الرئيسية الأولى

الأربعاء,16 مارس, 2016
قمة بوتفليقة الغنوشي لأي شيء؟

الشاهد _لم يكن لقاء القمة الذي جمع بين الزعيمين بوتفليقة والغنوشي يوم أول أمس هو الأول من نوعه منذ إندلاع الثورة التونسية ولا الأول ثقلا زاخرا بالدلالات سوى أن سياقه مختلف إذ يعقب أمورا ثلاثة تجعل منه شبيها جدا بالقمة الأولى التي كثفت الحياة السياسية في تونس الثورة بلون غير مألوف وهي قمة السبسي الغنوشي في باريس. هما قمتان يكون فيهما الغنوشي مركبا بل ربما داعيا مؤسسا. القمة الأولى هي التي تحكم تونس الثورة بل قل توفر لسفينة الثورة في زلزال هائج مائج القدر الأدنى اللازم للحياة والوجود وليس للتجديد والإبداع. القمة الأولى كانت كفيلة بتهميش اليسار المتحالف مع المخلوع بن علي لزهاء ربع قرن كامل تهميشا جعله يخرج من دائرة الدولة العميقة بأقدار مهمة لعزل غريمه الإسلامي إلى دائرة حلقات مهمة في المجتمع المدني من مثل إتحاد الشغل والإعلام الفضائي ولكن للمهمة ذاتها.

1 ـ الإرهاب مؤسس القمة الثانية

 

لم يكد يفرغ الغنوشي من أداء واجب العزاء في رحيل أكبر أصدقائه الشيخ الدكتور المجدد الثائر حسن الترابي حتى تحول على جناح السرعة إلى لقاء صديق قديم جديد هو الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة الذي سجل التاريخ إسمه تحت عنوان مشروع الوئام الوطني الذي أخرج الجزائر من عنق زجاجة الإرهاب في تسعينيات القرن المنصرم في إثر دهس الدبابة الفرنسية لصناديق الإقتراع قرارا غربيا لن يزال ساريا حتى تتعدل بوصلة التوازنات الدولية المنخرمة للحيلولة دون مشاركة الإسلاميين أو تفردهم بالسلطة في البلاد العربية. الغزوة الفاشلة التي شنتها قطعان الهمج البربرية ضد مدينة بنقردان الصامدة في الجنوب الشرقي التونسي عجلت بإستئناف المشاورات التونسية الجزائرية. لم يكن محل ريب أن المشروع الديني الستاليني ممثلا في قطعان (داعش) كان يخطط هذه المرة لإنشاء إمارة محلية تونسية على غرار إماراته في سوريا والعراق وليبيا. ولم يكن محل ريب كذلك أن تونس سجلت إسمها مرة أخرى ـ بعد مشروع القذافي ممثلا في غزوة قفصة الأشد فشلا عام 1980ـ في سجل التاريخ تحت عنوان الإستعصاء ضد أي قابلية للإحتلال فما فكرت تونس يوما في تصدير ثورتها التي دشنت بها الربيع العربي على غرار المغامرات الشيعية الطائفية ( إيران الخميني الصفوية عام1979 ) وما فكرت يوما في إستقبال فاتحين من خارجها سوى ببسالة القوى العسكرية والأمنية التي حمى الله بها القصرين وبنقردان وكل فج عنّ للمغامرين إقتحامه. في بنقردان تحولت المؤامرة إلى واقع معيش فما كان ينبغي للغنوشي سليل القمة الأولى ( السبسي الغنوشي ) سوى التحرك نحو إستئناف قمم جزائرية تونسية سابقة ربما لم تخرج جميعها عن المشاورات في شأن مقاومة الإرهاب المتسلل إلى هناك من إمارة دينية ستالينية في مالي وما بقي من قطعان الهمج البربرية التابعة لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي. ثلاث عقبات عظمى عاجلت الثورة التونسية ونالت منها كثيرا : الفساد الذي خلفته سنوات حكم المخلوع ومن قبله وما تضمنه معالجته من رغد عيش كريم بمشاريع إجتماعية إقتصادية إنمائية و الإرهاب الذي سبق إليه رئيس الحكومة الأسبق علي لعريض إذ كان هو أول من صرح وإعتبر إبان التفاعل مع جماعة أنصار الشريعة أن الإرهاب هو العقبة الأولى وأنه محل تطور وهو أول من دافع عن إعتبار تلك الجماعة جماعة إرهابية ولو بالتعبير السياسي الذي لا يملك هو في تلك الفترة سواه وتحت قبة البرلمان قوى دينية ستالينية تقودها سياسة الديك المذبوح ( فليكن بعدي الطوفان ). العقبة الثالثة التي نجحت فيها الثورة التونسية هي : البناء الدستوري العمراني الذي يضمن الحريات ضمن بناء هيكلي قانوني لا بالوعظ والإرشاد ولا بإحسان هذا أو فضل ذاك. وظلت العقبتان الأوليان تعصفان بالثورة التونسية : الفساد الذي يؤجل النهضة الإقتصادية ويغري أعداء الثورة والإرهاب الذي يجد له في أكثر مواقع الإعلام الفضائي التونسي حاضنة دافئة.

