أهم المقالات في الشاهد - الرئيسية - سياسة - فن

السبت,13 يونيو, 2015
“فورين بوليسي” الأمريكيّة: كيف يجب أن “تحتوي” أمريكا تنظيم الدولة الإسلامية؟

الشاهد _ كتب أستاذ العلاقات الدوليّة بجامعة هارفارد الأمريكيّة ستيفان مارتن والت بمجلة “فورين بوليسي” المقال التالي:
لقد حان الوقت للتفكير في إمكانية مثيرة للقلق: ماذا يجب أن نفعل إذا فاز تنظيم الدولة الإسلامية؟ بواسطة “انتصارات،” أنا لا أقصد أن ينتشر كالنار في الهشيم في جميع أنحاء العالم الإسلامي، و في نهاية المطاف إقامة الخلافة من بغداد إلى الرباط وبعده. هذا ما يقول قادتها أنهم ذاهبون إلى القيام به، ولكن الطموحات الثورية ليست حقيقة واقعة وهذا الاحتمال هو بشكل خاص بعيد المنال. بدلا من ذلك، سيكون نصر الدولة الإسلامية يعني أن المجموعة احتفظت بالسلطة في المناطق التي تسيطر عليها حاليا و تحدت بكل نجاح الجهود الخارجية الساعية إلى”إضعافه وتدميره”. لذا فإن السؤال هو: ماذا نفعل إذا أصبح تنظيم الدولة الإسلامية دولة حقيقية ويثبت قوة البقاء الحقيقي؟
و يعتبر هذا الاحتمال الأرجح في هذه الأيام، نظرا لعدم قدرة بغداد على شن هجوم مضاد ناجح. إذا كان مدير معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا “باري بوسن” هو الصحيح (وهو عادة ما يكون)، فإن الجيش العراقي لم يعد موجودا كقوة مقاتلة ذات مغزى. وهذا لا يكشف فقط عن فشل جهود الولايات المتحدة لتدريب القوات العراقية (وفشل جماعي من جميع القادة الذين قادوا هذه الجهود وحافظوا على تقديم تقديرات متفائلة من التقدم)، ولكنه يعني أيضا أن التدخل الأجنبي فقط على نطاق واسع هو من المرجح في نهاية المطاف لدحر والقضاء على تنظيم الدولة الإسلامية. و هذا لن يحدث ما لم يكن هناك تحالف من الدول العربية يوافق على تكليف الآلاف من قواتهم لخوض المعركة، لأن الولايات المتحدة الأمريكية لن و لا ينبغي عليها القيام بالقتال من أجل الدول التي تعتبر حصتها في النتيجة يتجاوز حد ذاته.
لا تفهموني خطأ – سأكون مسرور مثل أي شخص إذا كان تنظيم الدولة هزم بشكل حاسم ورسالته العنيفة فقدت مصداقيتها تماما. ولكن المرء يحتاج إلى تخطيط ليس فقط لما يود المرء أن يحدث، ولكن أيضا من أجل إمكانية حقيقية جدا لأنه لا يمكننا أن نحقق فعلا ما نريد – أو على الأقل ليس بتكلفة التي نعتبرها مقبولة.
فماذا نفعل إذا نجحت الدولة الإسلامية في التشبث بأراضيها وتصبح دولة حقيقية؟ يقول “بوسن” أن الولايات المتحدة (فضلا عن غيرها) يجب أن تتعامل مع الدولة الإسلامية بنفس الطريقة التي تعاملت بها مع غيرها من حركات بناء الدولة الثورية: مع سياسة الاحتواء. أوافق.
و على الرغم من تكتيكاتها المتعطشة للدماء والشنيعة، فإن الدولة الإسلامية، في الواقع، ليست ممثلا عالميا قويا. رسالتها تجذب مجندين بين الشباب المهمشين في البلدان الأخرى، ولكن ربما جذب 25.000 من الأتباع السيئي التدريب من سكان العالم بأكثر من 7 مليارات ليست كبيرة إلى هذا الحد. بل انه قد يكون ربحا صافيا إذا غادر هؤلاء الناس بلدانهم الأصلية ومن ثم الحصول على تجربة الحقائق القاسية من الحكم الجهادية. وسوف يدرك بعضهم أن تنظيم الدولة الإسلامية هو وحشي وظالم و وصفة لكارثة. أما البقية فسيتم عزلهم و وضعهم في مكان واحد بدلا من إثارة المشاكل في المنزل.
