الرئيسية الأولى - ملف الشاهد

السبت,13 أغسطس, 2016
في ذكرى الإغتيال ..عودة أصنام القاتل تثير رفات القتيل

الشاهد _ من المحزن ان تحل علينا ذكرى رحيل احد كبار زعماء الحركة الوطنية ودولة سبعطاش اربعطاش مازالت تنقل الاصنام ..تنفض عنها الغبار ..تبالغ في رفعها وتزيد في علوها حتى يرى الذبيح المسجى في الأرض صنم ذبّاحه يناطح السماء ، لا أحد منهم خالطه الخجل فوضع إلى جانب الأصنام الضخمة الشاهقة تمثال صغير لصالح بن يوسف ، فقط من باب التخفيف من حدة الفاحشة ، فاحشة التحرش بالشهداء و إهدار المال العام في إعادة تثبيت الأصنام ، تمثال وحيد صغير من الحجر أو الطين أو حتى من القش ، ليس بالضرورة في باب بحر ولا البحيرة ولا قرطاج ، لنضعه مثلا في حي التضامن أو الكرم لنضعه في حومة عربي حتى لا يراه ورثة الصنم الأكبر فيذكرهم بالجريمة .

لم يتوصّل أهل الاختصاص إلى رصد تعريف واضح لمفهوم الإغتيال السياسي، ولم يقع الإجماع على ماهيته إجماعا يشبع الباحث والمتابع، فباستثناء العمليات الجليّة التي تستهدف الساسة الكبار لغرض سياسي صرف فقد اختلف في الحالات الأخرى اختلافا كبيرا، منهم من ذهب إلى اعتبار أنّ أيّ عملية اغتيال يشتم منها رائحة سياسية من قريب كانت أو من بعيد بشكل مباشر أو غير مباشر تندرج بالضرورة تحت هذا المسمى، ومنهم من قصر الأمر على شخصيات باشرت أو هي تباشر العمل السياسي اغتيلت بخلفية سياسية صرفة…

بين تجاذب التعريفات هذا، وبين الاختلاف في هوية المصطلح وكنهه، أوجد الرأي العام مقاربة – انطلاقا من الواقع المعاش – استغنوا من خلالها على أهل الاختصاص متجاوزين من غير انتظار تشخيص المختصين لحالات الإغتيال المشتبه في أبعادها السياسية.

كما جنح الرأي العام إلى اعتبار الاغتيال السياسي جريمة وأطلق العنان لإدانتها دون التمعّن في خلفياتها وأسبابها ومسبباتها، غير أنّ هناك شقا من العامة والنخبة على حد السواء أيّدوا واستحسنوا بعض هذه العمليات مدفوعين بخلفيات ثقافية وسياسية وإيديولوجية وحتى اقتصادية.

كان للاغتيال السياسي قدم سبق عبر حقبات تاريخية طويلة، وامتد إلى رقع جغرافية متعدّدة شاسعة، فقد عرفه البيزنطيون والفراعنة والرومان والقرطاجيون والفينيقيون.. وقد تسرّب حتى داخل النّسيج القبلي المكوّن للرقعة الجغرافية الواحدة…

لسنا في موقع الغربلة والفرز وتقرير ما هو من جنس العمل وما ليس من جنسه، فهذا يتطلب عود على بدء للتعريفات العلمية والضبط الدقيق للمصطلح الذي هو أصلا مفقود أو يحكمه التجاذب، إنّما نحن بصدد تمهيد نعبر من خلاله إلى تناول بعض هذه الاغتيالات التي حدثت تحديدا في تونس ولعلها ترتقي إلى كونها الأشهر والأكثر إثارة عبر تاريخ تونس الحديث.

