كتّاب

الأربعاء,12 أكتوبر, 2016
في لزوم إصلاح السياسة قبل الاقتصاد

لا يكفي أن ننفق الوقت والجهد لحل المشكلة الاقتصادية؛ لأن الأزمة السياسية أولى بالبحث، باعتبارها المدخل الأهم لاستعادة الأمل المفقود

(1)

أزعم أن حادث غرق سفينة المهاجرين أمام مدينة رشيد في 25 سبتمبر الماضي كان لحظة فارقة، أقرب إلى القشة التي قصمت ظهر البعير. كما يقال، إذ حين يتبين أنه كان عليها نحو 600 شاب مصري، مات منهم مئتان غرقا، فإن الحادث فتح أعين المصريين على ما لم يكونوا منتبهين إليه، خصوصا حين أدركوا أن مئات آخرين من المصريين دأبوا على الهجرة غير الشرعية خلال العام الأخير، منهم من نجح ومنهم من أخفق فغرق أو عاود الهجرة مرة أخرى، نبه الحادث كثيرين إلى أن المصريين لم يختلفوا في ذلك عن غيرهم من السوريين وأشباههم الذين أجبروا على مغادرة أوطانهم وتشردوا في أرجاء العالم، وهو المصير الذي طالما جرى تحذير المصريين منه في الخطاب الرسمي وعبر أبواقه الإعلامية.

حين وقعت الواقعة في ظروف الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها مصر، فإن ذلك نبه الجميع إلى أن الفقر لا يقل خطرا عن الإرهاب، وإنما هو أحد مظاهره أو مصادره، ومن ثم اتجهت الأنظار إلى الداخل لتحرى الظروف التي تدفع الشباب إلى الهجرة والتعرض للموت في عرض البحر. وأحدث ما قرأته في هذا الصدد تحليل كتبه الدكتور صبري الشبراوي خبير الإدارة الدولي كان عنوانه: القهر والفقر يدفع شبابنا للبحر (المصري اليوم 5/10). زاد على ذلك الدكتور زياد بهاء الدين نائب رئيس الوزراء الأسبق الذي سلط الأضواء على «إفقار الشعب المصري» وقال إن الظاهرة «ليس وراءها البنك الدولي ولا صندوق النقد.. ولا أي من الجهات التي نتصور أنها تتآمر علينا، بينما المؤامرة الوحيدة هي ما نفعله بأنفسنا» ــ (الشروق 4/10). وهذه ليست آراء أشخاص مرموقين فحسب، ولكنها نموذج للتحليل الذي دعا إلى المراجعة ونقد الذات. وهي آراء ركزت على البحث عن مصادر الأزمة في الداخل، وأدارت الظهر إلى حملة الإحالة إلى الخارج التي تصر على أن الحق على الطليان، أو الإخوان لا فرق.

(2)

بالمقابل، لا يزال تيار الإنكار نشطا. إذ للمرة الثانية خلال أسبوعين خرجت علينا جريدة الأهرام في 4/10 الحالي بتقرير أمنى عن «خطة الجماعة الإرهابية لمحاولة إسقاط الدولة المصرية»، من خلال محاولة إثارة الأكاذيب والشائعات ونشر الفوضى وتأجيج الشارع المصري وإثارة ما يعكر صفو البلاد. وكانت الجريدة ذاتها قد نشرت في 18/9 تقريرا أمنيا مماثلا تحدث عن «تفاصيل خطة قوى خارجية لفرض حصار على مصر» ــ عن طريق إثارة الرأي العام ومحاولة زعزعة الثقة في قيادة البلاد، بما يؤدي إلى رفع درجة الاستفزاز والوصول بالأمور إلى مستوى الأزمة السياسية».