و الأهم من ذلك أن حفنة من الأجانب يتدفقون للقتال تحت راية الدولة الإسلامية، ليست سوى جزء صغير من المسلمين في العالم، وتظهر الرسالة الجهادية المتطرفة القليل من العلامات التي تذكر على الفوز بدعم كبير في هذه الفئة من السكان الكبيرة والمتنوعة.
أنا لست ساذجا. إن واحدا من المسافرين التابعين للتنظيم مما لا شك فيه قام بأعمال إرهابية وسبب أشكالات أخرى من الاضطرابات في أماكن مختلفة. ولكن هذا بعيد كل البعد عن أن تكون الدولة الإسلامية قادرة على الإنتشار طوعا أو كرها في جميع أنحاء العالم الإسلامي. و من الواضح أن المجموعة لديها القدرة على التسبب في اضطرابات خارج الحدود الصحراوية التي تسيطر عليها حاليا، لكنها لم تظهر حتى الآن قدرة كبيرة للتوسع خارج السكان السنة بالغربة في غرب العراق وشرق سوريا.
وعلاوة على ذلك، أراضي تنظيم الدولة “داعش” لا يملك سوى القليل من الموارد والقوة الصناعية الصغيرة. و قواتها العسكرية، على الرغم من كفاءتها في القيادة، إلا أنها ليست تلك القوة العظمى (أو حتى قوة إقليمية). و تواجه الدولة الإسلامية مقاومة قوية كلما كان يحاول التحرك خارج المناطق السنية خارجية (على سبيل المثال، في كردستان أو التي يسيطر عليها الشيعة في بغداد)، حيث أنه لا يمكن استغلال استياء السكان المحليين ضد بغداد أو دمشق.
تواجه الدولة الإسلامية عقبة هامة أخرى: إنه لم يعد يتمتع بميزة المفاجأة. وظهر فجأة من فوضى ما بعد غزو العراق والحرب الأهلية السورية، وأنها ظهرت في صور الزواج المتطرفة من الإسلام وبعض أبرز المسؤولين البعثيين السابقين الذين يعرفون كيفية إدارة دولة بوليسية. و قد كانت هذه التركيبة فعالة بشكل مدهش، تماما كما كان الجيش العراقي (لم يكن مفاجئا) فاسدا وغير موثوق به. ولكن إمكانات الدولة الإسلامية لإثارة المتاعب واضحة الآن، والدول العربية، من الخليج العربي إلى مصر وخارجها، الآن سوف تقطع أشواطا هامة للتأكد من أن نموذج الدولة الإسلامية لا يترسخ في مجتمعاتهم. (ليبيا هي مسألة أخرى، بعد التدخل الغربي التهور هناك، ولكن ظهور استنساخ الدولة الإسلامية هناك أيضا هي مشكلة قابلة للاحتواء).
الآن لنتخذ قفزة خيالية، لنفترض أن تنظيم الدولة أمكن احتواءه ولكن ليس الإطاحة به وأنه يخلق في النهاية مؤسسات الحكم الدائمة. كما يليق بمجموعة بنيت في جزء منها على حزب البعث الثيوقراطي السابق، فإنه قد أدى إلى إنشاء الهياكل الإدارية للدولة: جباية الضرائب ومراقبة حدودها، وبناء القوات المسلحة والجماعات المحلية، إلخ. علاوة على ذلك، البعض من جيرانها اعترفوا ضمنيا بهذا الواقع من خلال غض الطرف عن التهريب الذي من شأنه أن يحافظ على الدولة الإسلامية في مجال الأعمال التجارية. و إذا استمر هذا الوضع، حتى متى سيكون ذلك قبل أن تبدأ دول أخرى في الاعتراف ب “الدولة الإسلامية” كحكومة شرعية.

