أخبــار محلية

الثلاثاء,20 سبتمبر, 2016
“في قلبي أنثى عبرية” “غربة الياسمين” و “أن تبقى” .. ثلاثة أعمال ترفع كعب التونسية خولة حمدي

حينما تطالعك ابتسامتها التي تنير محيّاها و نظرتها الوديعة التي يشعّ بريقها طفولة و براءة ، يخيّل إليك أنك أمام بنت صغيرة خجولة حييّة ..

و من لم يقرأ لها و يسمع عنها ، لن يصدّق أبدا أنه أمام حائزة على الدكتوراه في بحوث العمليات من جامعة التكنولوجيا بمدينة تروا بفرنسا و متحصلة على شهادة في الهندسة الصناعية و الماجستير من مدرسة “المناجم” في مدينة سانت إتيان الفرنسية ، علاوة على كونها أستاذة جامعية في تقنية المعلومات بجامعة الملك سعود بالرياض .. لكن المهمّ و الأهمّ أنّها خلبت لبّ عقول عشاق الكتب و سحرت عقولهم من مشرق العالم العربي إلى مغربه بدررها الأدبية ..

إنها الأديبة التونسية خولة حمدي بنت الـ34 ربيعا التي لم يثنها تخصصها العلمي عن إيلاء حيّز من الإهتمام لما تجود به قريحتها عليها ..

14355751_10207083567183658_5581316158697479681_n

دون اعتبار لروايتها الأولى “أين المفر” التي خطّتها أناملها في سن الـ17 عاما و التي أرادت من خلالها إحداث ثورة فى الرواية العربية والخروج برواية ملتزمة ليس فيها ما يخدش الحياء وفيها من التشويق الإثارة ما يضاهى تشويق مغامرات أجاثا كريستى ، شحذت خولة الساحة الأدبية بثلاثة إنتاجات أدبية عالية الكعب أوّلها “في قلبي أنثى عبرية” التي صدرت سنة 2012 ، عقبتها رواية “غربة الياسمين” سنة 2015 ، و ها هي تصدر هذه السنة أيضا رواية “أن تبقى” و هي تتمّة لسابقتها ، أو بالأحرى ، فيها تناولٌ لـ”غربة الياسمين” من جانب آخر ..

كتاباتها مزيج بين أحداث تعيشها شخصياتها و قضايا أثقلت كاهل المجتمع حمّلتها على أكتاف ابطال رواياتها لتتحول صفخاتها إلى حلبات مصارعة و حروب يرتع بين حروفها الأخيار و الأشرار ..

عين على أعمال خولة حمدي

* في قلبي أنثى عبرية:

14329982_10207083558423439_6637389583853446834_n
في روايتها الأولى خيرت الكاتبة الخوض في جانب مسكوت عنه يتعلق بعلاقات اليهود والمسلمين في المجتمعات العربية حيث ميزت بين اليهود العرب واليهود الصهاينة وكشفت عن مجتمع أقلّي يهوديّ عربيّ يتمرد على جدوده ويتجه نحو الإسلام والمسلمين ففي الرواية ارتداد شخصيتين رئيسيتين من اليهودية ودخولهما في الدين الاسلامي ؛ بل وتستشهد احداهما وتتزوج الاخرى أحد رجال المقاومة اللبنانية.

في الحكاية تناول لأحداث تاريخية واقعية ، جعلتهما الأديبة إطار روايتها ، إذ تنتقل الاحداث بين جربة التونسية وبين الجنوب اللبناني وتحديدا قانا وصيدا ولعل هذا الانتقال وفر لنا الكثير من الإشارات التاريخية ومنها ما تعلق بتاريخ يهود جربة التونسية: «معظم يهود تونس قدموا من إسبانيا في أواخر القرن الخامس عشر للميلاد. لكن كتب التاريخ تحكي أن يهود جربة، الجزيرة التونسية، قدموا من المشرق بعد حرق معبدهم من قبل نبوخذ نصر ملك بابل وقائد جيوشها، قبل 2500 سنة… غزا القدس وأخرج اليهود منها، سبى نساءهم وأولادهم ونهب ثرواتها وأموالها وأنهى مملكة اليهود… فتوافد بعضهم على جربة، الجزيرة الساحرة، حيث استقر بهم المقام جيلا بعد جيل، حتى أنشأوا أشهر دور عبادتهم «كنيس الغريبة» الذي أصبح قبلة اليهود من جميع أنحاء العالم ووجهة حجهم في القرون الأخيرة والذي يعد أقدم معبد يهودي في إفريقيا ويقال أنه يحتوي واحدة من أقدم نسخ التوراة… وأقاموا الكثير من المعابد والمقامات التي تجاور المساجد، كما يجاور اليهود المسلمين…».

