أهم المقالات في الشاهد - فن - فيديو

الأربعاء,19 أغسطس, 2015

قصة انضمام المراهقات البريطانيات الثلاث لداعش تثبت براعة التنظيم في جذب النساء

في الليلة التي سبقت هرب خديجة سلطانة إلى سوريا، كانت كأي مراهقة أخرى في سنها، ترقص مساء يوم الاثنين خلال العطلة المدرسية في فبراير مع ابنة أختها، وصديقتها المقربة التي تبلغ من العمر 13 عامًا، أصغر منها بثلاث سنوات فقط، والتي حضرت لتقضي معها الليلة، ارتدت الفتاتان منامتين متطابقتين، وقضيتا ليلتهما في الضحك والمرح.

في وقت النوم، تركت خديجة غرفتها لابنة أختها، وتقاسمت السرير مع والدتها، كانت ابنة مطيعة مخلصة، خاصة بعد وفاة والدها.

على هاتف ابنة أختها، مقطع فيديو مرح لخديجة في غرفة نومها في آخر يوم يجمعهما سويًا، يوم 16 فيفري، والذى تشاهده العائلة عشرات المرات في اليوم الواحد منذ رحيلها، ليتذكروا الفتاة التي ظنوا أنهم يعرفونها جيدًا، ببهجتها، وضحكها ورقتها.

كما اتضح فيما بعد، كانت هذه طريقة الفتاة في توديع صديقتها وعائلتها، بعد أن أمضت شهورًا طويلة في التخطيط المنهجي؛ للهرب من منزل طفولتها في بيثنال جرين، شرق لندن، مع اثنتين من زميلات الدراسة، واتباع طريق صديقة أخرى كانت بالفعل قد غادرت إلى الأراضي التي تسيطر عليها الدولة الإسلامية.

إلا أنه في تلك الليلة، أدركت الأسرة إن ثمة شيئًا ما خطأ. فخديجة أخبرتهم بأنها لن تتأخر عن الساعة الخامسة والنصف، لكنها لم تعد حتى المساء، طلبت والدتها من أختها حليمة خانوم أن تراسلها على الهاتف، لكن لم يكن هناك أي رد، بعدها قادت حليمة سيارتها إلى مكتبة المدرسة؛ للبحث عن شقيقتها، لكن الموظف هناك أخبرها بأنه لم ير أي طالب اليوم.

عندما عادت حليمة إلى المنزل، أخبرتها والدتها بأن خزانة أختها فارغة سوى من بعض القطع المرتبة استراتيجيًا لتخفي فراغها، “عندها أصابنا الهلع” تقول السيدة خانوم في مقابلة أُجريت معها مؤخرًا في منزل العائلة، “لابد أنها نقلت حاجياتها تباعًا، وحزمتها في مكان آخر” تضيف.

في وقت مبكر من صباح اليوم التالي، أبلغت العائلة الشرطة عن اختفاء طفلتهم، بعد ساعة، طرق ثلاثة ضباط من فرقة مكافحة الإرهاب بشرطة العاصمة الباب، وأبلغوا الأسرة بأخبار سيئة، “نعتقد أن ابنتك سافرت إلى تركيا برفقة اثنتين من صديقاتها” قال الضابط.

“حتى ذلك الحين، لم تكن سوريا قد وردت حتى في بالي” تقول السيدة خانوم.

بعدها، لم تر أختها سوى في نشرات الأخبار، أظهرت الكاميرات الأمنية خديجة، واثنتين من صديقاتها اللاتي يبلغن من العمر 15 عامًا، شيماء بيجوم وأميرة عباس، وهن يعبرن بهدوء بوابة الأمن في مطار جاتويط، في طريقهن لرحلة الخطوط الجوية التركية رقم 1966 إلى إسطنبول، لينتقلن في وقت لاحق عبر الحافلة إلى الحدود السورية.

“فقط عندما رأيت هذا الفيديو.. فهمت”، تقول السيدة خانوم.

هذه الصورة حولت الفتيات الثلاثة إلى وجوه معروفة، بعدما تصدرت الأخبار لتعلن عن ظاهرة مقلقة جديدة: جذب الشابات إلى ما سماه العلماء، ثقافة الجهاد، وشعور الفتيات بقوتهن، فوفقًا لتقرير صدر مؤخرًا عن معهد الحوار الاستراتيجي، سافر نحو 4000 غربي إلى سوريا والعراق، من ضمنهم أكثر من 550 من النساء والفتيات؛ للانضمام إلى الدولة الإسلامية.

الرجال يودّون أن يصبحوا مقاتلين مثل الكثير من الأجيال السابقة من الجهاديين الذين سعوا إلى ساحات القتال في البوسنة، وأفغانستان، والعراق. ولكن كما هو معروف عن المرأة الغربية في الدولة الإسلامية. فهي لا تشارك في القتال، لكنها تدعم جهود بناء الجماعة كزوجات وأمهات، وموظفات وأحيانًا مشجعات على العنف، وناشرات دعاية للجهاديين على الإنترنت.

العديدات يكن عادة عازبات وصغيرات، أصغر من 20 عامًا في أغلب الأحيان، (الأصغر كانت في عمر الثالثة عشر)، تختلف شخصياتهن من حيث الخلفية الاجتماعية، والاقتصادية والعرقية والجنسية، ولكن في كثير من الأحيان هن أكثر تعليمًا، والتزامًا من نظرائهن الرجال. يقول مسؤولون أمنيون، إن سفر النساء قد يشكل تهديدًا للغرب مثل سفر الرجال، فهن أقل عرضة للقتل، وأكثر عرضة لفقدان الزوج، لذا فسيصبحن راغبات في العودة إلى وطنهن، والانتقام بدافع المرارة.

واحدة من كل أربع نساء في معهد قاعدة الحوار الاستراتيجي أرملة بالفعل. ولكن رغم أن المرأة ذخر استراتيجي بالنسبة للدولة الإسلامية، فإنهم نادرًا ما فكروا فيهن كوسيلة للإرهاب الغربي.