قد يبدو هذا غير معقول، ولكن تذكر أن المجتمع الدولي كثيرا ما حاول عزل الحركات الثورية، فقط بغية الاعتراف و لو على مضض منهم مرة واحدة أن إقامة السلطة الخاصة بهم قد ثبت. و رفضت القوى الغربية الاعتراف بالاتحاد السوفياتي لعدة سنوات بعد الثورة البلشفية عام 1917، وان الولايات المتحدة لم تقم بذلك حتى عام 1933. و بالمثل، فإن الولايات المتحدة لم تقم علاقات دبلوماسية كاملة مع الحكومة من أكثر الدول تعدادا للسكان في العالم – جمهورية الصين الشعبية – حتى عام 1979، 30 سنة كاملة بعد تأسيس جمهورية الصين الشعبية. و في ضوء هذه (وغيرها) السوابق، هل يمكننا أن نكون على يقين من أن الدولة الإسلامية لا يمكن في يوم من الأيام أن تصبح عضوا شرعيا في المجتمع الدولي، مع مقعد في الأمم المتحدة؟

 

 

ربما، سأقول لكم، أن السلوك الهمجي الذي ينتهجه تنظيم الدولة – استعباد النساء وتعذيب المدنيين، قطع رؤوس الرهائن – سوف يقصيه إلى الأبد من مجتمع الدول المتحضرة. أليس من المرجح أن قادتها ستوضع في نهاية المطاف في قفص الاتهام في المحكمة الجنائية الدولية من خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة؟ سيكون من الجميل أن أعتقد ذلك إذا، ولكن التاريخ يوحي بدرس أكثر سخرية.

أولئك البريطانيين يا ما بين الأناقة والحضارة نتمتع بمشاهدتهم على “داون تاون آبي”؟ خلقت أسلافهم المملكة المتحدة من خلال أعمال عنف وحشية من القهر والغزو (مثل أي دراية ب”الويلزي” أو “سكوت” يمكن أن أخبركم). أولئك الأميركيين الأبطال الذين وسعوا “إمبراطورية الحرية” في جميع أنحاء أمريكا الشمالية؟ ذبحوا واغتصبوا وجوعوا الهنود للوصول إلى هناك – وجمعوا الكثير من فروات الرأس على طول الطريق. البلاشفة و الماويين الذين أسسوا الإتحاد السوفياتي سابقا وجمهورية الصين الشعبية؟ أنهم لم يوطدوا السلطة بالحسنى، ولا فعل الوهابيون تحت ابن سعود أو الصهاينة الذين أسسوا إسرائيل. كما قدم الراحل تشارلز تيلي بجلاء في كتابه التاريخي “الإكراه، رأس المال، ودول أوروبا”، وقد تم بناء دولة مؤسسة وحشية لعدة قرون، والحركات التي بنت دولا جديدة في الماضي، فعلت الكثير من الأمور التي كنا ندينها الآن كهمجية تماما. (و دعونا لا ندعي أن المجتمعات “المتقدمة” هذا اليوم هي موحدة الأناقة أو الأخلاق أيضا. تفجير بريء في هجوم طائرة بدون طيار يسيئ الهدف، هو فقط مجرد بقدر ما هو ضحية كشخص ما قطع رأسه بوحشية من قبل تنظيم الدولة الإسلامية).

