رياضة - سياسة - عالمي دولي

الخميس,20 أغسطس, 2015
كونك مسلماً لا يتنافى مع كونك ألمانياً!

الشاهد_لا يزال التمييز في ألمانيا قائما ضد الشباب المسلمين بحجة أصولهم أو أسمائهم الأجنبية. وإذا كان من المفترض أن يصبح الجيل المسلم الشاب جزءا متكافئا في الحقوق في المجتمع الألماني فهذا يتطلب تغييرات ألمانية على صعيد اللغة والخطاب والسياسة، لا يمكن تحقيقها إلا من خلال مجتمع الأغلبية الألماني والمواطنين المسلمين على حد سواء، كما ترى ملاحت كيشي الباحثة في الفقه الإسلامي في جامعة أوسنابروك الألمانية في تعليقها التحليلي التالي لموقع قنطرة.

يقف الناشئون في مرحلة مراهقتهم ومرحلة تطوير هويتهم أمام مهمة صعبة تكمن في تحديد انتمائهم الفردي والاجتماعي. ويحدث هذا على وجه الخصوص من خلال الاسترشاد بفئات اجتماعية مختلفة فيتماهون معها ويشعرون بالانتماء إليها.

يؤثر الإطار الاجتماعي والمجتمعي والسياسي والاقتصادي والثقافي في هذا السياق على تنوُّع إمكانات تحديد الهوية، فعلى سبيل المثال يكون هناك دور للخلفية العائلية ولدائرة المعارف وللمدارس وللشِلَل ولأوساط الشباب الثقافية كالفضاء الافتراضي فضلًا عن المناخ السياسي.

وعلى الرغم من أنَّ جميع الناشئين يجتازون عملية تحديد الانتماء هذا، إلا أنَّ هناك فوارق بين مجموعات الجيل الناشئ المختلفة، فالتجارب التي يخوضها الجيل المسلم الناشئ باعتباره ينتمي إلى الأقلية تختلف عن تلك التي يخوضها الجيل الناشئ الذي ينتمي إلى ما يسمى “بمجتمع الأغلبية”.

عدم ثقة جماعي بالانتماء لألمانيا
يكمن أحد الفوارق الجوهرية في تحديد الانتماء لدى الجيل المسلم الناشئ في خضوعه المستمر للنقد الاجتماعي. وعدم الثقة الجماعي هذا بانتماء المسلمين الناشئين إلى ألمانيا يتجلّى في سياقاتٍ مختلفةٍ وبأساليب وأشكالٍ مختلفة.

وبالتالي فإن السؤال التقليدي عن الأصل العرقي وشجرة العائلة حتى الأجيال الثلاثة الأخيرة ما هو إلا تصريح يبيّن أنَّ الشخص الذي يتلقى السؤال لا يُعتبر “ألمانيًا”، وهذا هو السبب الذي يدفع في النهاية إلى السؤال عن الانتماء. كما أنَّ الفرص القليلة للحصول على مكان للتعليم المهني أو للتمرين العملي أو للعمل بسبب الحجاب أو الاسم الأجنبي – مع توفّر نفس المؤهلات -، توضِّح أنَّ طبيعة الجيل المسلم الشاب لا تتناسب مع التصورات عن طبيعة الألمان السائدة.

كما أنَّ رفض الشابات المسلمات المحجبات أحيانا في مراكز اللياقة البدنية لهو دليل آخر على أنهن غير متكافئات بالحقوق مع أترابهن، وذلك بسبب الحجاب الذي تحوَّر رمزه ليصير تجسيدًا للآخر الغريب وبالتالي يُحجَب عن المحجبات حق ممارسة الرياضة واللياقة البدنية.

 

 

في غياب الفرص تغيب المشاركة
هذه الأمثلة وغيرها من جميع مجالات الحياة تجعل من الواضح أنَّ جُلَّ مجتمع الأغلبية ينظر إلى الشباب المسلم باعتباره مختلفًا عنه أو غير منتمٍ إليه. وتتجلّى أهمية هذا التصوّر في أنَّ عدم الاعتراف الاجتماعي بالشابات والشباب المسلمين وعدم اعتبارهم مواطنين ألمانًا ومواطناتٍ ألمانيات على أساس التكافؤ يضعِف آمالهم المستقبلية وإمكانيات تشكيل حياتهم.

ولكن كيف يمكن تحقيق الاعتراف الجماعي بالشباب المسلم واعتبارهم مواطنين ألمانًا، في حين يجري باستمرار وسْم هذه الأقلية بأنها مختلفة والتأكيد على ذلك عبر سياسة واقتصاد وإعلام ولغة تُشكِّل هذه الصورة؟
لا يمكن توقع إجابة بسيطة أو حلّ لهذه المسألة، نظرًا لمدى تعقيد هذا الموضوع، وما كان من شأن إجابة بسيطة أن تكون مناسبة. لكن لإمكانية طرح أفكار حول عملية الاعتراف هذه فرصًا أكبر.
نجد أحد الاعتبارات المركزية لدى الناشطة الأمريكية النسوية من أصل أفريقي بات باركر التي تصف معضلة الاعتراف في قصيدتها “إلى الشخص الأبيض الذي يريد أن يعرف كيف يكون صديقي؟”
“أولًا عليك أن تنسى أنني سوداء.

