حواء

الجمعة,18 مارس, 2016
في معرض “منتجاتُ نسائِنا” بغزة.. الفلَّاحات المبدعات

الشاهد_في معرض “منتجات نسائنا” الذي ينظمه مركز شئون المرأة في شهر مارس من كل عامٍ برزت الإبداعات النسائية، تتصدّرها المنتجات التراثية التي حملت عبقاً تاريخياً فلسطينياً أضفى على المكان جمالاً عبَّر عنه كلُّ من حَضَر.

 

“هافينغتون بوست عربي” دارت بين زوايا المعرض وتحدثت للنساء اللواتي حجزت كلّ منهن زاوية تعرض فيها أشغالها المميزة..

 

صاحبة الروح الميتة!

 

من مخلفات الطبيعة، قرّرت السيدة نسرين أبو لوز – 40 عاماً- أن تقدّم فنّاً إبداعياً، فجمعت قشور اللوز والجوز وعين الجمل وقُصاصات الورق الصغيرة ثمّ لونتها وصنعت منها دُمى مميزة وأشياء أخرى كثيرة.

 

أما أكثر ما كان يلفت الانتباه في زاويتها، هي تلك الدمية التي تلتف حول فستانها حبّات الرّصاص، تقول أبو لوز “كثرة الرصاص الذي أمطره الجيش الإسرائيلي على بيتنا في العدوان الأخير عام 2014 على غزة، جعلني أتّجه لذلك التفكير الذي يعبّر عن المقاومة الفلسطينية، فحتى النساء في غزة مقاومات بطرق خاصة”.

 

البعض من عائلة أبو لوز ينعتها بصاحبة “الروح الميتة” لكثرة ما تمضي وقتاً يصل لساعات في صنع دميةٍ واحدة، فعملها كما تقول: “يحتاج لصبرٍ ونفس طويل وتعب، لا يحتمله الكثيرون، ولكن سرعان ما يزول هذا التعب بمجرد الانتهاء من العمل”.

 

التميّز والإرادة “رقيّ”

 

أما سماح شاهين-36 عاماً- من سكان مخيم البريج، مُشاركة أخرى في المعرض، تعرض فنوناً خشبيةً بأشكالٍ مختلفة، كان أروعها، مفتاح العودة الكبير.

 

وتحكي شاهين حكايتها مع الفنّ:” التحقت قبل عامين بمشروع “إرادة” الذي تقوم عليه الجامعة الإسلامية في غزة والمخصص لفئة ذوي الاحتياجات الخاصّة، حيث إني أعاني من “خلع ولادة”، وتعلمت من خلاله الحفر على الخشب، باستخدام الكمبيوتر”.

 

وتعتبر شاهين هي الوحيدة في فلسطين التي تستخدم الكمبيوتر في الحفر على الخشب، والذي تفتخر به كثيراً وتصف حبّها للحفر على الخشب بالقول: “بموت فيه”، وتضيف: “الرقيّ في الحياة ليس بالجمال أو بكثرة المال، بل بأن تكون متميزاً ولديك إرادة وطموح وأن تخدم قضيةً تهمّك وتهمّ الآخرين، مهما كانت ظروفك قاسية”.

 

وتشعر شاهين بمتعةٍ كبيرةً وهي تحفر على الخشب لتخرج بأجمل اللوحات، تعبر:” أكثر اللوحات التي استمتعت في الحفر عليها لوحة خاصة بكلمة “أمي” وأخرى بخارطة فلسطين، فكلتاهما في القلب”.

 

هواية ومهنة

 

علا الضبّة – 32 عاماً- من سكان حي الشجاعية شرق غزة، هي أم لـ5 أولاد ، دفعتها الحاجة لتوجيه هوايتها إلى جانب مهنيّ كي تُعيل أطفالها وزوجها.

 

تقول “لقد كان لنا نصيبٌ وافرٌ من العدوان الإسرائيلي على غزة ، فقد قصفت الدبابات بيتنا وهدمته بالكامل كباقي البيوت في ذلك الحيّ، وبعد أن تخطينا الأزمة واستأجرنا بيتاً، صار لابدّ لنا من مصدر دخل ولو بسيط للغاية خاصة وأن زوجي يعاني من مشكلة كبيرة في ساقه تمنعه من العمل والحركة”.

 

وتضيف: “التطريز الفلاحي كان بالنسبة لي هواية أعشقها، لكن الهواية لا قيمة لها في غزة إن لم تُستثمر في عملٍ يدرّ دخلاً مهما كان بسيطاً”.

 

وكانت الضبّة حصلت على مبلغ 800$ كتعويض من إحدى المؤسسات على جزء يسير مما حلّ بهم، فقررت أن تشتري كل لوازم التطريز بذلك المبلغ اليسير، توضح: “بتّ أوصل الليل بالنهار أطرز على الحقائب النسائية والأحذية والأثواب والشالات.. إلخ، وها هي المرة الأولى التي أشارك فيها في هذا المعرض، وأبيع منتجاتي، فالحياة في غزة صعبة ولا بدّ من التضحية بأشياء كثيرة للعيش فيها”.

