مقالات مختارة

الخميس,13 أغسطس, 2015
فورين أفيرز: العالم الإسلامي ليس في حاجة إلى التنوير الغربي

الشاهد _ لا يُحدِّثنا عن إريك هوبزباوم بشكل أفضل من تلامذته، أو محبيه، سوى واحد من ألدّ أعدائه. فهوبزباوم، المؤرخ البريطاني الذي ولد في مصر في السابع من شهر يونيو من عام 1917، وهو العام نفسه الذي اندلعت فيه الثورة البلشفية في روسيا، محظوظٌ بخصومه، ليس لأنهم يمدحونه؛ بل، على العكس من ذلك، لأنهم يجاهرون بكراهيته ولا يكتمونها. كتب المؤرخ البريطاني الليبرالي، مايكل بيرلي، في يوم وفاة هوبزباوم، الموافق الأول من شهر أكتوبر من عام 2012، في صحيفة ذا تلغراف، مقالًا بعنوان: “إريك هوبزباوم: مؤمنٌ باليوتوبيا الحمراء حتّى آخر لحظة”، يقول فيه: “يخبرنا رفض هوبزباوم العنيد للعودة عن آرائه، عندما تواجه بعواقبها البشعة، بشيء عن العقلية العداونية عند قطاع عريض من اليسار البريطاني”. يعبِّر هذا الخصم اللدود عن إصرار هوبزباوم على وجهات نظره المعادية للمأخذ الليبرالي، إن للتاريخ أو السياسة. ما يتفق عليه حلفاء وأعداء هوبزباوم أنه لم يكن فقط المؤرخ البريطاني الأكثر شهرة في القرن العشرين، لكن أيضًا المؤرخ الأحمر الأشد إزعاجًا للأروقة الأكاديمية الأوروبية.

 

هذه هي البداية المناسبة لنقد مقدّمة مترجم الطبعة العربية لكتاب هوبزباوم “كيفية تغيير العالم: حكايات عن ماركس والماركسية” (2010)، حيدر حاج إسماعيل، قبل الترحال في ثنايا الكتاب. لقد قام المترجم، في مقدّمته، بمحاولات تتراوح بين التنصل من الكتاب وتدجينه، فهو يريد أن يخبرنا، في البداية، أن ترجمته للكتاب شأن علمي بحت، لا علاقة له بالأيديولوجيا، وأن جامعة جون كارلوس، في مدينة كليفلاند (الولايات المتحدة)، وهي جامعة يسوعية، تدرِّس كارل ماركس فهو “جزء لا يتجزأ من الثقافة الغربية خاصة، والعالمية عامة”، ومن هنا يقول: “للقراء الأعزاء المؤمنين بالعقائد الدينية: لا خوف على المؤمنين ولا هم يحزنون، فالضدّ يظهر حسنه الضدُّ”، ثم يريد أن يخبرنا في النهاية أنه يمكننا الحديث عن “الغياب المطلق للماركسية الكلاسيكية أو موتها [في دوائر المعرفة الماركسية المعاصرة]”. وبين هذا وذاك يروّج، في لِباس موضوعي، لأفكار من قبيل أن “الدولة الرأسمالية واقع” وأنه ينبغي علينا العمل من “داخل مؤسسات الدولة الرأسمالية المعاصرة” ورفض دكتاتورية البروليتاريا، وأن هذه هي أيديولوجيا الأحزاب الشيوعية في أوروبا، وأن هذا هو ما انتهت إليه الماركسية. لكنه لا يأتي على ذكر أيديولوجيا الحركات اليسارية الراديكالية التي تتكاثر في القارة العجوز يومًا بعد آخر، ولا على أسماء مفكرين شيوعيين معاصرين كآلان باديو وسلافوي جيجك. وعدا الصفحتين الاستهلاليتين، لم تتناول المقدّمة (24 صفحة) أي شيء عن الكتاب المترجَم، أو عن مؤلِّفه، أو غير ذلك مما اعتاد المترجمون أن يكتبوه في ناصية الأعمال المترجمة. لقد أراد المترجم، كما يبدو، أن يقف على أبعد مسافة ممكنة من هوبزباوم، المؤرخ الأحمر.

