وطني و عربي و سياسي

الإثنين,7 مارس, 2016
قراءة في الرؤية الإقتصاديّة القادمة لحركة النهضة.

 

الشاهد_أريد في هذا المقال أن أتناول بالدرس محور الرؤية الإقتصاديّة لحركة النهضة الصادرة في لوائحها المضمونيّة التي نشر موقع الشاهد ملخّصا عنها.
يقول النص موضوع المقال؛ تهدف الحركة إلى “صياغة منوال تنموي… يرتكز على العلم و المعرفة و يهدف إلى توزيع الثروة عبر دور تعديلي للدولة”. و تقول فقرة أخرى تتحدّث عن الرؤية الفكريّة ؛ يهدف المشروع السياسي إلى التموقع … ضمن إطار حزب ديموقراطي وطني إجتماعي ذي مرجعيّة إسلاميّة”.
هذين الفقرتين المقترحتين للنقاش في المؤتمر العاشر يحملان في طيّاتهما جذور تناقض كبير يفصل المشروع السياسي عن المشروع الإقتصادي للحزب.
أنتقل إلى تفسير مكامن التناقض.

الفقرة الأولى تنصّ على إقتصاد يرتكز على العلم و المعرفة. ما معنى ذلك؟
بكبسة زر على النات، تستطيعون التعرّف على ركائز “إقتصاد المعرفة”، و ستجدون أن هذا الشكل من الإقتصاد يؤسس للمعرفة الرقميّة أي التكنولوجيا المعلوماتيّة الحديثة. لسائل أن يسأل؛ و ما الضير في ذلك ؟؟ و قد يقول آخر؛ هذا أمر جيّد يساهم في التحديث و التعصير.
الحقيقة، هذا الكلام يكون في محلّه لو إقتصرت التكنولوجيا على جانب إجرائي غير إستراتيجي. بمعنى أنّ هذا الشكل من الإقتصاد العالمي يجرّنا إلى الإنصهار التام في المنظومة الإقتصاديّة الكونيّة، و بما أن بلادنا ليست من القوى المؤثّرة (بل هي من الضعاف المتأثّرة)، فمركز التابع الإقتصادي فالسياسي فالإجتماعي (بما أن العالم يحكمه المال) سيكون مؤصّلا ضمن أدبيّات الحركة (النهضة).

و لمزيد فهم إقتصاد المعرفة، أذكر أن هذا النظام يرتكز من الناحية التعليمية على تخريج أكبر عدد ممكن من اليد العاملة المختصّة في الإعلاميّة و الملتيميديا و تكنولوجيات الإتصال الحديثة و كل ما من شأنه تأسيس ”إنسان كوني” (مصطلح شخصي غير خاضع لقواعد السيميائية)، أي إنسان رقمي عابر للحدود التاريخية و الجغرافيّة و الثقافيّة (الدينيّة) عبر السفينة الرقميّة الإفتراضيّة، و بالتالي تكون النتيجة طمس الخصوصيات المجتمعيّة لكل دولة تتبع هذا الشكل من الإقتصاد.

كما لا يفوتني أن أذكّر بأن نظام “إمد” للتوجيه الجامعي هو نتيجة مباشرة لاقتصاد المعرفة، و ها أنتم ترون أزمة البطالة الخانقة التي تعيشها البلاد بسبب عدم تلاؤم هذا النظام التعليمي مع نسيجها الإقتصادي و الإجتماعي.
إقتصاد المعرفة يكبّل الدول الضعيفة كتونس و يسيطر عليها تماما عن طريق القروض، و هو آخر شكل عالمي للسيطرة. و قد تستغربون مني حين أقول أن المؤسسات المُقرضة لا تهدف إلى ربح المال عبر الفوائض المسداة عند تسديد الديون، بل تهدف إلى إحكام السيطرة على الدول المقترضة عبر مصادرة قرارها السيادي و التحكّم في كل السياسيين بصك القبول الدولي أو الرفض الدولي.

لذلك، فإن التوجّه الإجتماعي للحزب (المنصوص عليه في الفقرة الثانية) لن يكون واقعيّا مطلقا أكثر من وجوده حبرا على ورقات المبادئ العامّة. لا تستطيع أي حكومة نابعة عن حزب ترتكز رؤيته الإقتصادية على إقتصاد المعرفة أن تتّخذ إجراءات إقتصاديّة تضامنيّة إلا إذا كانت لذر الرماد على العيون. و بالتالي سيتحوّل حزب النهضة من حزب مجتمع، أي نابع من عمق المجتمع، إلى حزب سلطة (حزب رؤوس الأموال) محكوم في توجّهاته العامّة من طرف القوى الماليّة العالميّة و التي لا تهمّها كثيرا معانات الشعوب و لا حاجة للأدلّة فهي واضحة إلا على من أراد إقفال عينيه.

أحزاب السلطة ستكون حتما هدف كل الطامعين و الإنتهازيين، و هذا سيُبعد عنها قاعدتها الشعبيّة و ستتحوّل بمرور الزمن إلى أوكار محتملة للفساد (إقرؤوا تاريخ الحزب الدستوري منذ تأسيسه على يد الثعالبي و تدبّروا سيرورته و صيرورته).

قد تستكبرون قولي و تعتبرونه تضخيما لأمر بسيط و ما هو ببسيط حين تتّبعون مآلات عولمة الإقتصاد وكوارثها على البشرية و على المسلمين خاصّة بما أننا تحت رحمة أمواهم و ثقافاتهم الكونيّة التي ترون إرهاصاتها يوميّا في مجتمعنا..

في الأخير، ما عساني إلا أن أعتذر عن الإطالة، و أرجو أن تكون الفكرة قد وصلت لمن يهمّه الأمر و خاصّة المنتَخبين للمشاركة في المؤتمر القادم لحركة النهضة عسى أن يطرحوا هذا الموضوع و ينبّهوا لخطر إقتصاد المعرفة الذي سيهمّش الإنسان بالمعنى الأدبي و الوجودي و سيحوّله إلى آلة بشريّة مستهلكة تدور في فلك الرقمنة العالميّة..
_________________
-ح-



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.