الرئيسية الأولى - ملف الشاهد

الأربعاء,6 يناير, 2016
قرارات سيتمخض عنها مؤتمر النهضة ..

الشاهد _ رغم انها تخففت من محنة السجون والمتابعات وخرجت لتوها من سلطة ثم عادت تمارسها ولو بأشكال خافتة ورمزية إلا أن حركة النهضة ستجد نفسها خلال مؤتمرها القادم في محطة تاريخية إستثنائية ربما هي الاأدق منذ بيانها التأسيسي ، ذلك أنها ستطرح على نفسها ولأول مرة وبشكل ملح فكرة التخصص أو ما يطلق عليه فك الإرتباط بين السياسي والدعوي ، وهي عملية لا تبدو معقدة لذاتها وإنما تلوح يكتنفها الإحراج التربوي وتحتنكها المحاذير التنظيمية وتكسوها مسحة من الحزن الأشبه بحسرة الأم التي تتخلى عن بكرها لفاتنة عذراء تحت إكراه السُنن ونزولا عند شروط التداول الطبيعي بين حضن الأم الدافئ الحاني وحضن الزوجة المفعم بالعشق المشدود بالغريزة الممسك بفضيلة التناسل والإعمار.

 

من خلال المساجلات بين أبناء الجسم النهضاوي وانطلاقا من الإشارات التي يطلقها صناع القرار داخل الحركة ذات الثقل المركزي في المشهد السياسي التونسي ، يبدو أن المسألة السياسية تحوز على شبه إجماع لدى طيف واسع من مناضلي النهضة ، ولا نر من خلافات جوهرية حول الإجتهادات الحادة والعميقة التي أقدم عليها أصحاب الحل والعقد داخل الجهاز ، مستندين على صلاحيات واسعة لمؤسسة الرئاسة ، صلاحيات لم تسند إلى الغنوشي انطلاقا من الفصول التنظيمية والقوانين المنظمة لسير الجسم وإنما ارتشفتها كاريزما الرجل حين استقر المقود بين يديه عقب المعركة الشرسة التي شنتها جبهة الانقاذ وحشَاها الداخلي وحواشِيها الخارجية على الترويكا وحين كانت أم الثورات العربية على شفى الإنهيار وكانت تونس تحت ذمة الفتنة العارمة .

 

وإن كان التعاطي السياسي مع الساحة والمستجدات ليس من شأنه السيطرة على فعاليات المؤتمر ، فإن الترتيبات الداخلية ومسألة الفصل لا شك سيعود إليها الحيز الأكبر من الإهتمام ، وستكون “المقابلة” حامية ومشوقة لكن يستبعد أن تخرج عن روح اللياقة لأسباب عدة ، لعل أبرزها عدم استعداد عشرات الآلاف من المناضلين الذين دفعوا رحيق أعمارهم خلف القضبان وفي المهاجر وتحت الحصار ، لخوض المعارك تحت لافتة الزعامتية ولحساب عمر أو زيد ، ولا نر أن القيادات التي ذبلت زهرة عمرها في النضال وشيعت بعض أجزائها تحت جنح الليل إلى المقابر ستنتهي إلى تطاحن “ثيراني” مقزز تستنكف منه الحركات السياسية الجافة ناهيك عن تلك التي ترشح بالشهداء وتنز بالدماء.

 

يعترف القريب والبعيد لحركة النهضة بقدرتها في ضبط محطاتها الكبرى وتوجيهها بفاعلية ورفق ، كما يعترف الداخل والخارج بقدرتها على نسج مفارقة دقيقة بين الصمود الاسطوري المحنط في وجه التحالف المدمر للمال والإعلام والنخب وبين الإستسلام الذليل ، ونجاحها في ابتكار معادلة “معاويتية” جنبت بها تونس التطاحن وتنحت بها بعيدا عن الهزيمة ، ولأنها قدمت العديد من الصور المشرقة فلا يمكن لأبناء النهضة بل ولأغلب التونسيين الذين يعترفون لها بمزية التنازل الإيجابي ، أن يقبلوا بأي انحراف تغذيه شهوة الإرتقاء التنظيمي وتسعره الذاتية الممجوجة ، وعلى النهضة وهي تخوض مؤتمرها أن تكون في مستوى تطلعات ملايين الأعين التي ترمقها ترنوا إلى مداولات راقية تقدم من خلالها الحركة نموذجا “مؤتمري”متميز تضعه بين يدي بقية المكون الحزبي .

 

لابد من الإشارة إلى أن نسبة كبيرة من نتائج مؤتمر النهضة قد حسمت بشكل مسبق عن طريق السلوك السياسي الذي انتهجته الحركة منذ قبلت بالدخول في الحوار الوطني وقررت أن تثلم المصالح الآنية لحساب المصالح الاستراتيجية ، ومهما تكن نتائج المؤتمر فلن تفلت من السياسة العامة التي رسمتها النهضة وسَاست بها المرحلة السابقة ، لأنه و حين كانت الحركة تعالج فقاقيع الإنقلابات كانت في الآن نفسه ترسي منهجية ستكون لاحقا خميرة التغييرات الجوهرية التي لن يجد المؤتمر بدا من إقرارها أو إقرار هيكلها العام ، بعد أن حولتها النهضة من ممارسة سياسية عرضية و اضطرارية إلى قناعات وسلوكات ستنال من صورتها وتجرح مصداقيتها إذا ناقضتها خلال المؤتمر القادم .

في حقيقة الأمر لم تكن القيادات النهضاوية التي أشرفت على معالجة الإنقلابات بصدد إمتصاص هجمة الخصوم وإنما كانت بصدد إرساء سياسة الشراكة على انقاذ التطاحن ، وصنعت من إدارة الأزمة رؤية سياسية قدمتها للداخل والخارج ، وبغض النظر نسبة الصواب والخطإ فيها فقد بات من ضروب المخاطرة أن يشطب المؤتمر تلك الصورة ويشرع في بناء أخرى ، وقد تعتبر أي محاولة “لفترنة” النهضة بمضامين غير تلك التي صدرتها للعالم عبر الثلاث سنوات الاخيرة ، نوعا من الخطاب المزدوج الذي من شأنه النيل من مصداقية الحركة و التهام مصداقيتها.

نصرالدين السويلمي



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.