فتيات بيثنال جرين المراهقات النحال مع ابتسامتهن الدائمة، ولهجتهن اللندنية، كنّ محل الإشادة من المعلمين، والإعجاب من الزملاء في الأكاديمية.

خديجة، بشعرها الطويل بلون الشيكولاتة ونظاراتها السميكة، كانت تعتبر واحدة من الطالبات الواعدات بالمدرسة، كما جاء في خطاب تقييمها قبل أسابيع فقط من مغادرتها.. في غرفة نومها، كانت تحتفظ برواية أهداها لها أحد معلميها مع إهداء كُتب فيه بتاريخ جانفي 2015 “مجهود رائع ومتفانٍ في دراسة اللغة الإنجليزية”، كما كانت تدرس في وقت فراغها أكثر كثيرًا من باقي أقرانها.

صديقتها أميرة، كانت بطلة رياضية ومتحدثة رائعة، ذات مرة ناقشت حقوق المرأة المسلمة في ارتداء الحجاب، كما كنت متواجدة دومًا في المكتبة المحلية للقراءة بنهم،(بعد اختفائها، ذهبت الشرطة لفحص قائمة الكتب التي اقترضتها سابقًا، لتلاحظ عنوان رواية باسم “المتمردون” التي دقت أجراس الخطر في عقل الضابط، قبل أن يكتشف أنها جزء من ثلاثية ديستوبيا بائسة يحبها المراهقون صادرة من شيكاغو).

“كن فتيات شعبيات، تحلم باقي الفتيات أن يصبحن مثلهن” تقول زميلة لهن في الصف.

لعل هذا هو سبب فشل الجميع في ملاحظة العلامات التي تُنبئ بتحولهن المُظلم، أما الذين لاحظوا سلوكهن المتغير، فقد أعزوه حتمًا إلى نزوات المراهقة، كما فشل أعضاء هيئة التدريس، الذين لاحظوا التدهور في واجباتهن المدرسية، في القيام بواجبهم وإبلاغ الوالدين أو التدخل؛ حتى الشرطة التي تحدثت للفتيات مرتين حول صديقتهن التي سافرت إلى سوريا، فشلت في متابعة الأمر، والاهتمام به، كما أنهن لم يبلغن عائلاتهن بهذا الأمر الجليل.

الفتيات الذكيات الشعبيات كن في عالم مختلف عن عالم المراهقين التقليدي، فيه يعتبر التدين المتطرف هو الطريقة الوحيدة للتمرد، وكأن الإسلام يماثل ثقافة الـ Punk لدى المراهقين الآخرين، الحجاب هو تعريفهن للحرية، واللحية هي علامة الوسامة.

إذا سألت الشابات المسلمات في هذا الحيّ عن الرجال الأكثر شعبية في المدرسة هذه الأيام، فستخبرنك: الإخوة الذين يصلون.

“كانت الفتيات يفضلن الشباب الوسيم، أما اليوم فهن يردن الإخوة المتدينين” قالت زهرة قادر، التي تعمل في مؤسسة التغيير الخيرية شرق لندن: “هذه موضة جديدة سائدة اليوم، حتى بين الفتيات المسلمات غير المتدينات”.

الصفوف الخلفية من المجمعات السكنية في الشارع الرئيس بيثنال جرين، هي موطن جالية مسلمة محافظة، حيث تذوب الخطوط الفاصلة بين الدين والتطرف، في هذا المجتمع، التحديات اليومية التي تواجهها الفتيات تبدو مختلفة جدًا عن تلك التي يواجهها نظرائهن من الرجال.

الدولة الإسلامية تلعب برغبات هؤلاء الفتيات، تضغط على نقاط ضعفهن، إحباطاتهن وأحلامهن، تملأ الفراغ الذي يعشن فيه، والذي فشل الغرب حتى اليوم في ملئه.

في بريطانيا ما بعد 11 سبتمبر، اجتاحت أزمة عميقة للهوية والقيم البلاد، كانت هذه الأزمة أكثر صعوبة على الفتيات المسلمات من الفتيان، فمع تزايد العداء تجاه الإسلام، كانت نظرة المجتمع للمرأة المحجبة مريبة وسيئة، الفتيات اللاتي تربين في مجتمعات غربية أعتقد الآباء أنها تكفل لأطفالهم الحرية والفرص، نشأن وهن يتابعن الموضات الغربية التي تقنع الفتيات بأنهن مجرد أدوات للجنس، في الوقت نفسه تتعامل فيه الحركات النسوية الغربية مع الحجاب على أنه رمز للقمع.

وردًا عن سؤال أسرهن خلال مكالمات هاتفية متفرقة ورسائل متبادلة عبر منصات وسائل الإعلام الاجتماعية ، لماذا هربتن؟ تحدثت الفتيات عن رغبتهن في هجر هذا المجتمع غيرالأخلاقي، والبحث عن عالم فاضل، متدين وله معنى، في تغريدة لها على تويتر قبل تسعة أيام من هربها، كتبت أميرة : ” أشعر كأنني لا أنتمي إلى هذا العصر”.

الفتيات المسلمات يتفوقن عمومًا على الأولاد في المدرسة، أما في المنزل، فتبقين في مرتبة ثانية، وكأنهن عبء على العائلة، وعادة ما يتزوجن في سن المراهقة، مثل السيدة خانوم أخت خديجة، التي تبلغ من العمر اليوم 32 سنة، وتزوجت في سن السابعة عشر زواجًا تقليديًا مرتبًا، كانت وقتها أكبر من عمر خديجة الحالي بعام واحد فقط، كما يرتدين جميعًا الحجاب منذ سن صغيرة جدًا. ليُعرفن بأنهن مسلمات في شوارع غالبًا ما تكون معادية لهن.