هو ذات الأسلوب الذي يخوف الداخل بخطر موهوم في الخارج، بمظنة أن من شأن ذلك حشد الجماهير وراء النظام للدفاع عنه ضد ذلك الخطر، وصرف انتباههم عن معاناتهم وهمومهم الداخلية، وهي الفكرة التقليدية التي وثقها وفضحها الكاتب الأيرلندي جورج أورويل في روايته (1984) التي لا أمل من الاستشهاد بها لأنها تصور ببراعة حالة المجتمع حين يصبح ضحية الاستبداد، الذي يعمد إلى تخويف الناس وترويعهم رغم إفقارهم وإذلالهم، لإحكام السيطرة وتشديد قبضة السلطة على المجتمع.

إلى جانب تيار الإنكار والإحالة إلى الخارج فثمة أصوات في الداخل لجأت إلى حيلة أخرى انطلقت من تبرئة النظام واتهام الشعب، وخلاصة الرسالة التي توجهها أن الحكومة تؤدي ما عليها والجيش لم يقصر في القيام بما يجب وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، حتى المخابرات العامة دخلت إلى الساحة وأصبحت تشارك في توزيع المواد الغذائية للتخفيف من معاناة الناس. إلا أن المجتمع لم يتجاوب مع تلك الجهود بما فيه الكفاية. فالموظفون لا يعملون والعمال لا تشغلهم إلا زيادة الأجور والتلويح بالإضرابات وتركيزهم دائم على الحقوق دون الواجبات، فضلا عن ذلك يشير هؤلاء إلى ظروف أخرى معاكسة خارجة عن إرادة الحكومة أسهمت في تأزيم الموقف. منها توقف السياحة وضعف إقبال المستثمرين، وتراجع تحويلات المصريين في الخارج، إلى جانب تأثر دخل قناة السويس سلبا بالركود الحاصل في التجارة العالمية.

(3)

حين صدم المصريون بكارثة غرق مئتين من شبابهم المهاجرين، فإن ذلك أدى إلى إفاقتهم ولفت انتباههم إلى حدة عمق الأزمة في الداخل، وهو ما عبرت عنه تعليقات كثيرة حفلت بها مواقع التواصل الاجتماعي، انفجرت فيها مشاعر الغضب والاستياء. ذلك أن الصدمة في أجواء الأزمة التي يعانى منها الجميع لم تكن بحاجة إلى تدخل قوى خارجية تستفز الناس وتستنفرهم. وبعض تلك التعليقات والمدونات من الحدة بحيث لا أستطيع أن أعيد التذكير بها.

بالتوازي مع ذلك ظهرت التحليلات الداعية إلى المراجعة وإعادة النظر في السياسات الداخلية المتبعة. وفي هذا السياق قرأنا عن مطالبات بعقد مؤتمر وطني لبحث الأزمة وأخرى دعت إلى عقد مؤتمر لخبراء الاقتصاد المصريين لمناقشة جذور الأزمة وحلولها. وعزا البعض الأمر إلى عسكرة الاقتصاد الذي أدى إلى تراجع دور القطاع الخاص، وإلى إحجام المستثمرين عن القدوم إلى مصر، وحذر آخرون من الاستماع إلى نصائح صندوق النقد الدولي التي أفسدت بأكثر مما أصلحت في دول عدة.

كانت مقالة الدكتور زياد بهاء الدين من الإسهامات المهمة في هذا الصدد. إذ إضافة إلى الملاحظات المهمة التي أبداها، فإنه استعرض حقائق الأزمة التي أفاق الناس عليها، بعد سنتين وعدوا خلالهما بمستقبل أفضل وبتحقيق الكثير مما تمنوه. في عرضه ذكر ما نصه:

خلال العامين الماليين الماضيين من 1 جويلية 2014 حتى 30 جوان 2016، ارتفع الدين العام الداخلي من 1.4 تريليون جنيه إلى ما يتجاوز 2.4 تريليون، وارتفعت نسبته إلى الدخل القومي من 80 في المئة إلى 85 في المئة، وظلت البطالة في حدود 13 في المئة دون تغيير يذكر، وارتفع الدين العام الخارجي من 43 مليار دولار إلى 53 مليار دولار، وانخفضت قيمة الجنيه المصري في السوق الموازية بنحو 40 في المئة، وزاد التضخم بنحو 6 في المئة إجمالا، بينما زادت أسعار المواد الغذائية وحدها خلال العامين بنسبة 20 في المئة، ولم يحقق الاقتصاد القومي نموا إلا بمتوسط 4 في المئة.

