عالمي دولي

الإثنين,28 مارس, 2016
كندا تُسهّل الهجرة.. ضجيج ترامب لا يُسمع شمالاً

الشاهد_  تعدّ أميركا الشمالية مختبراً تاريخياً لدراسة الهجرة في العالم الحديث. وفي وقت ينفر الليبراليون من الولايات المتّحدة جراء المواقف السياسية فيها، تنعم كندا بطلب غير مسبوق على الإقامة والاستقرار فيها، وخصوصاً في ظل التعديلات المرتقبة على قانون الهجرة.

 

ساعتان من الانتظار على مقاعد قاعة الوصول في مطار بيار- إليوت تروداو تُعلِّم الزائر الكثير. خلال ترقّب خروج صديق تأخرت معاملته مع ضباط الجمارك الذين يرصدون كالصقور الحقائب وبيانات التصريح، تُتاح فرصة ثمينة كي يرصد المرء وبأدق التفاصيل مجتمعاً يتفاعل بحيوية. وفي بعض الأحيان، يعاد بناؤه من الصفر مع وصول أفواج المهاجرين والعائدين من زيارة الأوطان الأصلية.

 

أما الرجل الأبيض وعائلته، فليسوا من الشخصيات الاستعمارية التي ترك العرش البريطاني والقوى الإمبريالية الأخرى آثارها في ذاكرة الشعوب على مر التاريخ. أفراد هذه العائلات الكندية تساعد أحفاد امرأة مسنّة على نقل كرسيها المتحرك بعد وصولها من الدار البيضاء، ويبتسمون لفتاة ترتدي ثياباً غجرية تلعب بين المقاعد، على الرغم من الضجة التي تُحدثها، ويقدمون الحلوى لفتى عربي ينظر باستغراب وحشرية إلى فتيات بشعر أشقر متدلٍّ من دون أن يكترث لتعقيدات الحياة.

 

تنغمس في المشهد وتفرح لوجودك في قلبه. ومع خروج صديقك، تشعر بمفاجأة إضافية. هذه ابتسامة عريضة على وجهه على الرغم من الإرهاق الظاهر في نظراته وطيات ملابسه. “أعتذر عن التأخير، لكن قضيت هذا الوقت مع ضباط الجمارك لأصرح عن الأغراض التي جلبتها”. الهدايا التي أحضرها معه تفوق قيمتها ضعفي المبلغ المسموح به لفترة غياب كالتي غابها، فاضطر إلى دفع 350 دولاراً تقريباً. “أدفعها وقلبي وعقلي مرتاحان. الاحترام والسؤال عن إمكانية لمس سجادة الصلاة التي في الحقيبة، وصولاً إلى التمني لي بالتوفيق، تعني لي أكثر من الهدايا والرسوم الضريبية”.

 

راحة

 

هذه الراحة الاجتماعية التي تشعرها في البلاد عند الحدود وفي الأحياء والمقاهي والمتاجر هي نتيجة جهود يبذلها سياسي آخر اسمه جاستن ترودو. وإلى جانب انفتاحه على الأقليات والعالم، ينوي حلحلة التعقيدات العقيمة وغير المنطقية على مستوى قانون الهجرة التي فرضتها الحكومة المحافظة السابقة.

 

تحت شعار إعادة الاعتبار للجنسية الكندية، كان المحافظون قد أقرّوا قانوناً يُعدّل مجموعة من القواعد العامة التي تحكم القدوم إلى كندا والاستقرار فيها. أبرز هذه النقاط هي زيادة فترة المكوث الإجباري إلى أربع سنوات للحصول على الجنسية مع اشتراط عدم مغادرة البلاد أكثر من 6 أشهر كل عام في تلك الفترة. كذلك، عدّلوا الإجراءات التي تساعد الطلاب الأجانب على الحصول على إقامة دائمة بعد دراستهم في الجامعات الكندية. ولعلّ التغيير الأكثر إثارة للجدل هو السماح للسلطات بسلب المواطنين الذين يحملون أكثر من جنسية تلك الكندية في حال تبين مشاركتهم في “أعمال إرهابية” داخل كندا وخارجها.

 

هكذا تعرّض القانون لطعون من جانب السياسيين والمجتمع المدني والناشطين الحقوقيين، إلا أنه حصل على موافقة ملكية بعد عام على طرحه. في الواقع، استغلت الحكومة المحافظة حينها مجموعة من المخالفات التي مارسها العرب تحديداً، وخصوصاً تشويه فترات الإقامة والغش. وفي مرحلة لاحقة، طاولت تحقيقات دوائر الهجرة والضرائب آلاف الأسماء التي عليها نقاط استفهام.

 

غير أن ذلك لا يُبرّر بنظر الليبراليين المعايير التي دخلت حيّز التنفيذ منتصف عام 2015. لذلك، كان مشروع القانون الجديد “بيل 6” من بين أولى المشاريع المطروحة في الدورة البرلمانية الحالية. وتنصّ الإجراءات الجديدة أولاً وأساساً على العودة عن سياسة سحب الجنسية بحجة الإرهاب. التبرير الذي قدّمه وزير شؤون الهجرة جون ماكولم تصعب مقارعته قانونياً. وفي حال تبيّن أن مواطناً كندياً انخرط في أعمال مشابهة يحكم وفقاً للقوانين المرعية بصفته مواطناً كندياً، من دون اللجوء إلى إجراء غوغائي بسحب جنسيّته.