“في عالمهن”.. السفر والانضمام إلى ما يُسمى الخلافة الإسلامية، وسيلة الفتيات الوحيدة للتحكم في مصيرهن” يقول تسنيم أكونجي محامي عائلات الفتيات الثلاثة في هذه القضية.

“الأمر كله يتعلق بحرية الاختيار، الحق الإنساني الأهم” يضيف السيد أكونجي، هؤلاء الفتيات ذكيات جدًا، وعندما تكون ذكيًا، تشعر كأنك تستطيع فعل أي شيء”.

منذ أن تركن منازلهن، وعائلاتهن تحاول جمع الصورة كاملة، وتذكر تصرفاتهن السابقة التي كانت تدل فعلاً على مزيج من سذاجة الشباب، والتصميم على نيتهن.

“مثلاً أميرة، صديقة خديجة، كانت شغوفة بفكرة الوقوع في الحب، ذات يوم نشرت صورة لزوجين مسلمين، وكتبت عليها الآية الكريمة: “ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا”.

لكن خديجة على النقيض من ذلك، أخبرت أختها على إنستجرام بعد أن وصلت سوريا :”لست هنا لأتزوج فقط”.

لقد أثبتت الدولة الإسلامية براعتها في جذب مختلف النساء، باستخدام استراتيجيات موظفة بعناية تداعب أحلامهن، الإقناع عبر الفتيات الأخريات، وترك الملحوظات الجذابة حول كل ما يهمهن.

كمسلمات، يتم التعامل مع الفتيات بطريقة مختلفة جدًا عن النساء والفتيات من الأقلية اليزيدية، اللاتي اتخذتهن الدولة الإسلامية كإماء، وسبايا باعتبارهن كافرات.

فمثلاً تدير داعش “مكتب الزواج” للمرأة الغربية، هذا العام، ونشر الجناح الإعلامي لفرقة الخنساء، وهي ميليشيا أخلاقية كلها من الإناث، بيانًا ينص على أن المرأة تتم تعليمها الرسمي في سن الخامسة عشر، وأنها يمكن أن تتزوج في سن التاسعة، ولكنه ينص أيضًا على أن أهميتها “مقدسة” في الدولة الإسلامية.

أبو بكر البغدادي، الذي نصب نفسه خليفة على الدولة الإسلامية، اتخذ لنفسه زوجة ثالثة ألمانية من أصل عراقي، وجعلها المسؤولة عن قضايا المرأة في الخلافة، وفقًا للمعلومات المتداولة على المنصات الاجتماعية للدولة الإسلامية، ووسائل إعلامها.

وقد سمحت وسائل الإعلام الاجتماعية لأتباع الجماعة استهداف الشابات مباشرة، والوصول إليهن في غرف نومهن، مع دعاية تقترب من ثقافة البوب الغربية، مثل صور الجهاديين الوسيمين وقت الغروب، مع رسائل مبهرة ملهمة، في إعلان أخير تابع لحساب الدولة الإسلامية، تم اقتباس إعلان شهير لماكياج لوريال، ظهرت فيه صورة فتاة جميلة محجبة مع جملة، “محجبة لأنني ذات قيمة”.

“إنها حركة نسوية ملتوية” تقول ساشا هافليتشيك، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لمعهد الحوار الاستراتيجي، التي أدلت بشهادتها حول المرأة الغربية في داعش، أمام لجنة مجلس النواب للشؤون الخارجية في 29 يوليو.

“بالنسبة للفتيات، الانضمام إلى داعش وسيلة لتحرير أنفسهن من الوالدين، ومن المجتمع الغربي الذي خذلهن” تقول السيدة هافليتشيك. “وبالنسبة لداعش، إنه لشيء رائع لمعنويات المقاتلين الذين سيسعدون بزوجات غربيات، وبالنسبة لمعركة الأفكار، فهذا دليل واضح على شعبية داعش، التي تجعل الفتيات يفضلن الخلافة على الغرب”.

الجزء الثاني: رحيل صديق

 

في جانفي 2014، فقدت شارمينا بيجوم (لا تربطها بشيماء علاقة قرابة) أمها بسبب السرطان، وسرعان ما بدأ والدها في التقرب من سيدة أخرى، أصبحت فيما بعد زوجته الثانية.

ولكونها طفلة وحيدة، أصيبت شارمينا بصدمة نفسية، يقول أصدقاؤها إنها لم تكن حتى ذلك الوقت متدينة جدًا، حتى إنها كانت بالكاد تُصلي، أما بعد وفاة والدتها، حافظت شارمينا على الصلاة بانتظام، وقضاء المزيد من الوقت في المسجد.

ولكن كانت هناك علامات عدة على أنها لم تتجه للدين فقط من أجل الراحة، في مدرستها “أكاديمية بيثنال جرين” التي تمولها الدولة، كان معظم الطلبة والمدرسين مسلمين، لكن في العام الماضي، شهدت المدرسة نقاشًا ساخنًا بين شارمينا، ومعلمها، دافعت فيه عن الدولة الإسلامية التي يراها المعلم متطرفة، ويقول الشهود إنها انقلبت عليه بعد نقاشهما الحاد.

صديقاتها المقربات بدأن في التغير أيضًا

توقفت خديجة عن ارتداء السراويل، وبدأت في ارتداء الحجاب بعد العطلة الصيفية، أولاً في المدرسة فقط ثم خارجها أيضًا، كان هذا أمرًا عظيمًا بالنسبة لفتاة تعشق شعرها، وتُعرف في العائلة بحبها لمتابعة الموضة، والأزياء.

ذات يوم خريفي، سألت أخاها الأكبر، شوياب ألوم، وهو طالب علوم يساعدها في أداء واجباتها المدرسية من حين لآخر.. ما هي فكرتك عن الدولة الإسلامية في سوريا؟

“سألتني بشكل عام جدًا عن رأيي فيما يحدث هناك، وأجبتها بما كان يبدو واضحًا حول معارضة معظم الشعب للنظام السوري” يقول السيد ألوم.