ثانيًا، يجب أن لا تنسى أبدًا أنني سوداء”.
عدم الاختزال على الانتماء الديني
إذا أحلنا مطلب باركر الأول الموجَّه إلى مجتمع الأغلبية على وضع الشباب المسلم فسيكون التالي: انسوا أنني مسلم أو مسلمة! وهذا يعني: “لا تختزلوني على انتمائي الديني، الذي يمثل أحد أجزاء شخصيتي، ذلك لأن هذا التركيز أحادي الجانب يحجب قدراتي وخصائصي الأخرى عن نظركم وبالتالي يحجب شخصيتي المتنوعة التي لا يمكنني إظهارها نتيجة لذلك”.

هكذا يبقى في الخفاء أنَّ فاطمة تحب الحساب وجيدة في المواد العلمية وتتعلم اللغة الصينية وتهوى الرسم في أوقات الفراغ، تمامًا مثل رغبة حمزة في أن يصبح أستاذًا في المدرسة الابتدائية، لأنه لاحظ نقصًا في عدد المعلمين الذكور في المدارس الابتدائية، ناهيك عن أنه ناشط في عمل تطوُّعي.

 

 

ملاحت كيشي باحثة في الفقه الإسلامي في جامعة أوسنابروك الألمانية.
إذا تم النظر إلى فاطمة وحمزة على أنهما مسلمة أو مسلم “فقط” وجرى تصنيفهما وفق تبويب مسبق، فلن يتم إنصاف شخصيتيهما ولا ميولهما، بحيث تكاد تكون فرص إظهار مهاراتهما في مقابلات التوظيف مثلا منعدمة. ولكي تكون هناك قدرة على “نسيان” الانتماء للإسلام واعتبار الشباب المسلم مواطنين ألمانًا متكافئين في الحقوق، لا بد أولًا من وعي آليات بناء أفكار واستنساخ هذا التحديد.

نرى على سبيل المثال أنَّ الإعلام والممثلين السياسيين يساهمون في اعتبار أنْ تكون مسلمًا أمرٌ يتعارض ويتنافى مع أنَّ تكون ألمانيًا. يتجلّى هذا أيضًا في إثارة نقاش مستمر حول إشكاليات حياة المسلمين في ألمانيا، بحيث يتم إظهار المساجد والحجاب واللحى الطويلة وختان الصبيان وغيرها من الطقوس باعتبارها وحشية وخطيرة ومتخلِّفة وقمعية وغير حضارية ويجري نقاش هذا في البرامج الحوارية الجديَّة.
وطالما يستمر إظهار هذا التخصيص المشوِّه والمتحيِّز من قبل مجتمع الأغلبية تحت ستار حرية التعبير على أنه الحقيقة والواقع، يبقى المسلم في كل مكان نقيض الألماني. أما تغيير ذلك فيتطلب ممارسة سياسة تتعلق بالهوية متسامحة مع تنوع انتماءات أنْ تكون ألمانيًا.

لا تنسوا أبدًا أنني مسلم أو مسلمة
يعني مطلب باركر الثاني بالنسبة لمجتمع الأغلبية بما يخص حالة الشباب المسلم التالي: لا تنسوا أبدًا أنني مسلم أو مسلمة.

هذا يعني أيضًا: “لا تنسوا أنني أنتمي إلى أقلية محددة، وأني لست من العرق الأبيض وبالتالي فأنا معرَّضٌ للظلم والتمييز الاجتماعي بسبب توصيفي ضمن أقلية”.
يجب أنْ لا يغيب عن البال أنَّ فاطمة وبالرغم من قدراتها سوف تواجه صعوبات في سوق العمل بسبب حجابها، وعدم النسيان هنا مهمٌ لكي يظهر ويتبيّن هذا الاستبعاد بنيويًا وسياسيًا. وطالما لا يجري النقاش عن مواضيع التمييز الاجتماعي والآليات البنيوية والكشف عنها سوف تواصل تأثيرها بشكل عادي من وراء الكواليس ولن يمكن بالتالي إدراكها.

إذا كان من المفترض أنْ يصبح الجيل المسلم الشاب جزءًا متكافئًا في الحقوق في هذا المجتمع، فذلك يتطلب تغييرات على صعيد اللغة والخطاب والسياسة، لا يمكن تحقيقها إلا من خلال مجتمع الأغلبية والمواطنين المسلمين على حدٍّ سواء.

فقط عندما تغدو مسألة أن تكون مسلمًا لا علاقة لها بالمشاركة الاجتماعية وبأنْ تكون ألمانيًا وعندما لا تمسي النقاشات والمساهمات بخصوص هوية الشباب المسلم فائضة عن الحاجة، عندها يستطيع المسلمون الشباب أنْ يعيشوا معترفًا بهم كمواطنين متكافئين في الحقوق في هذا المجتمع.



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.