 

ومن التعديلات المهمّة الأخرى، خفض الفترة المشترطة للحصول على الجنسية إلى ثلاث سنوات من أصل أربع، والتخلي عن شرط إجبار المقيم على عدم السفر لفترة تفوق ستة أشهر سنوياً، واحتساب فترة إقامة الطلاب الأجانب ضمن الفترة المطلوبة لحصولهم على إقامة دائمة بعد الدراسة في الجامعات الكندية، وصولاً إلى تخفيف شروط اللغة في امتحان التقديم على الجنسية (أي إعفاء الصغار والمسنين).

 

 

في المبدأ، يدخل القانون الجديد حيّز التنفيذ في وقت لاحق هذا العام، كون معظم بنوده تتطلب موافقة برلمانية تبدو مضمونة، وإقراراً من رئيس المجلس، فيما تحتاج بنود أخرى إلى موافقة ملكية من العرش البريطاني. اللافت في توقيت تقديم هذا القانون أنه يأتي بعد قرار أوتاوا استقبال 25 ألف لاجئ سوري بين نهاية العام الماضي وهذا الربيع، مع إمكان استقبال العدد نفسه في وقت لاحق هذا العام، في إطار برنامج مزدوج يقوم على الهجرة المرعية من الحكومة والأفراد (القطاع الخاص والعائلات).

 

كذلك، تتزامن الحركة الكندية لجذب المزيد من المهاجرين وأصحاب المهارات وتسهيل معايير تصنيفهم واستقبالهم، مع حركة عكسية في الولايات المتّحدة، البلد الذي يُعدّ تاريخياً قبلة للمهاجرين. حركةٌ تدفع حتى الأميركيين للهرب إلى كندا. خلال العقد الماضي، تضاعف عدد الأميركيين المهاجرين إلى كندا ليصل إلى 12 ألفاً، علماً أن العدد قد تراجع قليلاً خلال السنوات الخمس الماضية نتيجة الأزمة المالية والإجراءات الإصلاحية التي طبقتها إدارة الرئيس باراك أوباما، وتحديداً على صعيد التقديمات الاجتماعية والرعاية الصحية.

 

عودة إلى كندا

 

ومع سطوع نجم رجل الأعمال ذي الميول السياسية المقلقة دونالد ترامب، يبدو أن حمى الهجرة إلى كندا تعود بقوة. الرجل “البرتقالي” – بحسب وصف أحد منافسيه في الحزب الجمهوري – يقترح بناء جدار فصل عند الحدود مع المكسيك وفرض حظر على دخول المسلمين إلى البلاد.

 

هكذا، بعدما فاز ترامب في انتخابات “الثلاثاء الكبير” والانتخابات الفرعية اللاحقة للمندوبين، معززاً صدارته في السباق الجمهوري، شهدت الحدود الكندية – الأميركية فعلياً وإلكترونياً، اهتماماً أميركياً غير مسبوق للانتقال والاستقرار في أراضي الجار الشمالي، الذي يمنع حمل الأسلحة ويُقدّم تغطية صحية شاملة.

 

دبّ الحماس في نفوس الليبراليين لدرجة أن منسق أغان شهير في مدينة سيدني الكندية استغل برنامجه الإذاعي لإطلاق حملة متكاملة لجذب الأميركيين الذين يجدون في ترامب أبغض ما تُنتجه السياسة إلى بلدة “كايب بريتون” في مقاطعة نوفا سكوشيا. دعوته ليست فقط لمصلحة الأميركيين بل لمصلحة بلدته “الجميلة، والتي يحلو العيش فيها، إنما تحتاج المزيد من الناس والحركة”. ويبدو أن كندا تستعيد المبادرة للعب دورها المميز على هذا الصعيد.

 

إلى ذلك، يعد حكم القانون والمقاربات الإنسانية في قضايا الشأن العام إحدى مزايا البلدان الغربية بالمقارنة مع المجتمعات المظلمة. لكن في كثير من الأحيان، يتضارب العاملان على نحو مقلق، وقد شهدت كندا أخيراً قضية مؤلمة على هذا الصعيد. فقد اضطرت عائلة المهاجر فيليب مونتويا إلى العودة إلى كوستا ريكا بعد ثلاث سنوات من الإقامة في كندا، لأن دائرة الهجرة اعتبرت أن الابن الذي يعاني من “متلازمة داون” سيُشكّل عبئاً على دافعي الضرائب. رفضٌ دفع مونتويا إلى وصف القرار بـ “البربري”. وهناك حالات كثيرة مشابهة تتكرّر طوال العام بحسب مكاتب شؤون الهجرة وشركات المحاماة، علماً أن تقييم ملفات الراغبين بالهجرة إلى كندا يتضمن حساب الأرباح والخسائر. فإذا كانت حسابات العلاج السنوي تفوق ستة أو سبعة آلاف دولار، قد يُطلب من العائلة تقديم شرح عن المصادر المرتقبة لتأمينها. وفي حالات مصابين بمرض السكري مثلاً، قد يقول ضابط الهجرة إن غسيل الكلى قد يكون حتمياً في المدى المنظور فيرفض الطلب كلياً.

 

إنها قساوة الاختيار التي تجعل بعض القرارات بربرية بنظر كثيرين ومنطقية بنظر آخرين، ولا تختلف مسوغاتها بين محافظ وليبرالي.

 

العربي الجديد



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.