في الوقت نفسه تقريبًا، لاحظ أصدقاء آخرون في المدرسة تغيير المحادثات وقت الغداء بين البنات، صديقة لها (تم حجز جواز سفرها منذ ذلك الحين خوفًا من هربها هي الأخرى لسوريا، رغم إنكارها الفكرة) قالت إن تغيير الفتيات كان ملحوظًا جدًا.

عندما تزوج والد شارمينا، رافقتها خديجة لحضور الزفاف، وبعد فترة وجيزة، يوم السبت 6 ديسمبر تحديدًا، اختفت الفتاة تمامًا.

“كانت ضعيفة” يقول السيد أكونجي المحامي، الذي لا يمثل أسرة شارمينا لكنه على دراية تامة بقضيتها، “كانت تعاني من الصدمة، لكنها هربت إلى داعش بدلاً من الحصول على وشم، أو مصادقة تجار المخدرات”.

خديجة لم تخبر عائلتها بأن شارمينا سافرت إلى سوريا “عندما اتصل عضو هيئة التدريس ليخبرنا باختفاء شارمينا، لم يذكر أنها سافرت إلى سوريا” تقول السيدة خانوم.

كانت والدة خديجة تسألها باستمرار إن كانت تملك أي أخبار عن صديقتها، لكنها كانت ترد بعصبية “لا أعرف، لا أعرف”، “كانت غريبة جدًا”، تقول الأم.

أما والد شارمينا، محمد الدين، فشعر بالدهشة من أن الفتيات الثلاثة الأخريات لم يختفين مع ابنته في الوقت نفسه، وفي حوار له مع صحيفة الدايلي ميل، قال إنه حذّر الشرطة، والمدرسة من شيء مماثل، وطالبهن بمراقبة الفتيات الثلاثة عن كثب، لكن الشرطة نفت ذلك.

في ذلك الوقت، اهتم أحد ضباط الشرطة بوضع الفتيات، وحرص على الاتصال بهن بين الحين والآخر، لكنهن كن غير متعاونات، ولم يجبن اتصالاته ولا رسائله، بعدها طلب من المدرسة عقد اجتماع له معهن، ومع أربعة أصدقاء آخرين، وبالفعل اجتمع بهن مرة في حضور نائب المدير، ومرة مع أحد المعلمين، لكن حتى ذلك الحين، لم تخبر الشرطة، ولا المدرسة عائلاتهن بما يجرى -كما صرحت السيدة خانوم.

وردًا على سؤال حول فشل الشرطة في رصد علامات التطرف لدى البنات، حافظ المتحدث باسم شرطة العاصمة على تصريحه السابق بأنه لم يكن ثمة أي مؤشر تطرف خلال المقابلات مع الفتيات.

“لم يكن هناك ما يدل على أن أي من الفتيات يخططن للسفر إلى سوريا”، يقول المتحدث.

يوم 5 فيفري، قدم ضباط الشرطة رسائل إلى الفتيات، للحصول على إذن آبائهن؛ للتحقيق معهن حول اختفاء شارمينا، لكن الفتيات أخفين الرسائل عن عائلاتهن، حتى إن شقيقة خديجة اكتشفت الرسالة مخبأة بين كتبها المدرسية بعد رحيلها.

تقول السيدة خانوم بغضب: عندما رأيت الضابط الذي أعطى خديجة الرسالة، أخبرها بأن الفتاة منحته ردًا مخادعًا، لكنني قلت له، كيف تكون ضابطًا في مكافحة الإرهاب، وتسمح لفتاة تبلغ من العمر 15 عامًا بخداعك؟ كيف حدث ذلك؟

في نهاية المطاف، أصدرت الشرطة اعتذارًا. وقال مفوض شرطة العاصمة، برنارد هوغان-هوي إنه يأسف أن الرسائل لم تجد طريقها أبدًا إلى الوالدين. وأضاف متحدث باسم الشرطة: “سنحاول الاستفادة من تجاربنا السابقة، ونحن نعترف بأننا أخطأنا عندما لم نسلم الرسائل مباشرة للوالدين”.

وفي الوقت الذي أبقت فيه الشرطة والمدرسة خبر هرب شارمينا إلى سوريا سريًا للغاية، بدأت صديقاتها في التخطيط للحاق بها.

الجزء الثالث: العلامات الخفية

على صفحة ممزقة من تقويم قديم خطت الفتيات قائمة باحتياجاتهن في رحلتهن: حمالات الصدر، والهاتف المحمول، وجهاز نزع الشعر، والماكياج والملابس النسائية، وأمور أخرى. بجانب كل عنصر، خطت الفتيات التكلفة، بما في ذلك مبلغ 1000 جنيه إسترليني ثمن التذكرة الواحدة إلى تركيا.

في الجزء السفلي من خزانة واحدة من الفتيات، اكتشفت الشرطة قائمة أخرى لفتاة رابعة كانت تخطط للسفر معهن، لكنها انسحبت بعد إصابة والدها بجلطة دماغية. ومنذ ذلك الحين، قام القاضي بمصادرة جواز سفرها مع جوازات سفر ثلاث طالبات أخريات في أكاديمية بيثنال جرين، وجواز سفر فتاة خامسة من الحي.

مثل باقي المراهقات، كانت الفتيات الثلاثة حساسات جدًا للضغوطات المحيطة بهن، أو ما يسميه شيراز ماهر، العضو البارز في المركز الدولي لدراسة التطرف، والعنف السياسي “وضع الكتلة الحرجة” الأمر الذي يجعلهن غير ملاحظات من المدرسة، أو الشرطة.

يقول السيد ماهر: “إذا ذهب عضو واحد من مجموعة الأصدقاء إلى سوريا، فهذا مؤشر كافٍ على أن باقي المجموعة معرضة للذهاب في أي وقت، هذا المؤشر هو الأكثر موثوقية من باقي المتغيرات المتعارف عليها مثل الطبقة أو العرق، أو حتى علامات التدين الزائد”.

