الرئيسية الأولى

الجمعة,5 أغسطس, 2016
فيصل القاسم : عاش بشار الأسد.. تسقط سوريا

الشاهد _درج النظام السوري كغيره من الأنظمة الشمولية على اختزال الوطن بشخص الطاغية، فأصبحت سوريا تسمى “سوريا الأسد” على اعتبار أن الرئيس هو الوطن، والوطن هو الرئيس، على مبدأ “أنا الدولة، والدولة أنا”. ومن الواضح أن القوى المتكالبة على سوريا استغلت هذه التوليفة السخيفة التي تدمج الوطن بالطاغية لتدمير سوريا باستخدام الأسد كمجرد واجهة. صحيح أن الرئيس السوري يبدو وكأنه محور القضية السورية. وصحيح أن وسائل الإعلام تصوره على أنه العقبة الكأداء التي تقف في وجه أي حل في سوريا. وصحيح أن الخلاف الأكبر بين المعارضين والمؤيدين يدور حول تنحي الاسد أو بقائه. وصحيح أن الروس والإيرانيين يربطون بقاء الأسد بأي حل يريدونه في سوريا. لكن مع كل ذلك، لا يشكل بشار الأسد إلا جزءاً صغيراً جداً من المسألة السورية التي باتت ذات أبعاد دولية وإقليمية وعربية متشعبة. الصراع على سوريا باختصار أكبر من الرئيس السوري بكثير، ولا يعدو بشار الأسد كونه سوى ستار دخاني رقيق لإخفاء معالم الصراع الحقيقية.

عندما ترى الروسي والإيراني والعربي والأمريكي والإسرائيلي يتصارعون عبر أدواتهم وعملائهم على الأرض السورية، لا بد أن تسأل: ما علاقة ذلك ببشار الأسد؟ هل يتقاتلون ويتنافسون من أجله؟ بالطبع لا، فالرئيس السوري ليس أكثر من رأس جبل الجليد في المحرقة السورية. ومن المعروف أن رأس جبل الجليد لا يشكل سوى عشرة بالمائة، إن لم نقل أقل من الجبل المختبئ تحت الماء. وكذلك الأمر بالنسبة لوضع الرئيس السوري. ولا بد للباحث بعمق في خفايا الوضع السوري أن يضحك كثيراً عندما يسمع البعض وهم يطالبون برحيل بشار الأسد، ويقدمونه على أنه العلاج الشافي للكارثة السورية، وكأن رحيله سيحل كل الصراعات الدائرة على الأرض السورية، وسيعيد سوريا إلى ما كانت عليه، أو ينقلها إلى الدولة الديمقراطية الوطنية المنشودة، أو سيحقق فوراً أهداف الثورة. ليتهم علموا أن المشكلة السورية لم تعد أبداً تتركز في تنحي الرئيس السوري أو استمراره في السلطة، وأن كل من يركز على تنحي بشار الأسد، ويقدمه على أنه أساس الحل، دون أن يغوص في خفايا الصراع السوري، إنما يشارك، بقصد أو بغير قصد، في تسخيف القضية السورية، وربما إخفاء النوايا الحقيقية للفيلة التي تتعارك على العشب السوري. فقد يتنحى غداً، لكن لا قيمة لتنحيه إلا إذا كان نتيجة توافق حقيقي بين القوى المتصارعة على سوريا، أو تقاسم للنفوذ. أما أن يتنحى بشار الأسد بينما الصراع دائر بين القوى المختلفة، فهذا لا يقدم ولا يؤخر شيئاً.

هل سيتصالح الإيرانيون والروس والصينيون ومجموعة بريكس والأتراك والأمريكان والعرب والإسرائيليون والأوربيون فوراً إذا تنحى الرئيس السوري؟ بالطبع لا. فهو لم يعد محور الصراع أبداً كي يساهم في إيصال السفينة السورية إلى بر الأمان، بل، كما أسلفنا، فقد غدا هو وجيشه مجرد ميليشيا من الميليشيات المختلفة المتقاتلة على الأرض السورية. ومما يؤكد أن شخصية الرئيس السوري فقدت قيمتها في الصراع السوري أن الإيرانيين يعترفون علناً بأنهم حكام سوريا الحقيقيون. وقد سمعنا المسؤولين الإيرانيين وهم يقولون إنه لولاهم لما بقي النظام شهراً واحداً. وهذا يؤكد أن القضية باتت أكبر وأعقد بكثير من رأس النظام.

