كتّاب - وطني و عربي و سياسي

الثلاثاء,7 يوليو, 2015
“كومبارس” في طائرة منكوبة

الشاهد_كان ينبغي أن أكون ممثلاً لأنضم إلى رهط الممثلين المصريين الذين رافقوا عبد الفتاح السيسي إلى ألمانيا، غير أن الطائرة “المنكوبة” أقلعت قبل وصولي، أنا المتأخر دوماً عن كل المناسبات الوطنية والقومية العظيمة.

كان حريّا بي أن أشد من أزر السيسي، وهو يواجه جموع المحتجين في برلين وفرانكفورت، ليدرك أنه ليس وحده في ميدان المواجهة مع “الإخوان الغربيين”، مثلما آزرناه في حربه المقدسة ضد “الإخوان المصريين”، في ميادين القاهرة والإسكندرية.

كان من المفترض أن أرافق ممثلي المفضل، عزت العلايلي، بطل فيلم (الأرض)، لأعبر له عن إعجابي بقدرته على المزاوجة بين حب الأرض وعشق الديكتاتور، وبمعجزته في الفصل بين شاشتين، الأولى بيضاء بلون حبات عرقه ممتزجة بحفنة التراب التي كان يداعبها بفأسه في الفيلم، ومرتدياً ثوب الفلاحين في الغيط، ومدافعاً عن كرامة مصر، وشاشة الواقع السوداء، سواد خديعتنا فيه، وهو يتنكر للحقل والأرض والغيط وعرق الفلاحين، ليدافع، هذه المرة، عن الطغاة والمستبدين، وعن كل من خان الأرض وربيعها الأحمر.
كان حرياً بي كذلك أن أرافق بطلة فيلمي (أمهات في المنفى) و(جنون الحياة)، إلهام شاهين، لأعرف الفرق بين امرأتين. الأولى حاولت إقناعنا بتمردها على ظلم الطغاة واستبداد المجتمع، وأخرى لا تتقن إلا فن الردح وألفاظ السوق، في سعيها البائس لمشاركة الطغاة دور البطولة القائمة على سحق الحريات وأحلام الشعوب.

على متن تلك الطائرة المنكوبة، كانت ثمة جوقة من ممثلين كبار، كنا نستدين ثمن التذاكر أحياناً، ونخرج فرادى وزرافات، عشاقاً ومخذولين، لا لنشاهدهم على الشاشات فحسب، بل لنشاركهم أدوارهم، دموعهم وفرحهم، وكنا نؤمن معهم بأن لا فرق بين شاشتي السينما والحياة، لأنهم كانوا يمثلون لنا طليعة الثورة المقبلة ضد مستنقعات الأسن الطافحة إلى الأعناق.

معهم كنا نؤمن بدور الفن في إحداث التغيير المنشود، وقدرته على إيصال رسالة المثقفين للكادحين والبسطاء، وحمل لواء المناضلين والمقاومين إلى مجتمعاتنا الراكدة؛ لنقلها من أنفاق العجز والتخلف إلى فضاءات التطور والنهوض. كانت الآمال عريضة، بحجم الشاشات التي تتعلق بها أبصارنا وأحلامنا.

غير أن الصدمة بهذه النخبة من “أبطالنا” كانت فادحة، بل أفدح من انقلاب الطغاة على الحريات وصناديق الاقتراع، لأن النخبة نفسها كانت أشد انقلاباً على شاشاتها، وعلى أعناقنا المعلقة بتلك الشاشات.

بغتةً، وجدنا أنفسنا أمام عصابة ممثلين على متن طائرة تقلّ طاغية العصر إلى برلين. عصابة تحمل شهادات مزورة باسم الشعب المصري، لتروج القاتل المستبد على أرض قبرت آخر مستبد مع الحرب العالمية الثانية، عصابة تزييف ونفاق في بلد لم يعد يقبل هذا العملات القديمة، ولا حتى في متاحفه العتيقة.

الأغرب من هذا وذاك، أن هذا الرهط من الخائبين، عادوا إلى مصر وهم ما يزالون على قناعاتهم البالية بأنهم قادرون على معاودة أداء البطولة في أفلام جديدة، تحطم نوافذ بيع التذاكر.

الواقع أن هذا الرهط الماجن لن يدركوا أن الفيلم انتهى فعلياً، وأنهم لم يعودوا أبطالاً، بعد أن تحولت أدوار البطولة إلى المشاهدين أنفسهم من ثوار الربيع العربي، وأنهم أصبحوا على القوائم السوداء في وجدان المخدوعين بهم، وأن خير ما يقدمونه لأنفسهم، وليس لجماهيرهم التي انفضّت عنهم، أن يخرجوا من تلك الشاشات البيضاء إلى الأبد، لأنهم انحازوا للطغيان والاستبداد، وتنكّروا للمعذبين والأحرار.

وإذا كان من “نافعة” لهذه “الضارة” التي رافقت انقلاب العسكر في مصر، فهي أنها عرّت كثيراً من “الأبطال”، أعني أبطال الشاشات والصحف والفضائيات الرخيصة.

على أنني ربما أجد عذراً وحيداً لهذا الرهط من الممثلين على متن تلك الطائرة “المنكوبة” بهم، قوامه أنهم انحازوا، بحكم غرائزهم “التمثيلية”، إلى كبيرهم الذي جعلهم مجرد جوقة “كومبارس” في فيلمه الدموي الطويل “انقلاب السيسي”.

باسل طلوزي-العربي الجديد