تحاليل سياسية

الأربعاء,3 يونيو, 2015
قصر النهضة و بئرها و “إبل منصر”

الشاهد_عندما يستلبس القلم، تبدأ معاناة صاحبه و عندما ينطلق فإنّ المداخل تتعدّد و لكنّه قد إتّخذ سبيله و مضى، بهكذا إحساس يمكن الولوج إلى النصوص شكلا و مضمونا لغايتين تستهدف الأولى التفكيك و الثانية الفهم و لئن كان المختصون في تحليل النصوص على كثرتهم لا ينظقون كثيرا خارج فصول تدريسهم فإنّ بعضهم قد يحشر نفسه في مواضع تكون بمثابت إصدار الحكم النافذ على نفسه و الإستسلام للردّ بالنصّ الذي ينسف النص.

تحليل النصوص لا يقبل العاطفة و لا الغريزة و لا حتى الإيديولوجية و الإنتماء السياسي لأنها إن حضرت غيّبت الموضوعيّة و الدقّة أو أننا في هذه الحالة لا نتحدّث عن علم قائم بذاته فالتفكيك لا يكون في مستوى التأويل بل في مستوى المعاجم و المصطلحات و بعدها تأتي الأفكار المشتقة منها ضمن سياقات الورود المختلفة و بالنهاية يجمع النص ما فيه و ما ليس فيه من ما يحتمل و ما لا يحتمل عندما يدفن بين يدي “كهنة معابد” محترفون في “جرّ القلم” و إستنطاق اللغة، هكذا هي حال أستاذ الحضارة بالجامعة التونسيّة الهذيلي منصر الذي تخصّص في تحليل النصوص مع نزعة واضحة من خلال ما يخط إلى التركيز على بعض نصوص الهيمنة تفكيكا و إستجماعا للإستنتاجات و لكنّه بمجرّد أن حضرت عاطفته طفق يحمل النصوص ما لا طاقة لها به حتّى صار هو نفسه بنصّه ناشرا للهيمنة بشكل آخر.


الخطابات المشتقّة من خطابات “المنافسين” أو “الأعداء” المفترضين أو المتخيّلين هو إنتاج لنفس الممارسة فإذا أجرم الأول أجرم الثاني ضرورة بل لعلّ الإستدراج إلى ذلك المربع مخطط له فالأستاذ الهذيلي منصر في إستقراءه لنص تصريح زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي الذي أورد فيه موقفه من حملة “وينو البترول” التي غزت شبكات التواصل الإجتماعي قد أراد الإعتصام بقصره بعيدا عن بئرا يخيّل له أن حركة النهضة بصدد حفرها له و لتيار سياسي هو جزء منه فأثبت أنّه ضيّع القصر و سقط في بئر الأوهام و العواطف الجيّاشة التي أفقدته كياسة “أهل الحكمة” و ألبسته شراسة “جوقات المضاددة” بعلم منه مسبقا أو بغير علم فالأمر لا يفرق إلتزاما بالقوف على النص دون المرور إلى الحيثيات الأخرى.


لا يتوانى بعضهم ما إن تسمح الفرصة في محاولة إصطناع الحكمة و الذكاء الخارق دونما إحترام لعقله و لعقول غيره و هو لا يفعل سوى إخراج الصراع الدائر في داخله بين موقفين من كلّ موضوع فأظهر هذه المرّة “محامي الشيطان المؤدلج” و قتل “دارس النص الهادئ و الرصين” و لا تقبل اللغة تعسفا لكنها لا تردّ على فاعله و لكنّ العقول مهما علت تفكيرا و تنظيرا تبقى في حاجة إلى ما سبقتها إليه عقول أخرى و مفتوحة لا تكتمل نصوصها إلاّ بما تورده حولها نصوص اللاّحقين.
هي من المجاز حتما و لكن يقول العرب القدامى أن راعي الإبل لا يحتاج إلى جهدا كبير فهي لا تفترق عن بعضها و لا تغادره و مع ذلك تجده إن ضيّع المعرفة بالإبل شاقيا و هو يسوسها كذلك هي النصوص فمن لا يعرف أن يركب بحرها شقى من الركوب فكان نزوله سقوطا مدويا.

 

 

مجول بن علي