عالمي عربي

الأربعاء,5 أغسطس, 2015
قصر “توفيق الحكيم” و”طه حسين” المسحور

الشاهد_إلى التي كانت تشيع ذهابنا إلى القصر المسحور وتتلقى عودتنا منه بنظرات حائرة وبسمات ساخرة، ولكن فيها مع ذلك الرحمة والإشفاق والتشجيع؛ لأنها تعرف كيف تحيي زهرات الأدب وتبعث نشاط الأدباء..

 

 

إلى: مدام طه حسين.. نرفع حديث القصر المسحور.

توفيق الحكيم وطه حسين – سالنش 1936).

 

بهذا الإهداء الغامض العذب بدأ توفيق الحكيم وطه حسين، روايتهما المسرحية وعملهما الأدبي المشترك. ليشُد هذا الإهداء القارئ نحو عوالم سحرية وخيالية رائقة، ويجذبه نحو طرق الأبواب المغلقة والقصور المسحورة، على أمل التعرف عمّا وراء الأبواب وفي أروقة القصور، والاقتراب من ساكنيها.

 

شهر زاد الحكيم..

في مسرحيته الشهيرة “شهر زاد” والتي تُعد ثاني أضخم عمل أدبي مسرحي له وواحدة من أشهر أعماله، تعرّض توفيق الحكيم لأسطورة شهر زاد المأخوذة عن كتاب “ألف ليلة وليلة”، ليتجول عبر سطوره في مكنونات النفس البشرية، ويبحث في مضامين الأفعال والأحكام التي يقدمها الإنسان، ويتأمل بكل دقة العقل البشري، حيث حملت مسرحية “شهر زاد” عمقًا فكريًا أكثر من الأفكار غير الاعتيادية التي حملتها القصة الواردة في كتاب “ألف ليلة وليلة”.

 

فانطلقت المسرحية من مقصورة “شهر يار”، والمقتبسة حكايته الأصلية من حكاية “ألف ليلة وليلة” ليصوّر لنا “الحكيم” اجتياح الأفكار السيئة وتملّكها من رأس الملك الذي اعتاد على قتل زوجته كل صباح، حتى جاءت “شهر زاد” وابتدعت قصّ حكاية مشوقة ومليئة بالأحداث كل ليلة على الملك شهريار، على أن تترك نهايتها مفتوحة، كي تقي نفسها جز رقبتها كل صباح.

 

لكن الشكوك والظنون لم تترك رأس “شهر يار” ولم تسمح له بالسكينة، فأخذت تعبث بفكره ليل نهار في محاولة للوقوف على منبع هذه الحكايات وأصلها.. خاصة وأن هذه الحكايا تحمل في طياتها حكمة من عاشر الحياة منذ بدء الخليقة وخاض التجارب كلها، وجرّب الملذات وعرف كل الخبايا.

 

وحين ازداد قلقه وتكالبت الأفكار عليه وتزايدت حيرته، لجأ “شهر يار” إلى السحر والعرافة وولج طُرق الكهانة لكي يعرف من أين لـ “شهر زاد” بهذه الحكايا. ولمّا لم يصل لشيء، قرر أن يخرج في رحلة يجوب فيها أسفار الشرق والغرب، علّه يحصل بنفسه على الجواب.

 

لكن “الحكيم” كشف لنا في نهاية مسرحيته أن سفر “شهر يار” لم يكن في حقيقة الأمر إلا محض خيال، وأنه حين يأس من الوصول إلى جواب أقنع نفسه بحقيقة حاول أن يرضى بها ؛ وهي أن “شهر زاد” لابد وأن تكون كبنات جنسها، خائنة مخادعة. لكنه لم يأمر بقتلها، إذ لا جدوى من ذلك، لينتهي به الأمر وقد رحل مُخلّفًا وراءه لغزا كبير.. دون أن يعرف أحد أين ذهب الملك وهل حقا قتل نفسه.

 

ليأتي هذا الكتاب الذي بين أيدينا، بعد عامين من صدور مسرحية “شهر زاد”، لتكون شِبه محاكمة نقدية من “الحكيم” و”حسين” لمسرحية “شهر زاد” التي انتشرت واشتُهرت وتُرجمت للغات عديدة.

