وطني و عربي و سياسي

الخميس,30 يوليو, 2015
قرارات بوتفليقة “تشفر” مفاتيح العملية السياسية

الشاهد_اختلفت الرؤى والقراءات بشأن قرارات الرئيس بوتفليقة الأخيرة وخلفياتها، ولاحت في الأفق الكثير من الأسئلة عن آليات اتخاذ القرارات في قمة هرم السلطة، وفي مقدمتها مصير آلية مراعاة التوازنات. فما مصداقية هذه التساؤلات؟ وهل هي مجرد مضاربات إعلامية وسياسية أم إنها باتت حقيقة على الأرض؟ وما أثرها على طبيعة النظام القائم؟ وما هي انعكاساتها على المشهد السياسي؟ هذه الأسئلة وأخرى، سيجيب عنها الملف السياسي لهذا الخميس.

يقرّب هذا ويبعّد ذاك فيبقى الجميع في سباق.

هكذا يختبر الرئيس ولاءات رجالاته.

لا يزال الغموض يلف التغييرات التي أقدم عليها الرئيس بوتفليقة، نهاية الأسبوع المنصرم، فهناك من يعتبرها تدبيرا عاديا لشؤون الدولة، في حين يرى البعض الآخر أنها حيلة، بل استراتيجية اعتمدها الرئيس، لاختبار قوة ولاء رجالاته له، والعينة هنا، رئيس ديوانه، أويحيى، ووزيره الأول سلال.

وتزامنت تلك القرارات مع حرب غير معلنة بين رجلين بارزين في الجناح الرئاسي، وهما الوزير الأول، عبد المالك سلال، ورئيس الديوان برئاسة الجمهورية، أحمد أويحيى، تجلت من خلال تصريحات وإيحاءات متبادلة.

وجاء التعديل الحكومي الجزئي الذي أعقب اجتماع مجلس الوزراء الأخير، ليقدم بعض الإشارات المساعدة على تفكيك بعض ألغاز تلك القرارات، لا سيما ما تعلق منها بإبعاد وزير التجارة، عمارة بن يونس، الذي يعتبر من أبرز الوجوه السياسية التي دافعت بقوة عن العهدة الرابعة للرئيس بوتفليقة.

وتوقف بعض المحللين عند إبعاد عمارة بن يونس، وربطوا ذلك بحالة البرودة التي تطبع العلاقة بينه وبين الوزير الأول، عبد المالك سلال، ويعزز هذا ما أثير عن وجود تقارب بين بن يونس وأويحيى في الأشهر الأخيرة.

وما يؤشر على صدقية هذه القراءة، هو جلب سلال لشخصية سياسية أخرى لا تكن الود لأويحيى، لشغل حقيبة وزارة التجارة، ممثلة في شخص بختي بلعايب، باعتباره واحدا من أبرز الوجوه المعارضة للأمين عام للتجمع الوطني الديمقراطي. قد يقول قائل إن الرئيس هو من يعين، لكن التعيين جاء بعد التشاور مع الوزير الأول، كما أكد بيان الرئاسة.

ومن هذا المنطلق، يبدو أن الرئيس حاول ألا يظهر وقد تخلّى عن وزيره الأول، الذي قاد الحملة الانتخابية لعهدته الرابعة، وهي الإشارة التي تلقاها سلال بارتياح كبير، فخرج في اليوم الموالي منتشيا عبر مختلف وسائل الإعلام العمومية، ليشرح خارطة طريق عمل الحكومة خلال الأشهر المقبلة، في رسالة ضمنية إلى غريمه وسلفه في الوزارة الأولى، بأنه باق في منصبه وأنه لا يزال يحظى بثقة الرئيس.

وبات واضحا أن استراتيجية الرئيس بوتفليقة تقوم على قاعدة ثابتة، مفادها اللعب على إبراز شخصيتين، ثم يقرب أحدهما إليه بشكل كبير، حتى يظن الآخر أن نهايته السياسية قربت، فيتفانى الأخير في خدمته والولاء له، فيسارع الرئيس إلى تقريبه منه بإشارة أو بقرار، إلى درجة تدفع الذي كان مقربا منه إلى الاعتقاد بأنه خسر ثقة الرئيس.. وهكذا يبقى الرجلان في سباق ولاء دائم.