وقال السيد أكونجي المحامي: “من الواضح أنه كان هناك اتفاق بين الفتيات منذ ديسمبر على الهرب”.

تخطيط الفتيات لرحلتهن احتل جزءًا كبيرًا من وقتهن، حتى واجباتهن المدرسية التي اعتدن تقديمها كاملة، تأخرت كثيرًا في الأسابيع التي تلت رحيل شارمينا.

“أنا مندهش من عدم ملاحظة المعلمين، والشرطة لذلك” يقول السيد أكونجي، وهو يستعرض دفتر واجباتها، “هذه الفتاة الذكية، صاحبة المستوى الأعلى بكثير من المتوسط، عندما تتدهور واجباتها هكذا، أليس من الطبيعي أن تبلغ المدرسة والديها؟” كان هذا هو السؤال نفسه الذي سألته الشرطة للمدرسة.

تبادلت أميرة وخديجة العديد من الرسائل على الشبكات الاجتماعية، مطلقتين على أنفسهما لقب “التوأم”، وفي رسالة جماعية بينها وبين صديقتين على تويتر، كتبت أميرة في بدايتها الحديث الشريف “إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما”.

هل كانت أميرة قلقة من أن صديقتيها تناقشان فكرة السفر لسوريا من دونها؟ لكنها كانت بالتأكيد الأكثر نشاطًا على الشبكات الاجتماعية، والتي توفر لصديقتيها المعلومات اللازمة حول الفكرة التي تسيطر عليهن.

في منشوراتها على الشبكة الاجتماعية تحت اسم أم عثمان البريطانية، كانت مجرد مراهقة نموذجية أخرى، تتحدث عن الموضة، وفريق كرة القدم المفضل لديها (تشيلسي)، ثم مشاركات متعددة متتالية تستفسر فيها حول طرق تعلم اللغة العربية سريعًا، وأسئلة حول السلوك الإسلامي في عدة مواضيع.

“هل ثقب الأنف حرام أم لا؟” كانت هذه واحدة من المشاركات التي نشرتها أميرة يوم 30 ديسمبر، مع تعليق بكلمة “محتارة” الأمر الذي يدل على تخبطها الديني، وقلة معلوماتها العامة، لكنها بعد أسبوعين كتبت: رسول صلى الله عليه وسلم قال: “لعن الله النامصة والمتنمصة”.

ولكن بعيدًا عن تصورات فتاة منقادة على نحو متزايد لأفكارها المتطرفة، كانت تغريداتها على تويتر مرحة وعادية، تنشر فيها تعبيرات الإيموشن الضاحكة، وصور لفتيات يرتدين العباءة الإسلامية بفخر، وفي يناير، كتبت عن الاغتصاب “سماعي لقصص الأخوات اللاتي يتعرضن للاغتصاب يجعلني على وشك الإصابة بحساسية تجاه الرجال، والله“.وفي الوقت نفسه، لاحظت أسرة خديجة أنها أصبحت “أكثر هدوءًا”.

“كانت تمضي الكثير من الوقت على الآيبود الخاص بها” تقول شقيقتها السيدة خانوم، كان الآيبود نقطة خلاف بين خديجة ووالدتها منذ عام، عندما طلبت الفتاة واحدًا، لكن أمها رفضت تمامًا، لذا تدخلت شقيقتها الكبرى لإقناعها به.

كانت تستقبل الكثير من الصور التي تصور الفظائع ضد أبناء المسلمين، من سوريا إلى ميانمار. والتي ترسلها لها صديقتها أميرة لتعيد نشرها، واحدة من المشاركات لطفل مصاب يبلغ من العمر ثلاث سنوات مع تعليق، هذه الصور دائمًا ما تصيبني بالحزن.

“كل يوم تقريبًا، تظهر لي هذه الصور الرهيبة على الفيس بوك” يقول السيد ألوم شقيق خديجة، “يحتوي الفيس بوك على صفحات ومجموعات وحسابات كلها مخصصة لمثل هذه النوعية من المنشورات، صور فظيعة، ومقاطع فيديو بشعة”.

“هناك الكثير من شباب المسلمين الذين يشعرون بأن الخوف من الإسلام هو شيء شائع جدًا“. يضيف: “بعدها، تأتي إليهم مجموعات تقنعهم بأن هذا ليس موطنهم الحقيقي، هذا ليس هو المكان الذي ينتمون إليه، وهناك فقط سيشعرون باكتمالهم، هذا هو الأمر الرئيس الذي يجذبهم إلى هناك، رغبتهم في الشعور بالانتماء“.

أربعة من كل عشرة سكان -بما في ذلك أسرتا خديجة وشيماء- تعود أصولهم إلى بنجلاديش. (ولدت أميرة في إثيوبيا، وقضت طفولتها المبكرة في ألمانيا قبل أن تنتقل إلى لندن عندما كانت في الحادية عشر)، لقد أصبح التفسير الحرفي المتطرف للإسلام أكثر انتشارًا، جنبًا إلى جنب مع شعور مشترك ممتد على نطاق واسع؛ بأن المسلمين في جميع أنحاء العالم يعانون الظلم من الغرب المتواطئ.

بعدما اختفت الفتيات، تبين أن والد أميرة، حسين عباس، تم تصويره أثناء حضور تجمع للإسلاميين في عام 2012، نظمه أنجم شودري، الواعظ سيء السمعة المحرض على الكراهية، بحضور مايكل أديبولي، وهو واحد من الرجلين اللذين طعنا جنديًا بريطانيًا حتى الموت في شارع من شوارع لندن عام 2013، وفي شريط الفيديو يظهر السيد عباس (الذي ظهر في التلفزيون البريطاني في مارس الماضي ينتحب، وهو محتضن دمية ابنته راجيًا إياها أن تعود إلى المنزل)، وهو ينظر إلى الإسلاميين الذين يهتفون “الله أكبر” أثناء حرقهم للعلم الأميركي في مكان قريب.