* بورقيبة وصالح بن يوسف

أربع سنوات وشهرين وثمانية أيام.. هل يمكن أن يكون لهذا الفارق الزمني أثر في تاريخ الأفراد وهل يمكن أن تحتوي هذه المدة على تجربة تحدث الفوارق في جوانب من حياة الناس؟!..، ليكن هذا أو ذاك؛ المهم أنّ هذه الفترة الزمنية هي التي فصلت بين ولادة بورقيبة وصديقه ثم رفيقه ثم غريمه ثم ضحيته صالح بن يوسف..

 

يمكن لنا أن نتحدث عن ثلاث مراحل أساسية مرت بها هذه العلاقة المثيرة للجدل التي كانت فاتحتها مرحلة التعارف والتآلف والكفاح المشترك ضد الاستعمار الفرنسي، هذه المرحلة التي تقول أحداثها وصورها الموثقة أن التكامل والصفاء – رغم ما شابها من توتر ما يلبث أن يزول – كان ميزتها، لكن لا أحد يجزم أنّ الصورة الخارجية لهذه العلاقة كانت تعكس ما في القلوب، ومهما يكن فإنّ نبل الهدف ووحدة المصير والطوباوية التي تميز جلّ بدايات العمل الثوري تقول أنّ اللوحة كانت زاهية والهمّ كان منصبّا نحو العدو المشترك.

ثم كانت مرحلة ثانية برزت حين عبّرت فرنسا عن رغبتها في فتح قنوات حوار جديّة ملوّحة بإمكانية التنازل إلى حدود الاستقلال الذاتي أو الداخلي وهذه مرحلة مختلفة عن سابقاتها، فأسلوب الحوار مع العدو شكل من أشكال النضال المتقدم له حساباته الخاصة والمعقدة والدقيقة، هنا بدأ التباين بين الرجلين يلقي بظلاله ويفصح عن عمقه شيئا فشيئا، وظهر بالكاشف أنّ الفرانكفوني غير العروبي، واتضح أنّ صالحا قد طلق فرنسا ثلاثا ونفض يده منها ولم يُبق على شعرة معاوية ولا حتى شعرة يزيد…

كان ابن يوسف يرغب في خروج فرنسا مطرودة ليهدم بعدها كل الجسور التي تنفذ منها إلى استعمار ثقافي أو اقتصادي تؤسر به دولته الفتية المحتملة..، لقد كان يعتبر العرب خاصرته التي يحتمي بها ويركن إليها وكان يدافع من أجل دولة يكون عمقها عربيا إسلاميا، وعلى خلاف ذلك كان بورقيبة يرغب في خروج مشرّف لفرنسا من تونس، لهذا لم يكن يستهويه كسر شوكتها بقدر ما استهوته علاقة خاصة مع دولة درس فيها وانبهر بنظامها العلماني وطبيعة الحياة المنفتحة التي تنصلت من كل القيود والأعراف، حتى وإن كانت هذه الدولة هي ذاتها مستعمر الأمس وزارع الموت والخراب والمأساة في مستعمراتها.

لعله من أسباب التوتر المبكر، ذاك الدور الذي لعبه صالح بن يوسف في عودة الشيخ عبد العزيز الثعالبي إلى أرض الوطن حين ألحّ على هذه العودة ورتب لها حتى أنّه سافر بنفسه إلى مرسيليا ليكون رفيقه في الرحلة ودخل الثعالبي البلاد يوم 5 جويلية 1937 وكان في انتظاره استقبال تاريخي حاشد.

في الحقيقة لم يكن حماس بن يوسف للثعالبي إلا ترجمة لتوجهاته العروبية الإسلامية ولم يكن نفور بورقيبة من الشيخ إلاّ دليلا على تباين كامل للخلفيات الفكرية لكليهما.

كان الانطباع السائد آنذاك يضع بورقيبة وصالح بن يوسف في مقدمة النواة الصلبة المستعصية ويضع الطاهر سفر والبحري قيقة في الحلقة الأضعف… إذ كان بورقيبة يشعر أنّ صالح مراهن شرس على زعامة يخطط للانفراد بها.