يضم “كيفية تغيير العالم” (والعنوان مضلل بعض الشيء) ستة عشر فصلًا، هي دراسات كتبت في الفترة بين 1956 و2009، تتضافر فيها المادة الأرشيفية الموسوعية، المعروفة عن هوبزباوم، بالمنهجية التحليلية الثاقبة، لتقدّم تاريخًا لماركس والماركسية. وأبطال هذه الفصول هما ماركس وإنجلز، وبشكل أقل غرامشي. لكن، لمّا كان من الصعب تقديم مسح لكافة النقاط الأساسية في الكتاب (461 صفحة)، نظرًا لغزارة المعلومات التي ينبغي التمهيد بها إلى النقاط المستخلصة، ولأن الكتاب يأتي في هيئة معلوماتية وأرشيفية بالأساس؛ فإن هذه المراجعة سوف تتطرق إلى نقطتين قابلتين للتلخيص دون إخلال، ومهمتين على نحو استثنائي.

حكاية البيان الشيوعي: الخيار بين الاشتراكية والبربرية

لا يزال يُلهم البيان الشيوعي، أو المانيفستو، الكثيرين، كوثيقة سياسية، وكنص أدبي لاذع. ولا تضاهى به، منذ صدوره في شهر فبراير من عام 1848، أي من المناشير السياسية التي ذاعت فيما بعد، “ولا شك في أن هذه الكراسة الصغيرة هي أكثر نص سياسي مفرد تأثيرًا، منذ إعلان الثورة الفرنسية التي مثلت كونها: إعلان حقوق الإنسان والمواطن” (ص 122). جاءت صورته الأولى في ثلاث وعشرين صفحة، وفي العام نفسه أعيد تنضيده وتصحيحه، فصار يتألف من ثلاثين صفحة، ثم أردف بسلسة من المقدمات كتبها كل من ماركس وإنجلز، وبعد مرور أربعين سنة على إصداره كان قد ترجم إلى ما يقارب الثلاثين لغة (ص 122-124). كان قرّاء البيان حتى ذلك الوقت شريحة مهتمة بالتنظير، لكن فيما بعد، و”اقتداءً بلينين، صار من المفترض أن يكون جميع القادة، منظِّرين مهمين؛ لأن جميع القرارات السياسية تُسوَّغ استنادًا إلى تحليل ماركسي، أو عبر الإشارة إلى مرجعية نصيّة من “الآثار الكلاسيكية الماركسية الممتازة”: آثار ماركس، وإنجلز، ولينين، وفي السياق المناسب ستالين” (ص 125)، “ولأن دولة كبرى أعلنت أنها تمثِّل الأيديولوجيا الماركسية؛ فإن مركز البيان كنص مكتوب قد تعزز في العلم السياسي، فدخل في البرنامج التعليمي للجامعات، واتجه نحو التوسّع السريع بعد الحرب العالمية الثانية، حيث وجدت ماركسية القراء المفكرين جمهورها الحماسي في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين (ص 126). ومنذ الحرب الباردة لن “ينشر البيان من قِبَل محررين شيوعيين أو سواهم، وإنما من قِبَل ناشرين لا سياسيين على شكل سلاسل طباعية متواصلة، وفيها مقدِّمات بأقلام أكاديميين بارزين. وباختصار لم يعد مجرد وثيقة ماركسية من الطراز الأول فقط، بل أصبح وثيقة كلاسيكية سياسية مختارة” (نفسه). وليس الكلام الآن عن البيان الشيوعي بهدف “العودة إلى قرنٍ من النقاشات العقيدية التي دارت حول التفسير “الصحيح” لهذه الوثيقة الأساسية للماركسية؛ [بل] الهدف يتمثَّل في تذكير أنفسنا أن البيان لا يزال ينطوي على الكثير مما يمكن أن يقوله للعالم، في عشية القرن الحادي والعشرين. فما الذي عليه أن يقول؟” (نفسه).