كما كان يأخذ أميرة أحيانًا للمسيرات. ومن بين الناس الذين تتابعهم أميرة على تويتر يمكننا تعرف محمد ميزان الرحمن، الذي يملك صلات وثيقة مع السيد خضري. والاثنان متهمان حاليًا بدعم الدولة الإسلامية. لكن السيد عباس لم يوافق على طلبنا بإجراء حوار معه.

“بعض الآباء يساعدون على تهيئة الجو لأطفالهم”، يقول حرس رفيق، العضو المنتدب لمؤسسة كويليام، وهي مركز لأبحاث مكافحة التطرف.

كما أصبحت أميرة أكثر صخبًا على تويتر، باتت خديجة أكثر جدلية في المنزل، كانت توبخ أشقاءها الأكبر سنًا على تصرفاتهم غير الإسلامية في بعض الأحيان، أو تحاول إقناع ابنة أختها بأن تعصي والدتها.

آخر مرة شاهدت فيها السيدة خانوم أختها، كان قبل خمسة أيام من مغادرتها. وكانت ابنة عمها فهميدا عبد العزيز موجودة أيضًا، والتي قالت: “كنا نتقاتل على كيس من البومباي (وجبة هندية تقليدية)، كانت تحبه كثيرًا، يبدو أنها ورثت ذلك عن والدي، لأنه كان يحبه أيضًا”.

كنا جالسين على أريكة في غرفة المعيشة. “ظهرت خديجة في منامتها، وجلست وسطنا تمامًا، ثم طوقتنا بذراعيها” ، تبتسم فهميدا من الذكرى” تعرف.. فقط نظرت إليّ، واحتضنتني“.

في اليوم التالي، طلبت خديجة من ابنة أختها القدوم والبيات معها، لكن السيدة خانوم، والدة الصغيرة، رفضت بدعوى الاستذكار، لكن خديجة ألحت على نحو غير معتاد قائلة ” فقط دعيها تستقل الحافلة وتأتي”.

في الأسبوع ذاته، ناشدت أميرة أصدقاءها على تويتر مغردة بحروف كبيرة، “ادعوا الله أن يرزقني بالجنة، ويجعلني صادقة في عبادتي، وصامدة دومًا“، كما نشرت صورة لثلاث فتيات يرتدين العباءات السوداء من ظهورهن في الحديقة، المفترض أنها لها، ولصديقتيها مع كلمة: “الأخوات”.

الجزء الرابع: الوطن ينادي

 

في 15 فبراير، قبل يومين فقط من سفر الفتيات الثلاثة، أرسلت شيماء رسالة تويتر لواحدة من مجندات الدولة الإسلامية البارزات من غلاسكو، اسمها أقصى محمود.

شيماء أصغر الفتيات الثلاثة، لكنها الأكثر مراوغة، لا أحد يعرف عنها الكثير سوى حبها لمتابعة برنامج الواقع “عائلة كاردشيان”، كما أنها سافرت إلى تركيا بجواز سفر أختها التي تبلغ من العمر 17 عامًا.

السيدة محمود التي تعرف باسم أم ليث على تويتر، نفت تجنيدها للفتيات الثلاثة، لكن محامي عائلات الفتيات تعجب من عدم اهتمام الشرطة برسالة شيماء، رغم مراقبته المستمرة لحساب أم ليث.

عائلة خديجة نفت أن تكون الفتيات الثلاثة قادرات على جمع تكاليف رحلتهن التي تجاوزت الثلاثة آلاف جنيه إسترليني، كما أكدت الشرطة أن تذكرة السفر لتركيا تكلفت أكثر من 1000 جنيه، تم دفعها نقدًا في وكالة محلية للسفر.

وعلى عكس شارمينا التي كانت تملك إرثًا خاصًا من والدتها، لم تملك الفتيات الثلاثة أي مصدر معروف للأموال، مما يثير التساؤلات حول مسألة تجنيدهن، أو حصولهن على مساعدات خارجية.

وكان رئيس مكافحة الإرهاب في شرطة العاصمة، مارك رولي، قد خمن أن الفتيات سرقت تكاليف السفر من عائلاتهن، لكن شقيقة خديجة غضبت جدًا من هذا التصريح، “شعرت بأنني أريد لكمه، هذا كذب صارخ”.

“أخذت خديجة بعض إكسسوارتها العادية، لكنها لم تمس شيئًا ثمينًا، حتى إنها تركت أثمن ممتلكاتها، قلادة سوارفوسكي كانت قد تلقتها كهدية في عيد ميلادها الماضي، لم تلمس المال في حقيبة أختها المتروكة بالممر، ولا الذي في خزانة والدتها“.

لا تزال الشرطة تحاول تحديد ما إذا كانت البنات قد تلقت المساعدة على الإنترنت، أو من أحد المجندين المحليين. والمشكلة، كما يقول المحققون، هي أن السفر إلى منطقة النزاع ليس جريمة في بريطانيا، ولا حتى تشجيع، أو تسهيل السفر إلى منطقة النزاع، ما لم يتم إثبات أن الغرض إرهابي.

“اذا تم تحديد المجند المحلي الذي ساعدهن على الهرب، سيتم توجيه تهمة اختطاف الأطفال له”.. قال ضابط كبير.

في لقطات مهتزة، تم تصويرها على ما يبدو بكاميرا خفية بالقرب من الحدود السورية تابعة لشبكة التلفزيون التركي، تظهر الفتيات جنبًا إلى جنب مع رجل يرتدي قميصًا ثقيلاً، تسرن معه إلى أن يصلوا إلى رجل ملتحٍ يرتدي نظارات طبية، ينقل حقائبهن إلى سيارة أخرى في انتظارهن.