كما تتطرق الكاتبة إلى حادثة كنيسة الغريبة الذي جدت في جربة منذ أعوام «يوم الحادي عشر من أفريل لسنة 2002، حصل تفجير إرهابي استهدف كنيس الغريبة اليهودي القائم في جزيرة جربة التونسية. في صباح ذلك اليوم، انطلقت شاحنة نقل للغاز الطبيعي محملة بالمتفجرات. تمكن سائقها الشاب من تجاوز الحواجز الأمنية لكنيس الغريبة الأثري، لتنفجر الشاحنة أمام الكنيس حيث تجمع عدد من السياح والزوار من مختلف الجنسيات. تسبب الحادث في مقتل أربعة عشر شخصا، منهم ستة سياح ألمانيون، وست تونسيين وفرنسي واحد إضافة إلى سائق الشاحنة المنفذ للعملية الانتحارية. وصل عدد الجرحى إلى الثلاثين بين إصابات خفيفة وأخرى بليغة.
رغم أنه قيل في البداية أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد حادث، إلا أن التحقيقات في تونس وألمانيا وفرنسا أثبتت أن الهجوم كان إرهابيا متعمدا. حيث قام شاب بتنفيذ العملية الإرهابية بمساعدة بعض أقاربه. وقد عثر على تسجيل صوتي له فيما بعد يحمل توقيع جماعة القاعدة».

*غربة الياسمين:

14344075_10207083561223509_3935388711854913933_n

الراوية الثانية للكاتبة خولة حمدي، تدور أحداثها في فرنسا، بموضوعها بالغ الحساسية وهو العنصرية والإرهاب وحياة العرب والمسلمين في فرنسا وما يواجههم من صعوبة في الاندماج مع المجتمع الفرنسي؛ نظرًا لاختلاف العادات والتقاليد والمعتقدات.

تتناول الكاتبة فى روايتها حياة المغتربين من شمال أفريقيا فى فرنسا، وما يعانونه هناك فى الدفاع عن قناعاتهم ورموزهم الإسلامية، وكان أكثر اهتمامها بأصحاب الكفاءات الذين غادروا بلدانهم الأصلية بحثاً عن فرصة أفضل؛ لكنهم اصطدموا بالمساومة على ثوابتهم.

وتتبع خولة طريقة السرد بالتوازى، حيث تحكى عن كل شخصية على حدة ثم تتقاطع الشخصيات بالتناوب فى العديد من المشاهد، وتتداخل حكاياتها بشكل مفاجئ أحياناً، ومتوقع أحياناً أخرى، فى تسلسل منطقى وجميل..
و أبدت الأديبة تأنياً فى تطور الحالة النفسية لشخصيات الرواية مما أضفى عليها مسحة واقعية تجعلك تشعر بأنك تقرأ عن أشخاص حقيقيين، لا شخصيات روائية من وحي خيال الكاتبة.

*أن تبقى:

14368861_10207083562383538_7546869383546663398_n

يقول المثل: “الثالثة ثابتة” و هااهي الرواية الثالثة لخولة حمدي تجيء مؤكّدة على براعة الكاتبة و خصب عقلها من خلال القضايا الحساسة المطروحة و طريقة تناولها لها و سلاسة أسلوبها الموسوم بالتؤدة و التأني ..

طرحت رواية “أن تبقى” العديد من القضايا الشائكة: كالهجرة غير الشرعية لأبناء الشمال الافريقي خاصة والعالم العربي عامة الى جنوب اوروبا (ايطاليا وفرنسا واليونان..) هربا من الحروب والصراعات والفقر والبطالة، بحثا عن الحياة.. و تطرقت خولة ايضا إلى مفهوم الارهاب ذلك المفهوم المطاط الذي طال فئة من المسلمين.. تناولت كذلك العنصرية وبشاعتها ضد اي دين او لون او جنس..

عرضت الرواية بشكل مميز الجانب الاخر لفرنسا وهو الجانب المظلم الظالم ،الجانب الذي تعرض له غيوم ميسو في روايته (بعد سبع سنوات)على استحياء..

توغلت الكاتبة في ذلك العالم السفلي المظلم للمشردين والمهاجرين غير الشرعيين ما يجعل القارئ يشعر بمعاناتهم اليومية و يتساءل ما الذي يدفعهم للذهاب الى هناك بمحض ارادتهم بل و يعانون في سبيل ذلك الأمرّين .. فإذا كانوا محظوظين في النجاة من مراكب الموت فسيحتاجون اضعاف هذا الحظ ليتمكنوا من العيش هناك..

تطرح الرواية رؤية لما سيكون عليه الوضع في فرنسا عام 2035 بناء على الاحداث الجارية في العالم حاليا مراوحة بين الماضي و المستقبل مراوحة سلسة ذكية .