كتّاب

الإثنين,11 أبريل, 2016
في الحاجة إلى هدنة سياسيّة ..

 

محمد الحمروني

وسط أجواء توحي بعودة التّصعيد من جديد للساحة الاجتماعية، تتواصل المعارك السياسيّة في بلادنا حامية الوطيس، وتكاد تخرج عن السيطرة في بعض الأحيان ، فتعطّل المسيرة التنمويّة وتشلّ العمل الحكومي وتذكّي نار الاضرابات والاعتصامات كما يحصل اليوم في العاصمة أو بعض أطرافها. وكأننا عدنا إلى نفس المربّعات قبل أحداث القصرين الأخيرة، مربّعات الصراع السياسي والتّجاذبات الحادّة التي تكاد تذهب بعُرَى الوطن، ونسينا – أو تناسينا – جوهر المطالب التي رُفعت خلال أحداث القصرين، وهي نفسها المطالب التي رفعتها الثورة والمتمثلة في التشغيل والتنمية ورفض التهميش.

صراعاتنا بلغت في بعض الأحيان درجات صبيانيّة، وباتت عبثيّة، وبتنا نختلف على كل شيء، من الثورة والحّرية والكرامة إلى بورقيبة وأولاد أحمد، وصلاة الجنازة… وضع يبعث، كما قال أحد الأصدقاء، “على القرف” من الساسة والسياسة والنخب السياسيّة التي أمست عناوين للبؤس ورموزا للتخلّف.

تأخذنا صراعتنا السياسيّة بعيدا، وتلقي بنا خلافتنا الإيديولوجيّة في غيابات العبث بمصالح الوطن، وعندما تصفعنا أحداث كالتي حصلت في القصرين أو غيرها من المناطق المحرومة والمهمّشة، نعود لنرفع شعار الهدنة الاجتماعية، ونستعيد الحديث عن خطورة الإضرابات على الوضع الاقتصادي، وعن التوظيف السياسي للمطالب الاجتماعيّة المشروعة. وننسى أن التوظيف رديف للمعاناة، وحيثما كانت مأساة سيكون هناك هناك توظيف، والحلّ ليس في لعن الظلام -كما يقال -، بل في إشعال شمعة وسط هذا البؤس الذي تعيشه العديد من الأوساط والجهات.

فلن نستطيع أن نتفرّغ للتنمية والتشغيل وتحفيز الاقتصاد، وإعادة تأهيل المناطق المهمّشة، ما دامت الحياة السياسيّة في بلادنا تشهد هذا الكمّ من المعارك والصراعات التي تستنزف جزءا كبيرا من المجهود الوطني. فشرط التنمية الاستقرار، ولن تستطيع أيّة حكومة مهما كانت قويّة أن تعمل وسط هذا الكمّ الهائل من الفوضى السياسيّة، ووسط حالة الاحتراب التي يعيشها المنتظم السياسي في بلادنا.

ولن تكون مقنعة العودة في كلّ مرّة للمطالبة هدنة اجتماعية، طالما ظلت الساحة السياسيّة في حالة حرب.. فالوضع الاجتماعي هو في جوانب كثيرة منه انعكاس للوضع السياسي في البلد، وما يحصل في الأحزاب وفي الحكومة وفي البرلمان من خلافات، نجد صداه في الإضرابات وقطع الطرقات والاعتصامات.

والفصل بين الاجتماعي والسياسي هو في الحقيقة فصل منهجي، وكلاهما في تداخل كبير ومعقّد مع الآخر، وهناك جدليّة تفاعلية بينهما.

نعم، هناك توظيف سياسي للإضرابات، وهناك أطراف سياسيّة لها امتدادات داخل النقابات، تقوم بتحريكها متى شاءت.

نعم، هناك تحريك للاعتصامات وتمويل لها، فالاعتصامات التي تجاوزت مدّة بعضها الأشهر تنفق في سبيلها أموال طائلة، كطعام وشراب وتوفير بعض المستلزمات الأخرى للمعتصمين حتّى يواصلوا ضغطهم على الحكومة.

ولكن، كلّ هذا ليس إلّا نتيجة، لما هو عليه الوضع في السياسي، هذه ليست إلّا تداعيات للوضع السياسي في البلاد، ولا يمكن أن نأمل في تهدئة اجتماعيّة والوضع في بلادنا على ما هو عليه الآن.

.. حتّى الجنائز، باتت مثار جدل، من ذكرى وفاة بورقيبة، إلى جنازة الصغيّر أولاد حمد، وكأن البعض منّا غير مستعدّ للتخلّي عن معاركه وخصوماته السياسيّة حتى وهو في المقبرة ما بين عالمين (الغيب والشهادة) وحتى وهو في أقسى لحظات الحزن، أو هكذا يفترض.

الأكيد أن البلاد في حاجة إلى هدنة اجتماعيّة، ولكن الأكيد أيضا أنّها في حاجة أكبر إلى هدنة السياسيّة، التي قد تفتح الباب في حال تحقّقها لهدنة وطنيّة شاملة.

نحن بحاجة إلى أن يرتقي وعي الساسة – أو بعضهم على الأقلّ – إلى مستوى اللحظة التي تمرّ بها البلاد والمنطقة عموما، وأن يسمُوا عن الخلافات والأحقاد والضغائن، فلن يهزم ماركس ابن خلدون في عقر داره، وديدون الفينيقيّة ستظلّ جزءا من تاريخ هذه الأرض، نفخر بها كما نفخر بالأميرة التونسيّة عزيزة عثمانة. ومثلما تعايشت حضارات بعضها فوق بعض على هذه الارض قدرنا ان نتعايش نحن أيضا مع بعضنا.

بورقيبة أراد أن يكون هو او لا أحد، فانتهى إلى ما انتهى إليه، والمخلوع طغى في الأرض واكثر فيها الفساد وظنّ أن لن يقدر عليه أحد حتّى جاءته الثورة، فأطاحت به وبالعديد من الأنظمة في المنطقة.

نحن بحاجة إلى تجاوز هذا المنطق في التعاطي مع الاخر، نحن بحاجة ماسة الى شكل من أشكال الالتقاء الذي يجمع مختلف مكوّنات الساحة السياسيّة مثلما اجتمعت في إطار الحوار الوطني، حتى نضمن تواصل نجاح تجربتنا الفريدة والمتميّزة في المنطقة وهو ما حوّلها إلى نموذج يحتذى. منطق الصراع والتنافي، وحالة الاحتراب السياسي والإعلامي، وهذا الخطاب المشحون، لن يفيد أحدا، لا حكما ولا معارضة، لأنّنا إن فشلت التجربة – لا قدّر الله – سنكون كلّنا خاسرون.