2 ـ عندما تتعاون الثورة مع بلاد غير ثورية ضد بلاد ثورية.

 

هي مفارقة فعلا. تحولت ليبيا الجارة الشرقية بسرعة قياسية إلى مصنع إرهابي لأسباب إجتماعية معروفة ربما يكون الهالك القذافي مسؤولا عنها على إمتداد حكم عربي هو الأطول في التاريخ المعاصر (42 سنة كاملة ). ولم يكن المتضرر الأكبر من ذلك سوى الثورة الصامدة في تونس بل كان الضرر إقتصاديا كذلك وليس أمنيا فحسب. عندها لم يكن هناك من بدّ سوى التنسيق الأمني والسياسي إستراتيجيا مع الجار الغربي الذي لم يثر شعبه. ثار الجزائريون ضد الإحتلال الفرنسي الإستيطاني وقدم مليون شهيدا ولم تتعرض البلاد لا إلى مشروع إستلابي تغريبي إلحاقي ثقافي ولا إلى حكم فردي حديدي جائر وظلت تواجه مصاعبها وبؤر الفساد فيها بطريقتها الخاصة وحفظت في الجملة هويتها الوطنية. هناك عامل العلاقات القديمة بين الغنوشي وبين بوتفليقة وهناك عامل الإرهاب الذي يوحد حتى المختلفين فما بالك بالمؤتلفين وهناك الجوار والمصالح سيما من بعد ما تمزق الشرق العربي شز مزقة. وظلت المغرب مستقرة آمنة قبل فوز الإسلاميين ومعهم. ومثلهما موريطانيا والسودان. غرب عربي إسلامي يغلب عليه الإستقرار والإطمئنان وشرق عربي إسلامي يغلب عليه الحرب الأهلية المدمرة وظل مسال لعاب لأكثر من طرف أجنبي. ثارت ليبيا فكانت محرقة تهدد تونس الثائرة بدورها و أحجمت الجزائر عن الثورة فكانت عمقا آمنا لتونس ليس ضد السرطان الإرهابي فحسب بل بدعم نسيج أخوي من العلاقات القديمة الطيبة. أي معنى للثورة؟ عندما تشيد الثورة على جرف هار من القحط الإداري والقانوني والقيمي كما كان الحال في ليبيا تكون الثورة محرقة. الثورة قيمة فكرية عقلية أخلاقية قبل أن تكون مغامرة مجنون.