ولم تكن هذه الاستراتيجية قد بدأت مع سلال وأويحيى، بل كان الرئيس قد أدار بها سباق الولاء بين رئيس ديوانه الحالي، عندما كان رئيسا للحكومة، وعبد العزيز بلخادم، عندما كانا يتناوبان على رئاسة الجهاز التنفيذي، وهي حيلة يختبر بها القاضي الأول، ولاء رجالاته له، ومدى صبرهم على خدمته، وهو الاختبار الذي رسب فيه بلخادم، فعلى من سيأتي الدور لاحقا؟

فيما تبقى قراراته الأخيرة غامضة

بوتفليقة يخلط حسابات الساسة والمراقبين

في أقلّ من ثلاثة أشهر، عدّل رئيس الجمهورية الحكومة مرّتين، وفي أربع وعشرين ساعة لاحقة، أجرى حركتين في سلك الولّاة، ثم تبعها بتغييرات مهمّة في قطاع الأمن، على أعلى مستوى، مسّت الحرس الجمهوري، والأمن الرئاسي، وجهاز الاستعلامات، فضلًا عن قرارات سابقة طالت مؤسسات عمومية كبيرة، على غرار البنوك والجمارك والجوية الجزائرية.

قرارات جاءت متسارعة، وربّما مفاجئة في بعض جوانبها، لتضفي المزيد من الضبابية على صورة المشهد السياسي، المتّسم أساسا بالغموض منذ بداية العهدة الرابعة، أو هكذا تردّد أطياف المعارضة على الأقلّ، لأنّ خلفياتها الحقيقية لم تتضح بعدُ، وسياقها الزماني يضعها في دائرة التأويلات النمطية، التي تقرأ مجمل الأحداث ضمن تجليّات الصراع في هرم السلطة.

الخطاب الرسمي، سواء الحكومي أم الحزبي، يدافع بهذا الخصوص عن صلاحيات الرئيس الدستورية، ويبرّر خياراته بالرغبة في تفعيل الأجهزة التنفيذية، وتنشيط الإدارة، لتحسين مستوى الأداء والمردودية في كافة القطاعات.. بمعنى آخر، أنّها قرارات عادية تندرج في خانة “التسيير العقلاني” لمؤسسات الدولة، بعيدا عن أيّ حسابات أخرى، تحاول صبغها بألوان سياسية، وتستغلها لإرباك الرأي العام.

لكن مكوّنات المعارضة، لا سيما المناوئة منها لرئيس الجمهورية، ترفض مثل هذه التفسيرات “التمويهية”، وتعتبرها غير شفافة، إذ تصرّ على أنّ إنهاء المهام لإطارات الدولة في كل المجالات، وتعيين بُدلاء عنهم، يجري في إطار “حرب” المواقع بين أجنحة النظام، وبالتالي فهو برأيها، يعكس أزمة انسداد وصراع بين أطرافه، مثلما يكشف عن معادلة التوازنات التي ضبطت لعبة الحكم في البلاد، بين السياسي والأمني، منذ عقود.

وبين طرفي النقيض، يقف المراقبون في حيرة من أمرهم، فهم عاجزون عن تقديم قراءات موضوعية لما يجري في كواليس السلطة، لأنّ هذه الأخيرة كتومة، لا تتحدث عن نفسها، ولا تهتمّ بإبلاغ الرأي العام، الحلقة الأضعف في أدوات المعركة على الكراسي.

وعليه، يرى كثير من المتابعين أنّ الوضع غامض، طالما أنّ مؤسسات الدولة لا تبرّر قراراتها للمجتمع، ولا تبدّد الشائعات بالتوضيح والصراحة، خصوصا في المسائل الحساسة المتعلقة بأمن الجزائريين وقوتهم اليومي.

تبدو حتى الآن رؤية المراقبين للأحداث أقرب إلى منطق الواقع من كلام قيادات الطبقة السياسية في ضفتيها، فالتطورات الأخيرة في حاجة إلى أخذ مسافة زمنية كافية لفهمها على الوجه الصحيح، إذ إن الحديث المنسوخ عن صراع مراكز القرار، صار برأي البعض خدعة لتمرير خيارات توافقية على حساب تطلعات الشعب نحو الحرية والازدهار.

لكن في المقابل، تطفو فعلاً مؤشرات على سطح المشهد، تنافي ثقافة الدولة ومنهجها في صناعة القرار، وتكرس الشكوك في انسجام المؤسسات وتناغمها، بل تترجم حالة من الانسداد أحيانا، الذي يعكس في أحسن الأحوال تدافع المصالح، إن لم يكن تعبيرا عن “صراع وجود” بين مكونات الحكم.

