مقالات مختارة

الثلاثاء,25 أغسطس, 2015
كرهت ولم أشف من الحبّ

الشاهد_حبّها تغلغل في كياني وعليه بُنيت أركاني، وسبحت في لجّ هواها، وهِمت بها وتغنّيت بعشقها وحسنها وجمالها، وكلما طال الفراق وازدَدتُ عنها بعدا التهب الحنين إليها والشّوق للوقوف بين يديها، وعَمَرَ حبّها قلبي بعد أن “تذوّقت مرّه وقراحه”! … كثيرا ما سخرت من العشاق وقلت في نفسي: “ما يتغنّون بمثل حبيبتي”! … سهرت و”قاتلت” من أجل نومة في حظنها أوضمة إلى صدرها!

ثمّ أنعم الله باللقاء تلو اللقاء، فوجدت الحبيبة على غير ما يشتهي الأحباء، وجدت فيها المكر والدهاء، وعدم الإكتراث والمبالاة بأشد الأمور فتكا وبلاء! وجدت أبنائها لا يوقّرون صنعة الرحمان ويستخفون لأمر المنّان بصيانة الأنفس والدماء وحماية الإنسان! … أرواح تزهق على قوارع الطريق بدم بارد واستخفاف غريب! … إعراض عن قواعد السلامة وقوانين المرور من “الراعي” قبل “الرعية”!

أبناء حبيبتنا يزعمون حبّها ويدّعون برّها ولكنّهم ينخرونها في المفاصل ويصيبونها في المقاتل ويسببون لها العاهات والأمراض المزمنة ويشوّهون جمالها بحماقاتهم وأوساخهم!
ثم يمكر بعضهم ببعض، ويكيد بعضهم للأخر، ويستضعف قوّيهم ضعيفم ولا يرحم كبيرهم صغيرهم، ولا يوقّر صغيرهم كبيرهم!

إن نصحتهم سخروا منك، وإن ناقشتهم فيما ينفعهم ظنوا بك الظنون واتهموك بالجنون! فإما أن تتماهى معهم وتتعامل بقواميسهم الغريبة عن الذوق واللغة ـ “مَشّي حاجة” … “أفرح بينا” … “شحّم العجلات يمشوا” “كول ووكّل” … “النبيء يقبل الهدية” … “مشت معاك” … “مريقل” … “ارحي” ـ وإلاّ فأنت “بُهالي ونِيّة” و”إلّي ما يكونش ذيب تاكلوا الذيبّة”!!

حبيبتنا فشلت في أن تربّي أبناءها على حبّ العمل والبذل والعطاء، من له منهم عملا، لا يتقنه وإنما يعتبره مصدر رزق وحسب، ليس أمانة ومسؤولية وسبب إنتاج وتقدم، وأما من ليس له عمل فيريد أن يبقى عالة يتكفف والديه والناس ويعمر المقاهي و”يكثّر سوادها” أو يلتحق بعصابات السطو والجريمة لتوفير ما فرضته العولمة من كماليات!

أبناء حبيبتنا يفهمون في كلّ العلوم ويدلون بدلوهم في كلّ المواضيع، في الدين جلّهم فقهاء مجتهدون ومجدّدون! … في الاقتصاد منظرون! … في السياسة محلّلون واعون بما ظهر وما بطن! …. وفي الإعلام وكالات أنباء متنقّلة … “قالوا … سمعت … قرأت …”!

وأما الجاهل منهم الذي يدري بجهله فقليل من قليل من قليل!

بعد آخر لقاء غادرتُ الحبيبة مجروحا مألوما أسأل نفسي “أهذه هي الحبيبة التي عشقت؟ … أهذه التي منحتها حبّي ووقتي وفراغي وشغلي؟ … أإلى هذا الحدّ يمكن للمظاهر الشاذة أن تشّوه وجه الحبيبة وتقبّحها في عيني؟ … هل يمكن أن أنسى حبّ السنين وعشق الأيام واللّيالي؟ … وهل يمكن لخليلة عرفتها ـ كَرها ـ نهاية شبابي أن تعوّضني عن حبيبتي التي في حظنها نشأت؟
وبينما أنا “بالبوّابة” في مخاضي وحيرتي إذ بأحد أبناء حبيبتي الساهرين على “أمنها المالي” يقول لي : ” قبل أن أوقّع مَشِّي حاجة” ثمّ يأت “أخ له” من بعده فيقول ـ ما مفاده ـ “هات ما بقي معك من دينارت”!!

قلت وقد بدأ الكره يحتل مكانه في قلبي : “شكرا فقد أعنتماني على الاختيار بين حبيبتي وخليلتي”!!

واتفقت مع الشابي رحمه الله في توصيف الحال بأن العصر عصر ظلمة” وأن الدّهر قد ضيّع مجد شعبنا، وغاب عنّي تفاؤله حين شام (رأى) من وراء الظلام الصباح وأن الحياة سترد يوما لشعبه الوشاح (السيف)*!

إن ذا عصر ظلمة غير أني ** من وراء الظلام شمت صباحه
ضيع الدهر مجد شعبي ولكن ** سترد الحيــــاة يومـــا وشاحـــه

ربّما هي زفرات موجوع مألوم بالغ في الوصف وعمّم بدل أن يخصص، ولكنها آهات من ظن أن النهوض قريب وفي المتناول، وأن فجره قد أسفر وشمسه قد بدأت في البزوع، فتبيّن له أن الطريق طويلة ملتوية، فيها الشعاب والوهاد، فيها الضواري والسباع، فيها المتاهات والمهالك، وفيها الوحشة والغربة!

هو كُره لبعض المظاهر والأفعال، ولن ينتصر كره دخيل على حبّ نقيّ وأصيل، وتبقى الحبيبة حبيبة ولو كره العابثون وتآمروا!

أيها الحبّ قد جرعت بك الحــز **ن كؤوسا، وما اقتنصت ابتغائي” (الشابي)
وتستمر المواجهة!!

صــابر التونسي



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.