لقد تغيرت القواعد و “مقبول” سلوك الدولة بشكل كبير خلال القرن الماضي، والذي هو السبب في أننا نعتبر بحق سلوك تنظيم الدولة بأنه بغيض وخاصة اليوم. مشيرا إلى أن غيرها من بناة الدولة تصرفوا بشكل سيئ في الماضي ولا يعتذرون ولا يبررون ما يقوم به الجهاديين اليوم في العراق وسوريا. و لكن هذا التاريخ الطويل لا تذكرنا بأن الحركات التي كانت قد تجاوزت الحدود تنتهي أحيانا بالقبول والشرعية، إذا تمكنوا من التشبث بالسلطة لفترة طويلة.

أن تكون مقبولا في مجتمع الأمم، ومع ذلك، الحركات الراديكالية أو الثورية هي في نهاية المطاف ذاهبة إلى التخلي عن بعض (إن لم يكن كل) من ممارساتها الشرسة، كما أشار كينيث والتز قبل أكثر من 30 عاما، في نهاية المطاف جميع الدول الراديكالية تصبح “اجتماعية في النظام.” وبمرور الوقت، فإنها تعلم أن طموحات أيديولوجية متكلفة بها لن تتحقق، وأن الإخلاص لا هوادة فيه لأهداف الثورة الأصلية، و هو تكلفة، نتائج عكسية، وربما تهدد بقاءه على المدى الطويل. و داخل الحركة، الأصوات التي تظهر بعد ذلك تدعو إلى حل وسط، أو على الأقل اتباع نهج أكثر واقعية للعالم الخارجي. و بدلا من “الثورة العالمية”، فإنه يحين الوقت لبناء “الاشتراكية في بلد واحد.” وبدلا من نشر “الجمهورية الإسلامية”، يصبح الوقت لعقد صفقات مع كلا القوى العظمى والصغرى الشياطين. إن الدولة الجديدة تتكيف تدريجيا إلى المعايير والممارسات الدولية السائدة، وأنها تتحرك في نهاية المطاف من منبوذة إلى شريك، وخصوصا عندما تبدأ مصالحها لتتزامن مع مصالح الدول الأخرى. و قد يكون وجودها لا يزال مزعجا في السياسة العالمية، ولكنها لم تعد كذلك. و إذا استطاعت الدولة الإسلامية أن تنجو و تتماسك، هذا هو ما أتوقع أن يحدث لها لأنها كذلك.

و لكن لا نخطئ: هذه العملية من “التنشئة الاجتماعية” لا تحدث تلقائيا. الدول الراديكالية لا تعلم أن سلوكا بهائميا هو مكلف ما لم تضم دول أخرى قوات لفرض العقوبات اللازمة. و إذا نجح تنظيم الدولة في التمسك بالسلطة، فإنه يقوم بتعزيز مكانتها، وخلق حالة الفعلية الحقيقية في ما كان في السابق جزءا من العراق وسوريا، ثم الدول الأخرى سوف تحتاج إلى العمل معا من أجل تدريسه وقائع الحياة في النظام الدولي. و لأن تنظيم الدولة لم يكن في الواقع قويا، للحيلولة دون توسيع أو زيادة قوته وفرض تكاليف سلوكه البغيض لا ينبغي أن يكون كل ذلك من الأمور الصعبة.

المهمة الرئيسية لفن الحكم الأمريكي، لذلك، يجب أن يكون لتنسيق و دعم حملة دولية للاحتواء التي من ضمنها الفاعلون المحليون مثل المملكة العربية السعودية والأردن وتركيا، وإيران – التي لديها مصلحة كبرى – تأخذ الدور القيادي. وهذا يعني أيضا مساعدة الآخرين في مواجهة جهود التنظيم الرامية إلى نشر رسالته، إقناع الدول الأخرى إلى بذل المزيد من الجهد للحد من مصادر إيراداته، و في انتظار تجاوزاته لتقويضه من الداخل.

ترجمة خاصة بموقع الشاهد