 

3 ـ العامل الثالث:  الذي لم يكن مؤسسا للقمة التاريخية ( بوتفليقة الغنوشي ) ولكنه كان مركبا من مركبات الثورة المضادة التي تكاد تعصف بتونس إذ هو في تحالف موضوعي لا موضعي مع حركة الإرهاب هو ما أسميه : التحالف الديني الستاليني ممثلا في الجبهة الشعبية بزعامة حمه الهمامي بأذرعها الإعلامية والعمالية. تحررت حركة النهضة منذ سنوات طويلات في إثر تقاليدها التقويمية الثابتة من الصفة الدينية التي لم تلتصق بها وهي حزب سياسي إسلامي جامع منذ 1981 ولم تكن النهضة يوما منذ ذلك التاريخ بصفة خاصة تعبيرة دينية بل حزبا سياسيا إسلاميا جامعا لا يعاب عليه سوى جماعه أي شموله الحقلي لا الإيديولوجي أو شبيبته التي لم تسعفه بادئ الأمر بحقيقة التضاريس السياسية والمالية والإستراتيجية النافذة في الأرض مما جعله يهوي في بعض المواجهات. أما براءته من الصفة الدينية بمعناها الحقيقي إسلاميا وبمعناها الغربي الحديث فهي براءة تامة يعرفها الباحثون ويؤكدها المنصفون. قطعت النهضة مع تقاليدها التقويمية العميقة والجارحة أشواطا لم تبلغها إي حركة إسلامية ولا عالمانية في العالم العربي والإسلامي إذ لم يعرض أي حزب عربي ولا إسلامي أوراق مؤتمره في صورة لوائح جاهزة على أهل الفكر والسياسة من المختلفين في ندوة فكرية علمية سياسية سوى النهضة التي فعلت ذلك قبل أسابيع وهي تجهز نفسها لإجراء أكبر عملية جراحية في كسبها الذي عمره أزيد من أربعة عقود كاملة وذلك في مؤتمرها العاشر المزمع عقده في الأسابيع القابلة بحوله سبحانه. وليست هذه هي أول عملية جراحية تتعرض لها الحركة في أثر من تقليدها التقويمي الداخلي إختيارا لا إضطرارا بل هذه هي العملية الرابعة.

كان يمكن لليسار التونسي أن ينهج النهج نفسه ليرى الناس مدى التطابق بين الديمقراطية وبين بعض أكبر أركان العقيدة الماركسية الشيوعية أي : الصراع الطبقي ودكتاتورية البروليتاريا. لم يحدث ذلك ولو حدث لكانت الثورة التونسية اليوم تعالج القضايا الإجتماعية والإقتصادية وليس موضوع الإرهاب ولا حتى الموضوع السياسي نفسه.

ذلك هو التحجر الذي جعل من اليسار التونسي أولى بالطائفية الدينية على الطريقة الستالينية القديمة. كانت تلك الطائفية الدينية الستالينية هي حجر العثرة الأكبر أمام الفعل الليبرالي الغربي في المنظومة الغربية نفسها ولذلك جاءت قوانين جنيف 1951 وجاءت حركة التصحيح التي قادها قورباتشوف تحت عنوان القلاسنوست والبروسترويكا 1989.

وقدمت التجربة الغربية الليبرالية مقاومة إيجابية في الحقل السياسي وشيدت لها فقها سياسيا يفيد منه اليوم الإسلاميون أنفسهم في تركيا وتونس ونهضة إقتصادية صناعية عملاقة في حين ظل الشق الشيوعي الماركسي عاكفا طوافا حول كعبته الدينية الستالينية في نظام إيديولوجي يتأبى عن التطور والتحرر. ربما شعر الغنوشي بأن الإرهاب الذي تحول من نظرية المؤامرة في بنقردان العصية الأبية إلى التأسيس الفعلي لإمارة دينية يتغذى من الفضائيات التونسية التي تخدم الخط السياسي الماركسي الشيوعي في وقت نجح فيه هو نفسه في تحييد نسبي للمؤسسة العمالية الأعرق عربيا وإفريقيا ( إتحاد الشغل ) عن الإصطفاف وراء سحق الثورة. فكان لا بد له من قمة تاريخية مع صديقه القديم الجديد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة.