وهذا كله دون الأخذ في الاعتبار التدهور الحاد خلال الأشهر الثلاثة الماضية والتي ارتفعت فيها الأسعار ارتفاعا إضافيا عانى منه الناس قبل أن تظهر أرقامه الرسمية.

(4)

الكلام الذي قيل عن المراجعات اتسم بقدر كبير من الشجاعة والصراحة. والأفكار التي طرحت يمكن أن تصبح مدخلا لإصلاح اقتصادي حقيقي، إذا وجدت من ينصت إليها ويأخذها على محمل الجد، وإذ أقر بقلة بضاعتي في الاقتصاد فإن لي مأخذا وحيدا على ما قيل خلاصته أنه ركز على الاقتصاد دون السياسة، بمعنى أنه إما تجاهل السياسة تماما وإما أنه أشار إليها بصورة مختزلة وخجولة، في حين أتصور أن المشكلة هي في السياسة أولا ثم في الاقتصاد ثانيا. ولولا الأولى ما كانت الثانية. وإذا كان الدكتور زياد بهاء الدين قد استعرض مظاهر الأزمة الاقتصادية، فإن لدينا الكثير الذي يمكن أن نقوله في صدر الأزمة السياسية. ذلك أن الأزمة الاقتصادية إذا كانت قد أدت إلى إفقار الناس في الحاضر، فإن الأزمة السياسية أدت إلى تيئيسهم من الحاضر والمستقبل. ذلك أننا نعانى أزمة في تمثيل المجتمع والمشاركة يجسدها مجلس النواب بوضعه الراهن. كما أن لدينا أزمة في عسكرة السياسة وفي الفصل بين السلطات. وانتهاك نصوص الدستور والعبث بالقانون يمثل أزمة أخرى، ومعاناة منظمات المجتمع المدني وقمع الحقوقيين من المظاهر البارزة لأزمة الحريات العامة. ثم لدينا كلام كثير بخصوص ملف المعتقلين وتعذيبهم ومحاكماتهم في مقار الداخلية أو أمام المحاكم العسكرية، إضافة إلى ملف المختفين قسريا وسجل انتهاكات حقوق الإنسان.

تلك بعض وليس كل عناوين الأزمة السياسية، التي تشكل مناخا يقلق المواطن العادي ويصيبه بالتوتر فما بالك بالسائح أو المستثمر الأجنبي. الذي لا يقل أهمية عن ذلك أن استمرار تلك العوامل يحول دون عودة الاستقرار إلى المجتمع الذي بغيره لن تتحرك عجلة الإنتاج والتنمية.

إذا قال قائل بأن ذلك هو النصف الفارغ من الكأس وأن هناك نصفا آخر تم تجاهله، فردي أن النصف الآخر على العين والرأس، وهذه ليست القضية، لأن السؤال ليس كم يمثل ذلك في حصة الكأس، لأن مجرد وجود ذلك الشق الفارغ هو المشكلة أيا كانت حصته.

ما يجعل الأزمة السياسية أكثر تعقيدا أنها لا تحل بمؤتمر وطني أو حوار بين السلطة وممثلي المجتمع، وإنما لا حل سلميا لها سوى أن تقود السلطة عملية المراجعة وأن تمارس عملية النقد الذاتي، أو أن تفتح الأبواب واسعة لهذه وتلك. وذلك يتطلب قدرا من الشجاعة وسعة الصدر، يجدد الثقة في خيار الإصلاح السياسي، وما لم يحدث ذلك فإن الخيارات الأخرى مسكونة بشرور كثيرة لا هي في مصلحة السلطة ولا هي في مصلحة المجتمع. تحت أعيننا نماذج لتلك النماذج كافية في التحذير من التقاعس في الإصلاح أو التلاعب به. وليس مطلوبا منا في هذه الحالة إلا أن نطالع وجوهنا في مرآة الحقيقة لنرى بأعيننا ما فيها من تشوهات وندوب.