 

شهر زاد تبحث لنفسها عن أنيس وسمير..

في هذه الرواية المسرحية، يبث طه حسين وتوفيق الحكيم الروح في “شهر زاد”. لتعترف أنها ضجرة تريد لشخص ما أن يُسامرها ويروّح عنها، ويفعل لها ما فعلت هي طوال سنوات عديدة مع الملك الجاهل الغشوم “شهر يار”.

 

فتبدأ القصة الفانتازية في فرنسا.. عندما ذهب “حسين” و”الحكيم” ليصطافا ويستكينا بعيدًا عن أية التزامات أدبية أو عملية، ليصل فجأة إلى “حسين” خطاب شبه سحري، يحمله رسول له ملامح عراقية، تطلب فيه “شهر زاد” لقاؤه. فيذهب “طه حسين” إليها مأسورًا بسحر الرحلة والتجلّي، فتحكي له ضجرها واحتياجها لأنيس وسمير . لكن “حسين” الذي جاء إلى جبال الألب ليأنس بـ “المتنبي” ويسبر أغوار أبياته ويتيه في بحوره.. يُحيلها بمكر ودهاء بالغين إلى “توفيق الحكيم” رفيق رحلة الصيف إل فرنسا. وقد كانت مسرحية “الحكيم”، “شهر زاد” آنذاك في أوج انتشارها وتألقها فتُقرر “شهر زاد” أن تخطف “الحكيم” ليكون أنيسها في ليالي الضجر.

 

خطابات “طه حسين” وحوار “توفيق الحكيم”..

اعتمدت الرواية على أسلوب “طه حسين” السردي في الفقرات الطويلة التي اشتملت عليها مراسلاته مع “شهر زاد”، في حين تألق “الحكيم” بأسلوبه المسرحي في الحوار الذي دار بينه وبين “شهر زاد” طوال الرواية، مما يجعل القارئ حاضر مع ثلاثتهما، يقرأ ويسمع ويري ويستمتع.

 

أكثر ما ميّز العمل بالإضافة للفانتازيا، كان اللغة القوية والأسلوب البليغ الذي يملكه كلا الأديبين، كما حفلت الرواية بنقد بنّاء وجهه الأديبان لأفكارهم وشخوص أعمالهم، وعرضوا فكرة تقبل المجتمع والنقاد لما قدّموا. كما تم استخدام الإسقاط في جعل الزمن قاضي يتحكم في البشرية عندما لجأ إليه “طه حسين” لكي يدافع عنهم. ثم تجلّت شفقة الزمن بهم على عكس الناس، حين دافع الزمن عنهما بالفعل، الأمر الذي يوضح مدى العمق الفكري الذي ساقه الأديبين في العمل، برغم بساطته الشديدة وفكرته التي قد تبدو خفيفة.

 

والرواية المسرحية، برغم ما تحويه من فكر وفلسفة، إلا أن روح المداعبة طغت عليها، لتبدو كمباراة فكرية أو سجال فلسفي مبسط بين عملاقين من عمالقة الفكر والفلسفة في هذا الوقت. حيث ظهر ” طه حسين” على أنه العقل المنظم الهادئ المتحكم بمجريات الأمور في حين ظهر توفيق الحكيم في صورة ذي العقل الساذج، وإن كانت سذاجته عاقلة.

 

بقى أن نقول إن ظهور شخصيات أعمال الأديبين خلال أحداث الرواية كان أمرًا مقصودًا أظن أن الكاتبين فطنا له كي يُسهل تحويل هذا النتاج الأدبي لعمل على خشبة المسرح، الأمر الذي أظن أنه كان ليكون ناجحًا جدا، سواء في حينها أو الآن.

 

وتجدر الإشارة إلى أن “محمد أبو العلا السلاموني” قام بمعالجة الرواية الأصلية، معالجة درامية برؤية مسرحية، وتم نشرها من خلال “الهيئة العامة لقصور الثقافة” المصرية.



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.