 

4 ـ العامل الرابع:  كان يتزامن مع القمة التونسية الجزائرية ساعة بساعة بل دقيقة بدقيقة إذ أعلن في غضون ذلك الرئيس الروسي بوتين عن سحب قواته العسكرية من سوريا والإجتماعات الإئتلافية بين صفوف المعارضة وممثلي النظام الإسماعيلي الشيعي الباطني الأصل على أشدها في جنيف بإشراف دولي أممي. أي مصير لمكونات جماعات دينية إرهابية بالفعل أو بالضرورة والحكم بتعبير الفلاسفة تعيق الثورة السورية أن تتحرر من بعد إنسحاب الروس الذين جاؤوا أصلا في إثر فشل إيراني لبناني ( حزب الله ) على الأرض؟ أي مصير لأولئك ومكونات مهمة منهم من أصل تونسي؟ وأي جناية للدكتاتورية أكبر من إنتاجها لجيش لجب من الإرهابيين بإسم السلفية المغشوشة وإقامة الدولة الدينية ذات الأصول الغربية إذ لا حياة ولا قوام لدولة دينية في الإسلام لا نصا ولا مقصدا ولا واقعا ولا تاريخا وتطبيق الشريعة في أمة أمية بنسبة 43 بالمائة يفتك بها الجوع والخوف مسلوبة الإرادة والثروة معا؟ فإذا كان القذافي مسؤولا على بلاد حكمها بمفرده لم يؤسس فيها دولة ولا إدارة ولا قيمة للعمل والتكافل القبلي فإن المخلوع بن علي مسؤول بمثل ذلك على بلاد حكمها ربع قرن بمفرده لم يؤسس فيها قيما إسلامية تحول دون نشوء غلواء الإرهاب الديني.

وعندما تجتمع تلك العوامل الثلاث الكبرى مع أخرى صغرى فإنه ما ينبغي للغنوشي شريك القمة الأولى المؤسسة للحياة السياسية في تونس الثورة ( قمة السبسي الغنوشي) سوى المسارعة إلى قمة ثانية تساهم في تكوين جدار صد مغاربي عنيد ضد الإرهاب الديني الذي فشل في إقامة إمارته الظالمة في بنقردان سيما أن ذلك الإرهاب المادي يتغذى ويلتقي موضوعيا لا موضعيا مع إرهاب ديني ستاليني تنتجه أكثر الفضائيات التونسية وقد يتغذى في الشهور القادمة مع جيش إرهابي آخر يفرّ من سوريا ممن أثمرت سياسة المخلوع بن علي وهي السياسة نفسها التي أنتجها اليسار نظريا ونفذتها الدولة عمليا أي تجفيف المنابع.

وعندما يضيق الخناق على الإرهاب أن ينال من تونس فإن الثورة مؤهلة على التصدي للتحدي الثالث الأكبر أي التحدي الإجتماعي والإقتصادي سيما أن الثورة تقاد بنظرية سياسية عنوانها : الديمقراطية التوافقية لا الشعبية وهي صناعة نهضوية دستورية من حقها الإحتفاظ ببراءة الإختراع.

وعندما تتجفف منابع الإرهاب بعمل جزائري من حدودها الجنوبية مع قطعان الهمج البربرية ممثلة في بقايا تنظيم القاعدة في مالي وبعمل تونسي من حدودها الجنوبية الشرقية مع القطعان ذاتها ممثلة في ( داعش ) يشيد الحلف المغاربي ضد سرطان الحياة وآفة الثورة أي الإرهاب وعندها يحتاح التحالف الديني الستاليني إلى قربان جديد يقدمه عربون ولاء بين أيدي القوى العربية والغربية التي تعمل على خنق ثورة تونسية تمرض ولا تموت.

الهادي بريك ـ المانيا



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.