 

ابتسامات وأرباح

 

نوال مسلّم -38- عاماً من سكان حي الشيخ رضوان في غزة، ترتدي جاكيتاً أسود عصريّاً، طرّزته بيديها بخيوط الحرير العنابية الفلاحية، لتجتمع فيه الأصالة والحداثة، مسلّم سهرت على تطريز “الجاكيت” طويلاً متقيدةً بكهرباء غزة، التي لا تتوفر إلا نصف الوقت، والتي نظمّت أوقات عملها وفق وَصْلِها، كانت ترتدي “الجاكيت” وتقف وقفةً مميزة لتبدو واجهةً للرقيّ أمام الحضور بابتسامةٍ عريضةٍ لا تفارقها.

 

تقول لـ”هافينغتون بوست عربي”: “أشعر بسعادة كبيرة وأنا أقف أعرض منتجاتي التراثية، فهي نتاج سهرٍ وجهدٍ طويلين، وما زاد سعادتي أني في أول يوم للمعرض تمكّنت من إعادة تحصيل كل المال الذي دفعته لشراء المواد الخام والذي قارب على 1000$”، تبتسم وتكمل بكلمات مفعمةٍ بالتفاؤل: “كل أعمالي طِلعت من قلب صافي، وهيني أجني الثمار”.

 

تُطرز من عمر الرابعة!

 

المعرض وإبداعاته لم يقتصر على الشابات ونساء الأربعينيات فقط، إنما هناك أم محمد المغاري البالغة -70 عاماً- من سكان حي الشجاعية، هي الأخرى شاركت في المعرض بمشغولات يدوية في قمة الدقّة، إذ لم يحول كبر سنّها من قدرتها على التطريز وإتقانه بدقة.

 

وتقول ل: “كنت في الرابعة من العمر حين بدأت أغوص في عالم التطريز والصنانير، فمنظر جاراتنا الكبيرات وهنّ يطرّزن كان يلفتني أكثر من دمية مع طفلة”.

 

وتضيف: “لكن والدتي كانت ترفض أن تعلّمني أو تتركني أتعلّم خوفاً على نظري من أن يُرهَق أو يضعف”.

 

وتطرز الحاجة المغاري كل ما يخطر على البال من مطرزات يدوية، إلى جانب “الكروشيه” الذي تصنع منه أشكالاً رائعة بالصنارة.

 

وتستذكر بأسف: “العدوان الأخير على قطاع غزة عام 2014 أحرَق كل منتجاتي، التي خبأتها للمشاركة في المعارض، بعد أن قُصف بيتنا وتدمّر أكثر من نصفِه، لكني والحمد لله أمتلك العزيمة الكبيرة لإعادة العمل من جديد”.

 

الحاجة المغاري لا تعمل لمجرد حبها لتلك المهنة، بل بتلك المهنة تصرف على عائلتين من أبنائها، تقول: “عائلتي كبيرة وأحفادي كُثُر والوضع الاقتصادي في غزة سيء، ومن ذلك العمل أصرف على ابنين من أبنائي العاطلين عن العمل أحدهما لديه “11” ابناً وابنة”.

 

أدوات التطريز لا تفارقني

 

أما عواطف الدُّرة – 47 عاماً- فتنتظر هذا المعرض السنوي على أحرّ من الجمر، تلبس العباءة العصرية المطرزة بخيوط الحرير الفلاحيّة، وتلفّ رأسها بربطةٍ أشبه بربطات البدويات القدامى، تقول: “الخيوط الحريرية والمقص وقطعة القماش لا تفارق حقيبتي، إنها كمحفظة نقودي، أو هاتفي النقال، أينما تواجَدت قد أُخرِجها وأبدأ في العمل ما لم يكن في مكانٍ غير مناسب”.

 

تضيف: “إنه عشقي، ومنه أصرف على نفسي وعلى والدتي التي أعيش معها”، وكانت الدّرة قد تعرّضت للطلاق لأسبابٍ خاصة، جعلت من هوايتها مهنة تسندها في حياتِها.

 

وتذكر أن أجمل الأوقات التي تعمل فيها تلك التي تلتف مع عائلتها حول “كانون” النار في فصل الشتاء يحتسون القهوة ويتذكّرون الحياة القديمة.

 

فلسطين على الخاصرة

 

على مقربةٍ منها تتخذ الفنانة التشكيلية الثلاثينية سهير نصار زاويةً من الإبداع تعرض فيها منتجاتها، والتي تمثلت في لوحاتٍ مرسومة على البرسولان، والتي ميزتها اللمسة التراثية.

 

تقول نصار: “أرسم على البرسولان وعلى الصخور، رسوماتٍ تعكس الهوية والتراث الفلسطيني، فهو أكثر ما يشعرني بالمتعة في العمل”.

 

وكانت نصار الدارسة للغة الإنجليزية والهاوية للرسم، قد حصلت على جائزة المرأة المبدعة في العام الماضي 2015، لرسمها لوحة مميزة لسيدةٍ فلسطينية تضع على خاصرتها علم فلسطين.

 

هافينغستون بوست