 

ولا بد للعارف ببواطن الأمور أن يضحك كثيراً عندما يسمع الإعلام السوري وهو يتشدق بالصمود في وجه المؤامرة، وهو يصور النظام على أنه أفشل كل المخططات والمؤامرات. لا شك أن النظام يعلم جيداً أنه ليس أكثر من بيدق من البيادق المتصارعة على الأرض السورية، لكنه يقدم نفسه على أنه غيّر العالم بصموده. النظام يعلم علم اليقين أن الصراع في سوريا ليس من أجله أبداً، وأنه مجرد تفصيل بسيط جداً في المسألة السورية. كما يعلم أيضاً أن أهمية الصراع لا تنبع من صمود النظام أبداً، بل من أهمية سوريا وموقعها الاستراتيجي وثرواتها، ناهيك عن أهميتها الكبرى كممر لخطوط الغاز والطاقة بين الشرق والغرب. فالذي حمى النظام حتى الآن ليس جيشه ولا صموده المزعوم أبداً، بل الأطماع الروسية والإيرانية في صراعها مع القوى الأخرى التي تريد قطعة أو حصة من الكعكة الاستراتيجية السورية. وحتى الجيش السوري تحول إلى قوة مرتزقة يخوض حرباً بالوكالة ضد جماعات أخرى تعمل أيضاً لصالح أطراف أخرى تنافس الداعمين لبشار الأسد.

ولا بد أن تضحك أكثر عندما تقرأ لبعض السخفاء اللبنانيين وهم يتفاخرون بأن بشار الأسد صمد وغيّر العالم، وأنه لن يتنحى. لماذا لا يقولون لنا الحقيقة؟ هل هو الذي غيّر العالم، أم إن موقع سوريا الاستراتيجي وأهميتها الإقليمية والعربية والدولية هي التي جعلت الصراع بين العالم يصل إلى ما وصل إليه، وأن يخلط الأوراق ويغير التحالفات؟ صدقوني حتى لو كان رئيس سوريا اسمه زعيطو المحنفش كان سيحصل نفس السيناريو في سوريا بسبب القيمة الاستراتيجية للبلاد. الحقيقة أن الصراع بين المتصارعين على سوريا لم يُحسم بعد، وأن بقاء الأسد حتى الآن هو مجرد نتيجة لذلك الصراع على سوريا الاستراتيجية لا أكثر ولا أقل، وليس نصراً يمكن التفاخر به من قبل الممانعجيين وأبواقهم، ولا من قبل الإعلام السوري الذي يرفع إشارة النصر بينما وضع النظام في الواقع كوضع الجندي الذي فقد عينه وأذنه ورجليه ويديه، وتشوه وجهه تماماً، لكنه ما زال يكابر.

لو استطاع بشار الأسد أن يحسم الوضع لصالحه في نهاية الصراع سنبصم له بالعشرة أنه محور المسألة السورية وفارسها كما يدعي مؤيدوه، لكن، كما يعلم الجميع، فإن محصلة أي اتفاق نهائي في سوريا سيكون بمثابة تقاسم للنفوذ بين القوى المتصارعة على سوريا. وسيكون فريق بشار الأسد تابعاً ذليلاً لحلف معين تماماً كما سيكون معارضوه. هل تسمعون الإعلام السوري وهو يتحدث عن فلاديمير بوتين كما لو كان زعيم القومية العربية؟ هل تشاهدون النظام وهو يتحدث بصفته مجرد حجر شطرنج أو حتى مرتزق بيد داعميه كإيران أو مجموعة البريكس؟ فكما أن النظام يتهم معارضيه بأنه بيادق بأيدي الامبريالية الأمريكية، فهو غدا أيضاً باعترافه المفضوح مجرد بيدق بيد الامبريالية الروسية والصينية والإيرانية، إلا إذا كانت روسيا والصين وإيران جماعات خيرية، وتريد إنقاذ سوريا وشعبها ونحن لا نعرف ذلك. بعبارة أخرى، فإن التركيز المفرط على شخصية بشار الأسد في الصراع السوري مجرد ضحك على الذقون وحرف للأنظار عن الصراع الحقيقي.

بشار الأسد ليس أكثر من الشجرة التي تحجب الغابة. يلتهمون سوريا ويدمرونها، ثم يختبئون وراء صورة الطاغية، ويستخدمونه مجرد غطاء يخفون وراءه مشاريعهم وأطماعهم الحقيقية في سوريا، لهذا يريدون بقاءه على الساحة كواجهة، على مبدأ: عاش بشار الأسد، تسقط سوريا.