الرئيسية الثانية

الثلاثاء,18 أغسطس, 2015
قانون المصالحة…النهضة ليست “سيدي تاتا”

الشاهد _ كما كان متوقعا، ألقت الأوضاع الحساسة التي تمر بها التجربة التونسيّة في مخاضها العسير منذ سنوات إلى وضع القوى المدنيّة و الديمقراطية أمام حتميّة الخيارات الصعبة التي تتطلّب عقلا رصينا و هادئا بعيدا عن عقليّة الثأر التي تورث الأحقاد للأجيال و تواصل إنتاج خطاب الإقصاء الذي يعمق التجاذبات و من ورائها الأزمة الخانقة التي تمرّ بها البلاد بعد نجاحها في إرساء القواعد الأولى لديمقراطية صلبة بفضل الحوار و التوافق.

 

خطاب المصالحة كان في الواقع قد سبق خطاب التوافق و المصلحة الوطنيّة لا لغايات إقتصادية و سياسيّة و إجتماعيّة فحسب بل للحتميّة التاريخيّة التي تجعل من قاعدة “عزل من عزل نفسه” مركزيّة في مرحلة ما بعد الثورة للتأسيس لخيارات المشترك الوطني دون تمييع للقضايا الجوهريّة و من بينها العدالة الإنتقاليّة و دون عناوين سياقيّة للخطاب الثوري خارج سياقاتها و ممكن البناء على منجز الدستور الجديد و على الضمانات التي حملها في طيّاته للقطع مع الدكتاتورية والفساد و الإستبداد.

صحيح أن موقع المسؤول ليس موقع من يتابع الأحداث و المتغيّرات و صحيح أيضا أن الأهداف الكبرى لا تتحقّق بالثأر أو بالتسرّع فالعدالة الإنتقاليّة من خلال التجارب المقارنة في تاريخ الثورات كانت دائما ما تأخذ حيزا طويلا من الزمن و لكنّ بناء الدولة الجديدة بما يقطع مع الماضي يتطلّب التحرّك الفوري بما يدعم فرص البحث عن المشترك الديمقراطي بين مختلف الفاعلين الإجتماعيين و الإقتصاديين و السياسيين في البلاد و قد كان زعيم حركة النهضة راشد الغنّوشي أوّل من دعا سياسيا إلى مصالحة لا تتعارض مع قانون العدالة الإنتقاليّة و لا تشرّع للممارسات السابقة بما يعني إستجماع شروط و ممكنات النجاح على الأصعدة الثلاث السياسي و الإقتصادي و الإجتماعي بعيدا عن منطق الإقصاء و هو ما بات أمرا ضروريّا خاصة في ظلّ الأزمة الإجتماعية و الإقتصادية التي تمرّ بها البلاد.

و بين خطاب الرفض العدمي و القبول المشروط تتراوح القراءات الأوليّة لمشروع قانون المصالحة الذي دفعت به رئاسة الجمهورية في الفترة الأخيرة بما يبيح التخوفات المشروعة للبعض و يضع التجربة برمتها و كلّ المسؤولين في البلاد أمام إختبار الضرورة التي تحول دون ممكن الإلتفاف على منجز السنوات التي تلت هروب المخلوع لذلك كان لزاما وضع المشروع في سياقه لا بصيغته التي طرحت و لكن بصيغة ما يجب أن يحوّر خدمة لأهداف و غايات محدّدة تكون في كلّ الأحوال مضبوطة بعلويّة الدستور.

صحيح أن مشروع القانون في أرضيته المطروحة يطرح أكثر من نقطة إستفهام حول نقاط تتعارض مع الدستور و مع الأهداف المرجوّة أصلا من المصالحة الإقتصاديّة و لكن ما فائدة الدستور؟ و ما فائدة وجود نوّاب للشعب مفوّضين للدفاع عن دستوره و مصالحه إذا لم تكن تقويم الإعوجاج؟ أم أن الثأر و العدميّة أصبحت موقفا وطنيّا؟

مجول بن علي



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.