الرئيسية الأولى - ملف الشاهد

السبت,23 يوليو, 2016
كيف تصفون بن علي بالدكتاتور وبشار بالبطل ؟!

الشاهد _ بعيدا عن المبالغة واجتراح السيئات السياسية واذا اعتمدنا النزاهة ولو على المكاره ، يمكن القول أن بن علي لم يكن خائنا عميلا يشتغل لحساب الموساد أو ينفذ بدقة أجندة السي أي أي ولا هو غلام فرنسا وعنتيلها على تونس ، كانت لديه تجاوزات في هذه الجوانب وقدم جرعات على حساب وطنه لتأمين عرشه ، مقابل ذلك سعى بن علي إلى تقديم نموذج ناجح يضعه في خانة الرؤساء الذين تركوا بصماتهم في التنمية والعمران والإزدهار الاقتصادي ولسنا هنا في سياق الحديث عن نسبة الفشل والنجاح وكارثية الوضع من عدمه ، إنما الواقع أن بن علي لم تشهد البلاد في عهده إنهيارا اقتصاديا فضيعا ولم يقم بتوقيع اتفاقيات حماية ولا فوت في قرقنة وجربة للأطلسي ولم يقدم زمبرة وجالطة للاتحاد الأوروبي ليخزن فيها نفاياته النووية ..ولا هو خان الأمة العربية والإسلامية وباع بيت المقدس وأسهم في تجهيز جيش أبرهة .

إذا لما التحامل على الرجل إذا كان بهذا التوازن وتلك المواصفات التي وإن لم ترتقي به فالأكيد أنها لن تسمح بإدراجه في خانة النوازل التي حلت بتونس فهتكتها ؟ للجواب على هذا السؤال يجب تبويب مجموعة من المضامين مثل العدل والكرامة والحرية ونقائضها ، وتقديم تعريفات ضافية حول هذه المعاني وإدراجها في سلم الأولويات ، وبقدر تثمين المضامين الجميلة وتسويف الشنيعة بقدر اقترابنا من بشاعة بن علي وحقبته المبيدة، وحين نتفق على أن إحترام كرامة الإنسان والقيام على العدل و إرساء الحريه هي المقياس الأول لتقييم الحكام ومن نجح في إحترام الإنسان ككائن بشري نمر معه إلى تقييم مشاريعه الإقتصادية ورؤاه الثقافية وخطاباته الوطنية أو القومية أو الإنسانية ونرى إن كانت تتجانس مع فعله على الأرض ، أما أن نمر عرضا على جرائم الحاكم ضد الكائن البشري في جسده وروحه وننتقدها على عجل ثم نعبر لتمجيد أدواره الوطنية والقومية الأخرى فتلك مثلبة أقلها طفرة في الحمق وأشنعها طفرة في الحقد .

كان بن علي أحد أرباب القهر ، قسّم التونسيين على حضيرتين ، حضيرة يعلف فيها أزلامه وحضيرة يحبس فيها خصومه و بينهما برزخ يسرح فيه كل من “دخل ببوشتو” ورضي بالإنتهاك الدوري على غرار تسلط اقتصادي ، صندوق 26/26 ، مظالم جبائية ، خسائر نتيجة إحتكاك بمتنفذ أو متحزب “تجمعي” ..ماعدا ذلك فهو آمنا ما لم يتحدث في الشأن العام و ما لم يشرع في مد عنقه نحو حقوقه المدنية وما دام عازفا عن النسب ” نسبة النمو.. نسبة البطالة ..نسبة التضخم.. نسبة الفقر..” ، اذْ لا نتحدث عن الجرائم المغلظة عند خوضه في نسبة الحرية ونسبة الديمقراطية ونسبة احترام حقوق الإنسان وغيرها من النسب المهلكة .

انفق بن علي بسخاء لتقديم تونس “الفترينة” في مظهر أنيق ، لكنه رفض الإعتراف بشعبها وأعرض عن إستشارته ناهيك عن تقاسم السلطة معه وظل رافضا لأي انفتاح ثابت على موقف الإنفراد والتفرد ، وحين أراد تكسير الروتين و جنح إلى عدم الإستئثار بالحكم إختار التفويت في بعض صلاحياته لزوجته وأصهاره ليشعر أنه خرج بذلك من رذيلة حكم الفرد إلى فضيلة تقاسم السلطة ، و بقدر تكاثر الأصهار حوله وإنغماسهم في شأن الدولة بقدر ارتخاء الجنرال وإطمئنانه إلى أنه يمشي بما يرض الله و أن” ..أمرهم شورى بينهم “.

اذا اتفقنا على ان احترام الإنسان هو المقياس الحقيقي لتأهيل الحاكم إلى مرتبة الإنسان أو النزول به إلى مرتبة السفاح أو المراوحة نزولا وصعودا ، وإذا سلمنا أن بن علي وعلى بطشه لم يكن كسفاحي سوريا “الولد و الواد” ، وانتهينا إلى أن حقبة بن علي كانت فضيعة ليس لأنه فشل اقتصاديا أو فرط في مهامه القومية بل لأنه فشل إنسانيا حين هتك خصائص الإنسان واقتطع من كرامة التونسيين وحريتهم لتوفير عائدات يستعملها في إقتناء مواد تجميل لتونس ليعرضها في المحافل الدولية ، بدماء المناضلين كان يصنع أحمر شفاهها وبلحم خصومه كان يصنع بودرة لوجهها ، ثم إذا اتفقنا أن آل الأسد لا يمكن أن يقبلوا ببن علي كصبي من صبيانهم وأنهم ذهبوا في احترافهم الدموي بعيدا ما يجعلهم يستكثرون عليه كنية “سُفَيفيح” ، اذا اتقفنا على كل ذلك واستثنينا الأيتام والأزلام ” أيتام فرنسا وأزلام بن علي” فهل يعقل أن يخرج علينا من يقول بالحرية والكرامة ويبجل الإنسان جسدا وروحا ، ليروي لنا مناقب بشار ! كيف لحر أن يتجاوز سجون تدمر وادلب والمزة وعدرا وغيرهم ثم يتجاوز المقابر الجماعية والعادية ويتجاوز البراميل المفجرة والاشلاء المتفجرة والمنازل المتفجرة والقرى المتفجرة والمدن المتفجرة وسوريا المتفجرة ..يتجاوز كل ذلك ثم يحملق فيك بوقاحة ويرجمك بعبارة الممانعة !!! ما يعني ان الممانعة في عرفهم أصبحت أكثر من بدر ، وأن الأمر صدر وانتهى ” إفعلوا ما شئتم أهل الممانعة فقد غفر الله لكم” ، أي وقاحة أكبر من كتلة لحم مبهمة متبلدة متفحمة الشعور تقف على الرصيف تحمل بيد لافتة كتب عليها ” Ben Ali Dégage” وباليد الأخرى لافتة “الأسد إلى الأبد” ، أي فضيحة أكبر من إطلاق عبارة ديكتاتوري على جنرال قتل ما يناهز 500 إنسان ، وإطلاق عبارة “بطل” على ماريشال قتل ما يناهز 500 ألف إنسان !

بين نصف ألف ونصف مليون قصة طائفة تأكل وتروث وتنمو كالحيوان وتطمح إلى مرتبة الإنسان .. بين هذا الطموح وذاك السلوك يتقرر مصير الكائن……أكان نصف ألف أو نصف مليون ، ذلك بنيان الرب ملعون من هدمه وذلك عقل وهبه الرب ملعون من بذّره .

نصرالدين السويلمي