أهم المقالات في الشاهد

الأربعاء,19 أغسطس, 2015
قانون يعيد تأهيل رجال أعمال فاسدين من حقبة بن علي يثير ضجة في تونس

الشاهد _ هل الحكومة التونسية تضمّد جراح 4 سنوات من عدم الاستقرار السياسي من خلال قانونها لـ “المصالحة الاقتصادية”؟ أمّ إنّها تستعدّ -كما تقول المعارضة والعديد من الشخصيات في المجتمع المدني- إلى “تبييض” الجرائم الاقتصادية في حقبة بن علي؟

إنّ النصّ الّذي اقترح في يوليو على مجلس الوزراء قيد الدرس، ويجب أن يقدّم إلى البرلمان “في أقرب الآجال الممكنة“.

طي الصفحة وتحسين مناخ الأعمال

 

يتعلّق الأمر بالنسبة للرئيس الباجي قائد السبسي بـ”طيّ الصفحة” و”تحسين مناخ الأعمال من خلال التشجيع على الاستثمار”، بينما تواجه تونس أزمة كبرى خاصّة بعد الهجمتين الإرهابيتين على باردو وسوسة؛ ممّا أسفر عن انهيار عائدات السياحة؛ إذ قال رئيس الدولة عند تقديم النصّ مشيرًا إلى رجال الأعمال الّذين لوحقوا قضائيا أو منعوا من السفر منذ انتفاضة 2011، إنّ “البلاد في حاجة إلى الجميع، فعلى الأقلّ يساهم من لديه المال” في الاقتصاد التونسي؛ وبالتالي ترى السلطات أنّ القانون المستقبلي يهدف إلى إسراع عمليّة العدالة الانتقالية في شقّيها الاقتصادي والمالي.

ثلاث فئات معنية

يتعلّق قانون “المصالحة الاقتصادية” بثلاث فئات وفقًا لأستاذ القانون العام في جامعة تونس جوهر بن مبارك: “يخصّ في البدء الموظفين الّذين سهّلوا الفساد أو ارتكبوا جرائم متعلّقة بالحسابات العامّة. سيتمتّع هؤلاء بعفو شامل وبسيط سواء أدينوا أم لا“. ووفقًا للرئيس السبسي، لم يكن أمام هؤلاء الموظفين في الدولة خيار غير الانصياع إلى الأوامر، “ولكن لم يستفيدوا شخصيًّا من الأمر“.

ثمّ يأتي رجال الأعمال، “كل شخص استفاد أو قدّم رشوة أو تلقاها” بما في ذلك عائلات بن علي والطرابلسي والماطري – عائلة الديكتاتور زين العابدين بن علي الّذي أطاحت به الانتفاضة الشعبية في جانفي 2011، أمّا المقرّبون من الرئيس السابق -خاصّة عائلة زوجته- فقد قطعوا اقتصاد البلاد؛ إذ عرقل نظام المافيا القائم آنذاك أي إمكانية للارتقاء الاجتماعي إذا لم يدخل الشخص المعني الدائرة، ومن شأن إعلان بسيط أن يسمح لهم بالحصول على العفو مقابل “مبلغ من المال يساوي قيمة المال العام المختلس مع إضافة 3 % منذ وقوع الاختلاس” وفقًا لمشروع القانون.

وأخيرًا، يمكن للمتهرّبين من الضرائب إعادة الأموال ويحصلون بذلك على عفو، بمعدّل 5 % من القيمة العامة للمكتسبات غير المصرّح بها.

ووفقًا للمستشار القانوني في مؤسسة الرئاسة، سيتمّ تخصيص هذه الأموال المجمّعة “لصندوق خاصّ يساهم في إقامة مشاريع التنمية المحليّة والبنية التحتية الأساسية”.

إجراءات غير فعّالة

يثير مشروع القانون ضجّة في تونس في حين يتّهم نداء تونس -حزب الرئيس السبسي والعنصر الأكبر في الائتلاف الحاكم- من قبل المعارضة بإعطاء أهمية للمقربين من النظام الجديد؛ إذ يشير جوهر بن مبارك إلى أنّ “النتائج الاقتصادية ستكون حصيلتها صفرًا تقريبًا؛ فالموظفون الفاسدون لا يملكون مالًا لإعادته في حين أنّ دائرة رجال الأعمال المحيطة ببن علي، قد صودرت أملاكها وأمّمت في عام 2011. التأثير سيكون رمزيًا بذلك، كما أنّ الحكومة ستقدّم إشارة سلبية للغاية من خلال إقرار مبدأ الإفلات من العقاب. فكيف سيفكّر آلاف المعطّلين عن العمل من حملة الشهادات العليا عند مكافئة هذه الثروات الأسرية لخدماتها السيئة؟“.

يقول مستشار الذكاء الاقتصادي محمد البلوغوثي: “من غير المعقول طيّ الصفحة طالما لم تراجع الممارسات السيئة وفي ظل غياب الشفافية. هذا شيك على بياض يقدّم إلى جميع المستفيدين من النظام السابق. نحن الآن بصدد إعادة رسملة البنوك العمومية الّتي تواجه صعوبات بسبب القروض المعدومة الممنوحة إلى هذا النوع من رجال الأعمال، ولا يجب أن ننسى أن التونسيين ثاروا في 2011 لأسباب اقتصادية، وأيضًا من أجل الكرامة وبدافع رفض نظام المافيا“.

إشارة سيئة

يعتقد عدد من المراقبين، على الرغم من اشتراكهم في الإشارة إلى فشل عملية العدالة الانتقالية ممّا يبرّر في نظر السلطات مشروع القانون، أنّ من الأفضل تعديله معتقدين أنّ الحكومة التونسية تعطي انطباعًا من خلال هذا النصّ عن رغبتها في دفن الملفّات.

يشير خبير مالي تونسي مقيم في فرنسا إلى أنّ “بعض مؤشرات الاقتصاد التونسي متدهورة اليوم أكثر ممّا كانت عليه في 2010 – 2011، سنة الثورة. وعلى الدولة الالتزام بالقضاء على نظام الفساد والمحسوبية الّذي نخر الاقتصاد التونسي قبل أن تسعى إلى تناسي الأفعال السيئة”.

بعيدًا عن الاعتبارات القانونية، قد تؤدي إعادة تأهيل “الاستغلال الريعي” إلى تفاقم معاناة الاقتصاد التونسي -وفقًا للخبير الاقتصادي نضال بن الشيخ-، خاصّة من “خلال إنشاء طريقة إدارة اقتصادية كانت سائدة في الفترة الممتدّة بين 2000 – 2010 وأدّت إلى انهيار البلاد. إذ إنّ طريقة الإدارة هذه مسؤولة عن الاختلالات الرئيسة في الاقتصاد التونسي: الفجوة بين الجهات وأزمة القطاع السياحي والصعوبات الّتي يواجهها القطاع المصرفي والصناعة غير المنوّعة وضعف القيمة المضافة.. وهكذا بعد أن كانت لتونس والمغرب الأسس الاقتصادية نفسها في عام 2000 تجاوز المغرب تونس في عدّة سياقات“.

بالنظر إلى الصفقات الجارية بين نداء تونس وشريكتها في الحكم -حركة النهضة الإسلامية المحافظة-، من المتوقّع أن يتمّ اعتماد مشروع القانون حتّى وان أثار ضجّة داخل القواعد الإسلامية، ولكن يأمل جوهر بن مبارك “في عدم المصادقة عليه من قبل المحكمة الدستورية في حال اعتماده، باعتبار أنّه ينتهك مبدأ العدالة الانتقالية والعدالة الضريبية“.

لكسبرس