ربّما يبقى الرأي الوسط، في اعتبار بعض القرارات تقنيا، وبعضها الآخر سياسي، هو الأصوب حتى الآن، في انتظار أن تتكشف الأيام القادمة على مزيد من الحقائق.


رئيس وحدة الدراسات الاستراتيجية بجامعة وهران محمد قنطاري

طُلبت مني دراسة ولأول مرة يُستعان بالمختصين في اتخاذ القرارات

ما قراءتكم لقرارات الرئيس الأخيرة؟

هي قرارات طُلب منا إعداد دراسات أكاديمية حول الجدوى المنتظر منها قبل إجرائها، وأنا شخصيا تلقيت طلبا من السلطات العليا لإجراء دراسة حول الوضع العام للبلاد وكيفية التغيير قبل اتخاذ القرارات التي بادر بها الرئيس بوتفليقة، وهي المرة الأولى التي يتم فيها الاستعانة بالخبراء والأخصائيين قبل التغيير، وأهم ما يمكن قوله رغم كون هذه التغييرات صائبة إلى حد ما، وإلمامها بجميع المستويات، إلا أن الأمر كان يتطلب رزانة وحكمة وضبط نفس لتفادي الخطـإ، وعزل إطارات قدمت الكثير للوطن وتتمتع بخبرة واسعة، كما أدعو إلى الحفاظ على كرامة المسؤولين المنهاة مهامهم وعدم التشهير بالإطار الجزائري، وهو ما حدث في المرة الأخيرة.. فعلا هنالك من أخطأ ليتم إنهاء مهامه لكن لا يجب أن يوضع الجميع في سلة واحدة.

ما هي انعكاساتها على المشهد السياسي؟

هذه التغييرات حملت انعكاسات كبيرة على الساحة السياسية، فالعديد من المقالين تورّطوا في أخطاء تسيير وآخرون ارتكبوا غلطات في مجال التخطيط، ولكن الأمر الذي يعاب على السلطة هو أنها أبقت على هؤلاء المسؤولين لسنوات طويلة وأغمضت عينيها عن تجاوزات ارتكبت قبل 4 سنوات لتتفطن فجأة إلى الحساب. وهي السياسة التي يجب الابتعاد عنها، فالطريق المناسب للخروج إلى بر الأمان هو مراقبة تصرفات المسؤولين خطوة بخطوة والمحاسبة عن كل هفوة حتى لا تكثر الأخطاء، فلا يمكن ترك المسؤول يتصرف بحرية دون رقابة ثم إزالته بطريقة مشينة وإخراجه من الباب الضيق بعد سنوات من شغل مناصب حساسة.

هل هي قرارات تندرج في سياق تسيير دواليب الدولة أم إن لها خلفيات أخرى؟

بالطبع هي قرارات تنم عن خلفيات عديدة، فالأوضاع الاقتصادية والسياسية والأمنية التي تمر بها البلاد والمرحلة الحرجة التي تعصف بالخزينة، هي التي تقف وراء هذه الإقالات والتنحيات التي يجب ألا تكون تغييرا لمجرد التغيير أو إقالات مبنية على سياسة الترقيع، فالمطلوب في المرحلة الراهنة الخروج من الأزمة عبر سياسة تسيير حقيقي، كما يجب إنهاء سياسة أن من يحسن الولاء للمسؤول هو من يحصل على منصب وهو من يبقى في كرسيه، يجب الإيمان بمنطق أن البقاء لله وأن التغيير سنة الله في خلقه، ولكن هذا التغيير يجب أن يكون مدروسا وأن يتم للأحسن وليس للأسوإ.

هل قضت القرارات الأخيرة على معادلة التوازنات في صناعة القرار؟

لا. بالعكس. الرئيس محاط بمجلس شورى وشخصيات مهمة يتم استشارتها في اتخاذ القرارات بطريقة تسمح بالحفاظ على التوازنات وتساعد على البناء رغم النقائص، وأنا أرى أن الانتقادات الموجهة إلى الجيش الوطني الشعبي هي انتقادات تهدف إلى التهديم أكثر من البناء، وأتحدى رؤساء الأحزاب والسياسيين أن يتكلموا بالسوء عن المؤسسة العسكرية، ففي الوقت الذي يرفض هؤلاء حتى الخروج في رحلة سياحية نحو الجنوب بسبب الحرارة المرتفعة، يسهر الجيش ليل نهار لتأمين الحدود من أي مخاطر في الجنوب.