“هذه هي السيارة”، يبدو أن يقول لهن بلغة إنجليزية ركيكة، ثم يأخذ منهن جوازات سفرهن ليُسمح لهن بدخول سوريا.

الفتيات اللاتي وصلن إلى تركيا ليلة الثلاثاء، وأبلغ عن فقدانهن صباح يوم الأربعاء، انتظرن 18 ساعة في محطة للحافلات في ضاحية إسطنبول ليعبرن إلى سوريا يوم الجمعة. لذا تم اتهام الشرطتين التركية والبريطانية بالبطء الشديد في اتخاذ الإجراءات.

في نهاية المطاف، اعتقلت الشرطة التركية رجلاً زعمت أنه يساعد المراهقين على عبور الحدود. وقالت وكالة الأنباء التركية دوغان إن الرجل ساعد عددًا من البريطانيين الآخرين في عبور الحدود إلى سوريا برسوم تصل إلى 1500 دولار.

“هذه ليست عطلة ” يقول السيد أكونجي، “ إنها رحلة معقدة“.

لأنه يعلم ذلك بشكل جيد، كان أول ما فعله السيد أكونجي بعد توليه قضية الفتيات، أن سافر إلى تركيا مع عدد من أقاربهن، ليوجه لهن نداءً بالتواصل معه، نشرت الحملة تحت اسم ‪#‎callhomegirls‬ ، وتمت تغطيتها على نطاق واسع في الصحافة البريطانية.

“حتى أنا احتجت لمساعدين في هذه الرحلة الشاقة” يقول، رغم أنه يعرف تركيا جيدًا، (قام السيد أكونجي مؤخرًا بالتفاوض مع جبهة النصرة؛ لإطلاق سراح فتاة بريطانية رهينة لديهم)، “لا يمكن أن تكون الفتيات قد قطعن هذه الرحلة دون معين.

السيدة خانوم شقيقة خديجة، كانت من بين الذين سافروا إلى تركيا مع المحامي، ” لقد كنا نحاول تتبع خطواتهن“، وعندما وصلنا، اكتشفنا أن هناك 53 امرأة، وفتاة أخرى غادرن بريطانيا إلى سوريا.

“ثلاث وخمسون!“، قالت السيدة خانوم. “أين كل هؤلاء الفتيات؟“.

الجزء الخامس: التواصل الأول

 

في صباح اليوم التالي عاد أفراد هذه الأسر إلى لندن، لتجد السيدة خانوم رسالة في انتظارها على إنستجرام، تبلغها بقبول شقيقتها طلبها لمتابعتها على حسابها.

أرسلت السيدة خانوم رسالة إلى شقيقتها تسألها إن كانت آمنة؟ أجابت عليها خديجة بنعم.. وسألتها عن والدتها.

-“إنها على سجادة الصلاة تسأل الله أن يساعدها فى العثور عليك،” كتبت السيدة خانوم.

-“سأتصل بها قريبًا“، أجابت خديجة.

-“لم تذق الطعام، أو النوم منذ رحلت” كتبت شقيقتها.

-“قولي لها أن تأكل“.

-“تسألك..ألا ترغبين في رؤيتها بعد اليوم؟”

-“بالطبع أرغب“

ولكن خديجة بدت غريبة جدًا، مما جعل السيدة خانوم تتساءل، هل هذه هي حقًا أختي؟ تقول: “كانت طريقتها في طرح الأسئلة حول ما حدث في تركيا، سؤالها لماذا سافرت؟ شعرت.. لماذا تسألني هذه الأسئلة؟

لذا جربت السيدة خانوم اختبارها، فسألتها:”من هو إصبع القدم الكبير؟” أرسلت خديجة ضحكة، وأجابت:”ابن عمنا“.

“للحظة شعرت وكأنها معي في نفس المدينة، شعرت كأنها لم ترحل قط“.

طلبت منها أن تبقى على اتصال، وعدتها خديجة بأنها ستفعل، لكنها أصرت على أنها هي من ستبدأ دومًا في الحديث، “أعتقد أنها لا تملك كامل الحرية هناك” تقول خانوم.

في اليوم التالي، بعثت خديجة برسالة أخرى..

-“سألتها: هل تزوجت؟” ردت: “أنت تعرفينني جيدًا، لست هنا لأتزوج فقط.. لكني أدرس الأمر”.

سألتها السيدة خانوم “ماذا تقصدين بكلمة أدرس الأمر؟”

-“أدرس أمر الزواج”، جاء الرد.

-“متى؟”

-“قريبًا”.

من هذه الأحاديث، وأوصاف الطعام الذي تتناوله مثل الدجاج المقلي، البطاطس المقلية والبيتزا، خمنت العائلات والسلطات أن الفتيات الثلاثة في الرقة، العاصمة الفعلية للدولة الإسلامية، يعشن في بيت للنساء العازبات، مثلما قالت خديجة إنها تعيش في منزل جميل بثريات.

طلبت منها السيدة خانوم أن تعود للوطن، وأكدت لها أن الشرطة قالت إنها لن تواجه أي مشاكل إن عادت.

“إنهم يكذبون” قالت خديجة لأختها.

6

الجزء السادس: لا طريق للعودة؟

أكاديمية بيثنال جرين، مدرسة جديرة بالاحترام على مستوى التعليم، لكنها الآن سيئة السمعة، بعد التحاق أربع من طالباتها بالدولة الإسلامية، هذه القصة التي يشيرون إليها داخل أروقة المدرسة بكلمة “الحادث”.

في الأسبوع الذي هربت فيه الفتيات، أمر مدير المدرسة “مارك كيري” الطلبة بالتجمع ليخبرهم بالأمر، شعر الطلاب بالحزن، حتى إن بعض المعلمين قد بكوا، لكن سرعان ما أعلمهم المدير بأن هذا الأمر بات محظورًا في المدرسة، لن تتم مناقشة رحيل الفتيات علنًا بعد اليوم، “الحياة تستمر” كما قال.