التباين الذي مهد للقطيعة

– بعد الحرب العالمية الثانية أصبح التباين واضحا حيث اقتنع صالح بن يوسف بأنّ فرنسا لن تستطيع مجابهة كل مستعمراتها مع ما خلفتها الحرب من تبعات إلى جانب متطلبات بناء ما هدم.

– وكان بورقيبة مقتنعا أنّه لا يمكن الحصول من فرنسا على شيء إلاّ عبر الحوار والتفاهم.

– 20 أوت 1952: ابن يوسف يعلن على منبر الأمم المتحدة مطلب الاستقلال التام عن فرنسا ورغبة تونس في السيادة الكاملة عن أراضيها.

– في نفس هذه المداولات بورقيبة يرسل رسالة لممثل باكستان في الأمم المتحدة يتناقض فيها مع مطالب بن يوسف ويقبل بحلف فرنسي تونسي.

– عندما كان صالح بن يوسف يتدبر صفقات السلاح مع المصريين كان بورقيبة يعطي وعوده للفرنسيين بأنّه قادر على إيقاف العمل المسلح.

– إثر عودة ابن يوسف يوم 13 سبتمبر 1955 حطت طائرته في مطار العوينة قادمة من روما، وكان في استقباله عشرات الآلاف وقيادات الحزب الحرّ على رأسهم بورقيبة بعد أن شكر هذا الأخير ابن يوسف، أثنى على الاتفاقية مع فرنسا واعتبرها خطوة للأمام.

– تناول بعده صالح الكلمة وأثنى على الحضور واعتبر الاتفاقية مع فرنسا خطوة إلى الوراء… كان هذا مؤشرا للطلاق بين رجلين وبين سياستين مختلفتين وبين مرحلتين.

– كان بورقيبة مسكونا بهاجس الزعامة وتشكل فكره على القيادة المنفردة وبالتوازي مع مجابهة الاستعمار كان منهمكا في نحت شخصية الزعيم.

وكان بن يوسف رجلا مؤسساتيا يرفض أن يعيش في جلباب الآخرين يبحث عن مؤسسة قوية يعمل في إطارها لا عن رجل قوي ينفذ قراراته… ولو كان مستسلما لزعامة مطلقة لاستسلم لعبد العزيز الثعالبي الذي أحبه وأعجب بخصاله المهيبة غير أنّ شخصية الثعالبي كانت تشكل له هاجس السلطة الأبوية.

اهتمّت لجنة المغرب العربي للعلاقة مع مصر والمشرق العربي عامة، (وهي – اللجنة – ذات خلفية عربية إسلامية تعمل داخل هياكل الحزب) بنوعية المطالب، بالعلاقة بالمجاهدين “الفلاقة”، بالعلاقة مع الثورة الجزائرية والقتال الدائر في المغرب…

وقد ساهمت كلّ هذه العوامل في تعميق الفجوة بين رئيس الحزب وأمينه العام صالح بن يوسف.

القطيعة

يمكن اعتبار خطاب جامع الزيتونة الشهير الذي ألقاه صالح بن يوسف في الثامن من أكتوبر أعقاب صلاة الجمعة بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير – كما يقال – وهو الذي أحد القطيعة الكاملة ودفع بفرنسا للضغط على الحزب حتى يقطع مع الإزدواجية وكان القرار بتجريد ابن يوسف من الأمانة العامة وطرده من الحزب.

وبإبعاد صالح بن يوسف إستجابة إلى رغبة الزعيم بورقيبة اتضح أنّ النخبة السياسية للحزب الحرّ الدستوري الجديد لم يكن لديها استعداد لبناء مؤسسات قوية تناضل في صلبها إنّما هي مستعدة لإيجاد زعيم تسير في ركابه وكان لها ما أرادت.

