الا بتغيير جذري لمحيط الحياة اليومية…

 

 

وهنا ينبغي أن نفهم جيدا الرسالة الهادئة ولكن القوية لعشرات الآلاف من المعطلين عن العمل الذين تظاهروا – وما زالوا يتظاهرون – خلال هذه الأيام الأخيرة في جل أنحاء الجمهورية وكذلك لا بد أن نقف بكل تأن أمام رسالة العنف والنهب والحرق التي شهدتها أحياء ومدن عديدة والتي أحيل بموجبها المئات من الشباب على العدالة…

 

 

لا يجب أن ننسى أن جلّ الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها تونس قد عرفت هذين الصنفين من الرسائل وأننا لم نهتد بعد إلى فك كل الشفرات فما بالك ببداية إيجاد الحلول…

 

 

بداية الجواب على هذا التحدي الضخم التي تعرفه تونس وجل بلاد العالم هو إحداث تحول استراتيجي في مقاربتنا التنموية وفي تحديد دور الدولة فيها…

 

 

المسألة لا تتعلق باختيار ايديولوجي : مع الاشتراكية أم مع الليبرالية ولا كذلك في العودة بالكلية إلى الدولة الحاضنة والراعية فهذه تجارب قد أثبتت حدودها تاريخيا.. ولكن المسألة في تصورنا براغماتية سياسية، أي في السياسات العمومية التي يجب أن تتوخاها الدولة لكي تعالج جوهر التهميش لا حواشيه أو مقدماته.. وأن تكون هذه السياسات متناغمة مع تصور وطني لبذل جهد مضاعف يعيدنا، جميعا، إلى الوضعية الطبيعية اي النمو المرتفع )على الاقل 6 %سنويا ( الذي يخلق الثروة ومواطن الشغل.

 

 

السؤال الوطني اليوم هو كيف نحد من البطالة ومن التشغيل الهش في ظل اقتصاد بطيء النمو؟ وكيف نرفع من تشغيلية العاطلين عن العمل أيا كانت مستوياتهم التعليمية؟ وكيف نحرر كل الطاقات أو المبادرات ليكون خلق مؤسسة صغيرة أو وسطى عملية لا تستغرق أكثر من أيام معدودات لا الشهور الطوال – ان لم نقل السنوات – كما هو الحال اليوم؟

 

 

عندما نغيّر بصفة جذرية توجه كل السياسات العمومية ونجعلها كلها تصب في غاية واحدة :محاربة التهميش بخلق مواطن شغل كريمة وبالحد من التشغيل بخلق مواطن شغل كريمة وبالحد من التشغيل الهش وبتحسين محيط الحياة عندها نكون قادرين على ابتكار حلول جديدة ومجددة.

 

 

“الشغل قبل البنية التحتية” هذا جزء من الحل وكذلك المشاريع الكبرى ذات القدرة التشغيلية الضخمة والتي تغير وجه تونس بصفة جذرية : كإنشاء عاصمة جديدة قد تكون ما بين القيروان وزغوان وقريبة من مطار النفيضة.. وإنشاء مدن كاملة للصناعات الثقافية وللمهن المرتبطة بها في اتجاه تحويل تونس إلى قبلة إقليمية للسينما والموسيقى والكتاب.. ومثل هذه المشاريع يمكن أن تنجز في إطار عقود شراكة مع القطاع الخاص المحلي أو الأجنبي دون ديون إضافية للدولة..

 

 

كل هذا مع العمل الدؤوب على العقليات : الشهادة الجامعية ليست مؤهلة دوما للعمل والإقبال على التكوين للاستعداد لمهن أخرى لا علاقة لها ضرورة بالتكوين الأكاديمي الأصلي.. ملفات ضخمة تنتظر الحكم – مع هذه الحكومة أو غيرها – وتقتضي منه تغييرا جذريا لأولياته دون التساهل في التوازنات الكبرى للدولة وللمالية العمومية..

 

 

بعد ذلك يبقى أمام هذه الحكومة أن تصارح نفسها قبل مصارحة الشعب : هل هي قادرة على هذا أم لا ؟
إن كان الجواب بالنفي فلا فائدة في إضاعة مزيد من الوقت.