عبد الله جاب الله: القرارات الأخيرة لا تخدم إلا جناح الرئيس

قال رئيس جبهة العدالة والتنمية، عبد الله جاب الله، إنه “من الصعب القول إن هذه التعديلات إجراءات عادية، وإن الرئيس هو الذي باشرها بمحض إرادته بعد تقييمه أداءات المسؤولين”. وعبّر عن خشيته من أن “تندرج ضمن ما يخدم مسعى لوبي الرئيس في التمكن من السلطة والتحكم في مختلف مؤسساتها”، متوقعا أن يكون لتلك القرارات “انعكاسات سلبية على المشهد السياسي وعلى التوازنات في مؤسسات صناعة القرار”.

ويرى جاب الله أن “المسؤولية يجب أن تعطى لذوي الكفاءة والخبرة وأصحاب الأهلية والاستقامة، ومن أسباب مصائبنا في البلاد إهمال العمل بهذا الأساس وإخضاع المسؤولية لمعيار الولاء للحاكم والمؤثرين في القرار”.


كريم طابو: “نخشى تغول الأشخاص على المؤسسات”

أجرى رئيس الجمهورية مؤخرا جملة من القرارات، ما القراءة التي تقدمونها لذلك؟

لو كنا في دولة القانون والمؤسسات لما كانت التغيرات على هذا الشكل، لكن في الجزائر القرارات الأخيرة للرئيس تدل على أن مجموعة مصالح داخل مؤسسات الدولة تريد الاستيلاء على هياكل معينة، وعندما يحدث صراع يفاجئ الرأي العام بتغييرات غير منتظرة وقد يفسرها المواطن العادي على أنها صراع في أعلى الهرم لكنها مجرد تصفية حسابات.

ما هي الاعتبارات التي تمت مراعاتها في القرارات الأخيرة؟

القرارات في الدول المتقدمة تقوم على معيارين، الأول، تقييم سياسيات أعضاء الحكومة والاستبدال يكون على أساس حصيلة الوزير، أما الثاني فيكون حسب طبيعة المرحلة، التي قد تتطلب حكومة تكنوقراطية أو وفاقا وطنيا، وعليه كان من المفروض أن يقوم التغيير على هذا الأساس.

وهل هذا الأمر غير معمول به في الجزائر؟

أكيد لا، فالتغيرات تكون مبنية على “كلمة” يعني قد يدلي أحد الوزراء بتصريح لا يعجب جهات في السلطة، وفي هذه الحالة فإن الدولة تصبح في قوة الأشخاص وليس المؤسسات وعليه لا يمكن تفسير قرارات الرئيس على أنها عادية.

هل قضت القرارات الأخيرة على معادلة التوازن في صناعة القرار؟

الكل يعرف أن الحديث عن توريث الحكم عاد الكلام عنه مؤخرا من طرف الفاعلين السياسيين الذين تنبأوا بخطورة هذا الفعل حتى لو أنه بقي في الصحف ولم يطرح أمام الرئيس بشكل مباشر، وهنا قد يكون غياب مصطلح الشراكة السياسية والتوافق له انعكاساته وسنجد أنفسنا أمام مجموعة تحتكر القرار السياسي، لأن التغييرات عادة ما تتم في بداية العهدة لتكون الأهداف مسطرة لكن أن تكون في آخرها فهنا تفسر أنها بخلفيات.

ما المنتظر من المعارضة في المرحلة الراهنة؟

المسؤولية لا تقع فقط على المعارضة، بل حتى على المجتمع المدني والفاعلين الذين يجب عليهم النضال من أجل بناء دولة المؤسسات، مع حتمية إحداث التغيير في أعلى هرم السلطة.

لكن أحزاب المعارضة لا تزال تترنح للأسف بين حرب الزعامات ولعل الخلاف الأخير بين مقري وجاب الله خير دليل؟

يجب أن نوضح نقطة أن ما يحدث في أحزاب الموالاة أدهى من المعارضة ولا يمكن مقارنة ما حدث بين مقري وجاب الله بما حصل بين سعداني وعبد الرحمن بلعياط، أو حتى عمارة بن يونس، ومصداقية المعارضة أقوى من الموالاة في الوقت الراهن حتى إن أي مسؤول فيها بإمكانه تولي منصب الوزارة الأولى ويسيرها أحسن من عبد المالك سلال.

الشروق الجزائري