استمر صالح بن يوسف في نشاطه غير آبه بالإقالة وتمكن من رصّ صفوف أتباعه أو ما يسمى بالأمانة العامة واستطاع انتزاع أنصار الحزب الحرّ وأصبحت الأمانة العامة أكثر جماهيرية من الحزب فعمد بورقيبة إلى حيلة تبنى بمقتضاها مطالب صالح بن يوسف والأمانة العامة وانتهج نفس الخطاب حتى أنّه أعلن أمام الوفود العربية في مؤتمر صفاقس عن توجه تونس العروبي الإسلامي واعتزازها بذلك.

ثم كان أن تواطأت الحكومة مع الفرنسيين والحزب الحرّ على وجوب إسكات هذا الصوت فدبرت له مكيدة لم يكن أمام صالح بن يوسف حين اكتشفها إلا الخروج متخفيا والتحاقه بالقطر الليبي، أين قدّم اللجوء الذي قبل على الفور، ثم كانت رحلته الطويلة مع النضال في المنفى… خلال هذا المشوار كانت قناعة بورقيبة تزداد بأنّ ابن يوسف خطر على حكمه سواء كان هو داخل تونس أو خارجها وأنّ هذا الصوت لا بدّ أن يصمت وإلى الأبد.

 

الاغتيال

 

عندما انطلقت الرصاصات من كاتم الصوت عشية 2 جوان 1961 لتخترق جسد المناضل صالح بن يوسف فترديه قتيلا، كانت زوجة القتيل تترقبه في مقهى مجاور على أن يعود بعد نصف ساعة…

 

وبعد سنين من هذا الحادث الإجرامي الأليم، وحين كان الشعب يترقب من يرفع الحجاب عن تفاصيل الحدث مازال هناك من يريد أن يشوش على الذاكرة الوطنية فيهمس تارة ويعلن طورا أنّ المجاهد الأكبر لم يكن على علم بالعملية وهؤلاء الذين يريدون استغفال الملايين يعلمون حق العلم أنّ بورقيبة أنّب بعض رجاله المقربين حين أتاه مولودا لأنّه لم يخبره مسبقا بأنّ زوجته حبلى.. بل لم يكن أحد يجرؤ على مهاتفة أو إفشاء السلام على من طاله غضب الزعيم، فكيف بالذي يقتل أحد أعمدة الحركة الوطنية وخيرة رجالاتها بدون أمر ولا علم الرئيس…

 

لقد صوروا لوحة ساخرة لأحد أكبر عمليات الاغتيال السياسي في تاريخ تونس حين أعلنوا أنّ عبد الله الورداني وعلي ورق اغتالوا بن يوسف بتنسيق أو مباركة من بشير زرق العيون وأنّ المجاهد الأكبر لم يكن على علم وقد فاجأه الأمر، هذه أقوال وزراء مروا على البلاد رتعوا فيها كما يحلو لهم وقبل أن تغرب شمسهم يصرّون على دسّ الخرافات والقصص الواهية في ذاكرتها المثخنة بالبطولات المزعومة والجرائم المفتعلة والضحايا الأبرياء.

بما أنّ قدر الله نافذ لا محالة فقد كان اغتيال الرجل مكرمة له ووبال على خصومه لأنّه وباتضاح اللوحة في ما بعد بان بالكاشف أنّ صالح بن يوسف لم يكن له مكان في المشهد السياسي التونسي..،

 

شخصية هذا الرجل التي لم تذعن لهيبة الثعالبي ولا لدهاء بورقيبة وتعاملت معهم على حدّ السواء ما كان لها أن تكون من رجال الماجدة وسيلة وتحت حمايتها ولا أن تكون من حاشية مفيدة يتقرب بها الزعيم ويتقي شره بدخوله تحت وصاية ولاية إبنة أخته… لقد كان الرصاص أرحم لشخصية سامقة مليئة بالشموخ مثل صالح بن يوسف… لقد خُلق الرجل ليجابه المستعمر ويكابد سجونه لا ليكون مثل “الكثير” خيطا في ذيل ثوب نساء القصر…

نصرالدين السويلمي