وطني و عربي و سياسي

الأربعاء,27 يناير, 2016
كيف أغرق الجنرالات الجزائر في الحرب بانقلابهم على بن جديد؟

الشاهد_نشرت مجلة جون أفريك الناطقة بالفرنسية تقريرا حول الظروف الغامضة التي دفعت بالرئيس الجزائري السابق الشادلي بن جديد للاستقالة، روت فيه كيف قام “جنرالات فرنسا”، كما يسميهم الشعب، بإجباره على التنحي، حتى يقوموا بإجهاض المسار الديمقراطي الذي أسفر عن تفوق الإسلاميين في الانتخابات.

 

 

وقالت المجلة إن الشادلي بن جديد ظهر على شاشات التلفاز مرتديا بدلة رمادية، وهو جالس على كرسي أصفر، ويسلم ملفا بنيا لرئيس المجلس الدستوري بيدين مرتعشتين، وفي داخل الملف كانت هنالك ورقة استقالته.

 

 

دون حتى أن يوجه كلمة للشعب، غادر الرئيس بن جديد منصبه بعد 17 يوما من الدور الأول للانتخابات التشريعية، التي حققت فيها الجبهة الوطنية للإنقاذ تقدما واضحا، وفي الساعة الثامنة والنصف من مساء السبت 11 جانفي 1992، دخلت الجزائر في نفق مظلم.

 

 

وذكرت المجلة أن تلك الأزمة التي شهدتها الجزائر إثر انقلاب جنرالات الجيش على المسار الديمقراطي، كانت لها تأثيرات كبيرة على دول المغرب العربي وأوروبا والشرق الأوسط، ورافقها الكثير من الغموض والروايات المتضاربة، ولكنها عادت لتطفو على السطح مع مطلع السنة الجارية، بعد أن قرر بعض القادة العسكريين والسياسيين إماطة اللثام عن جانب من أسرار تلك الفترة التي أدخلت البلاد في حرب أهلية أودت بحياة ما لا يقل عن 150 ألف جزائري، واختفاء عشرات الآلاف، وتهجير مليون شخص، ونفي جزء كبير من النخبة الجزائرية.

 

 

وقالت المجلة إن قصة انقلاب “جنرالات فرنسا” على الرئيس بن جديد انطلقت قبل الانتخابات، حين صرح لوسائل الإعلام بأنه مستعد للعمل مع الإسلاميين وفقا للدستور إذا فازوا بالأغلبية البرلمانية، وهو ما اعتبره الجنرالات خطا أحمر وأمرا غير مقبول.

 

 

وذكرت أن الذرائع التي برر بها الجنرالات انقلابهم، كانت اتهام الجبهة الوطنية للإنقاذ بتورط عضو منها مع خلية قتلت خمسة جنود في مركز “قمار” الحدودي، بالإضافة لوجود أبرز قائدين في الجماعة، وهما عباس مدني وعلي بلحاج في السجن، بتهمة التآمر على الدولة والإضرار بالاقتصاد، والمخاوف من سعي الجبهة الإسلامية لإقامة “خلافة إسلامية”.

 

 

وأكدت المجلة أنه مع انتهاء المؤتمر الصحفي الذي صرح فيه بن جديد بانفتاحه على الإسلاميين، اجتمع غدد من الضباط رفيعي المستوى، مثل خالد نزار وزير الدفاع، وعبد المجيد تاغيت قائد البحرية الوطنية، ومحمد تواتي مستشار وزارة الدفاع، ومحمد لعماري قائد جيش البر، ودخلت في مباحثات سرية لوضع خطة لقطع الطريق على الإسلاميين الذين كانوا على وشك الوصول للسلطة بالانتخابات.

 

 

وأضافت أن الدور الأول شهد اكتساحا للإسلاميين، الذين حصلوا على 3.2 مليون صوت من أصل 13 مليون، ضمنوا لهم 188 من أصل 430 مقعدا في البرلمان، فيما حصلت جبهة القوى الاشتراكية بقيادة حسين آيت أحمد على 25 مقعدا، وحصل حزب الجبهة الوطنية للتحرير على 16 مقعدا فقط، بعد أن كان في السابق الحزب الوحيد في البلاد.

 

 

وذكرت المجلة أن وزير الدفاع توجه في يوم السبت 28 ديسمبر 1991 إلى قصر الرئاسة في زيرالدا، وقال للرئيس بن جديد: “لقد حذرناك في السابق، انظر إلى أين وصلنا الآن”.

 

 

ثم اجتمع وزير الاتصال أبوبكر بلقايد بعدد من مديري الصحف في قصر الثقافة، وعبر لهم عن قلقه من وصول الإسلاميين للحكم، وطلب منهم إثارة الخوف لدى الرأي العام والتركيز على “المشروع الرجعي للجبهة الوطنية للإنقاذ، التي تريد تضييع المكتسبات الديمقراطية التي أسفرت عنها ثورة أكتوبر 1988”. وقال لهم: “قوموا بهذا الدور واتركوا الباقي علي”.

 

 

وذكرت المجلة أن الشهادات التي تم الكشف عنها حول تحضير الجيش للانقلاب، تشير إلى اجتماع كل قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية ومديري المصالح في وزارتي الدفاع والداخلية في مقر عمليات جيش البر في عين ناجع في 30 ديسمبر 1991، وقد أخذ الجميع الكلمة وعبروا عن آرائهم على امتداد ثلاث ساعات، باستثناء الجنرال توفيق، قائد جهاز المخابرات.

 

 

ومن بين 40 مسؤولا حضروا ذلك الاجتماع، أربعة فقط عارضوا فكرة إلغاء المسار الانتخابي، وخلص الجميع إلى تشكيل لجنة حكماء تبلغ الرئيس بموقف الجيش.

 

 

ورغم عرض قدمته الجبهة الوطنية للإنقاذ على لسان عبد القادر حشاني، في اجتماع له مع عبد الحميد مهري زعيم جبهة التحرير الوطني، ينص على الاكتفاء بالمقاعد الـ188 التي فازوا بها في الدور الأول، والاكتفاء بثلاث حقائب وزارية في الحكومة الجديدة، إلا أن الجيش كان قد حسم أمره، ودفع بتعزيزات كبيرة نحو العاصمة؛ لممارسة الضغط وفرض سياسة الأمر الواقع، من خلال وضع الرئيس أمام خيارين: الاستقالة أو إغراق البلاد في حمام دم.