“قام المدير بتجاوز الأمر سريعًا” تقول طالبة من اللائي حضرن التجمع، “يبدو أنه هدد المعلمين بالفصل إن تحدثوا حول هذا الأمر مرة أخرى” كما رفض السيد كيري التعليق.

بعد أسبوعين من اختفاء الفتيات، رن جرس الهاتف في خط مساعدة مؤسسة “التغيير النشط” Active Change، التي تعمل على مكافحة التطرف.

كان على الهاتف والد طالبة في أكاديمية بيثنال جرين، سمع ابنته تتحدث مع مجموعة من الفتيات على الغداء حول فكرة الذهاب إلى سوريا، وقال، يبدو أنها كانت على اتصال بالفتيات الهاربات، وكانت تخطط مع صديقاتها للانضمام إليهن خلال عطلة عيد الفصح.

حنيف قادر، مدير المؤسسة الخيرية، سارع فورًا إلى إبلاغ السلطات، والمجلس المحلي، وفي 20 مارس، أمر القاضي بحجز جوازات سفر الفتيات.

كان هذا مؤشرًا مبكرًا على أن خديجة وشيماء وأميرة قد استقرن في الرقة.

منذ ذلك الحين، تزوجت الفتيات الثلاثة، كما أكد المحامي لأسرهن. سمح لهن بالاختيار بين عدد من الرجال الغربيين، تزوجت أميرة عبدلله المير، وهو جزار سابق من أستراليا، والذي ظهر في عدة مقاطع فيديو لداعش، اسمه الحركي زنجبيل؛ بسبب شعره الأحمر. كما تزوجت الفتاتان الأخرتان مجاهدين أحدهما كندي، وآخر أوروبي.

انتقلت الثلاث فتيات من النزل للعيش مع أزواجهن. ولا يزلن على اتصال متقطع بعائلاتهن، أحاديثهن تعطي الانطباع بشعورهن بقليل من الندم على ترك الحياة في لندن، لكنها أحاديث متقطعة؛ بسبب التقلبات الجوية، وانقطاع الكهرباء المتكرر.

أخبرت خديجة أختها بأنها لا تزال ترغب في أن تصبح طبيبة، كما أخبرتها بأن هناك مدرسة طبية في الرقة، تحمل شعار الخدمات الصحية الإسلامية الأزرق والأبيض؛ الذي يماثل شعار الخدمات الصحية الوطنية في بريطانيا.

في مقابلة على تويتر مع مراسلة صحفية بريطانية متنكرة في هيئة تلميذة مهتمة بالسفر إلى سوريا، منحتها أميرة العديد من الإرشادات التي تبعتها هي في رحلتها، فنصحتها بإخبار والديها أنها تريد آخذ دروس إضافية؛ لتتمكن من الهرب، ثم الطيران إلى تركيا، ومنها، تستطيع آخذ حافلة إلى غازي عنتاب، حيث يمكن تهريبها عبر الحدود. وأوصتها بوكالة سفريات في بريك لين، على مسافة قصيرة من أكاديمية بيثنال جرين، التي من شأنها أن تقبل ثمن التذكرة نقدًا دون طرح أي سؤال، واقترحت عليها حزم الكثير من حمالات الصدر؛ لأنهن “يملكن أسوأ حمالات صدر هناك”.

وسألتها أيضًا إذا كانت تقبل أن تكون زوجة ثانية لمجاهد لبناني إسترالي؟ فيما بدا وكأنها ترشح لها زوجها نفسه.. كما سخرت معها من الضحايا البريطانين الذين لقوا حتفهم في حادث تونس الأخير على يد داعش.. مرسلة العديد من الضحكات المكتوبة.

الأمر يزداد صعوبة في معرفة ما إذا كان الفتيات هن اللاتي يتواصلن بأنفسهن، خاصة أن محادثاتهن تمتلئ بالعبارات الدعائية لداعش.

“هل تم تلقينهم هذه الطريقة في الحوار، أم أن هناك أشخاصًا يقفون إلى جوارهن؟” سأل السيد أكونجي،”لكنهن لسن نفس الفتيات اللاتي عشن في لندن، وكيف يمكن أن يكن؟“.

وهي تقف في غرفة أختها، تذكرت السيدة خانوم شقيقتها الصغيرة التي شاهدت فيلم”يوميات الأميرة” أربع مرات على الأقل، والتي كانت تعشق رقص الزومبا في غرفة المعيشة.

غرفتها كما هي دون تغيير. لا تزال العطور والإكسسوارات الخاصة بها على التسريحة الصغيرة. لا يزال جدول الامتحانات ملتصقًا بباب الخزانة، الرياضيات والإحصاء والتاريخ، واللغة الإنجليزية. آخر وشاح تركته على الفراش قبل مغادرتها، مطوى بعناية على الرف، لا يزال يحمل رائحتها العزيزة.

هناك إطارات مليئة بالصور لإخواتها، وكذلك ابنة أختها التي لا تزال تعاني من الاكتئاب بسبب رحيلها.

“خاليومي تفتقدها بشكل رهيب” تقول السيدة خانوم عن ابنتها “في بعض الأحيان تغضب جدًا، وفي بعض الأحيان تفكر أنها كان عليها منعها من المغادرة هذا الصباح“.

“أنا لا أريد أن أقول إنها باتت مجرد ذكرى اليوم.. لأن…“، تقول السيدة خانوم، وهي تسافر بعينيها في الغرفة “أعلم أنها أصبحت مجرد ذكرى.. ولكن ليس كما لو .. مثل..” يتحشرج صوتها من جديد.

“أشعر بأنها ستعود إلينا.. أتمنى أن تعود، وأن تعود معها حياتنا إلى وضعها الطبيعي.. فقط.. أتمنى..“

نيويورك تايمز



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.