 

يضيف هوبزباوم: “لقد قُرئ البيان الشيوعي وفهم على أنه بصورة رئيسة وثيقة حتمية تاريخية، واستمدت قوتها فعليًا بمقدار كبير من الثقة التي ولَّدها لدى قرائه بأن الرأسمالية محتومة وحتمية لا مهرب من أن تُدفن من قِبَل حفّاري قبرها، وأن الآن وليس في عصر سابق في التاريخ جاءت ساعة التحرير. وخلافًا للافتراضات الشائعة، التي تقول إن البيان الشيوعي يعتقد أن التغيّر التاريخي يكون من صنع البشر وهم يصنعون تاريخهم، فإن البيان ليس بوثيقة حتمية. فالقبور لا بدَّ من أن يحفرها العمل الإنساني وعبره” (ص 136). من هنا، فإن “البيان الشيوعي، حالتئذ، لا يكون وثيقة فيها تصور للمستقبل – وهذه ليست أقل صفة من صفاته الرائعة. فقد أمِلَ أن يكون حاصل التطور الرأسمالي “إعادة بناء ثورية للمجتمع ككل”، لكنه، وكما سبق أن رأينا، لم يستثنِ الخيار البديل، ألا وهو: الخراب المشترك. بعد ذلك بسنوات أعاد ماركسيّ آخر صياغة ذلك بالقول إنه خيار بين الاشتراكية والبربرية. فأي واحد منهما سيفوز ويسود؟، سؤال على القرن الحادي والشعرين أن يجيب عليه” (ص 137).

في وجه الفاشية: تغير تكتيكي أم تأكيد شيوعي

لعل أهم ما يثار بخصوص هذا الأمر هو أن الفاشية لم تكن “مجرد تهديد سياسي. فالقضية المطروحة كانت قضية مستقبل الحضارة كلها. فإذا تمكنت الفاشية من شطب ماركس، فإنها تكون في الوقت نفسه قد شطبت فولتير وجون ستيوارت ميل. فقد رفضت الليبرالية بعنادٍ مثل رفضها للاشتراكية والشيوعية. ورفض إرث القرن الثامن عشر كله، وعصر التنوير مع جميع الأنظمة التي من الثورتين الأمريكية والفرنسية، والثورة الروسية أيضًا. وبمواجهة الشيوعيين والليبراليين العدو نفسه والتهديد نفسه الرامي إلى إفنائهم، كان لا محيص لهم من الدخول في معسكر واحد […] في القتال ضد الفاشية كانت الشيوعية والليبرالية بمعنى عميق تقاتلان لقضية واحدة، فضلًا عن الحقيقة الواضحة والمفيدة أن كليهما احتاجا بعضهما في ظروف ثلاثينيات القرن العشرين، فما فعله ستالين كان مسألة روسية، مهما كانت مروعة، في حين كان الذي فعله هتلر تهديدًا لكل مكان” (ص 269).

لكن أثار هذا القتال ضد الفاشية نقاشات عديدة في الداخل الماركسي، وفي النقاش حول مدى صلاحيته للتعبير عن معادلة “طبقة-ضد-طبقة”، وهل هو تغير تكتيكي في الاستراتيجية الشيوعية أم تأكيد لها، وغير ذلك من الأسئلة؛ إلا أنه “في التحليل الأخير، كانت الأولوية متمثلة في القتال ضد الفاشية عند معظمهم.. أما بالنسبة إلى لمفكرين الماركسيين كبار السن منهم والشبان، فلم تكن مقاومة الفاشية بوضوح غاية في ذاتها. فقد سوغت عبر إسهامها في القضاء على الرأسمالية العالمية في نهاية المطاف، أو على الأقل في القضاء على قسم كبير من الرأسمالية في العالم. ومع ذلك نقول بمعنىً واقعي إنها لم تكن لتحتاج مثل ذلك التسويغ. فمهما جلب المستقبل من شر فالفاشية شرٌّ منه، ومقاومته واجبة. فهناك جيل من المفكرين وفد إلى الماركسية في زمن الصراع ضد الفاشية، وفي غضونه، وفي أوقات هبوط الظلام. والأحياء الباقون منهم شعروا بخيبة أمل في معظم الأحيان. فراحوا ينقبون في ماضيهم ليروا إذا كانوا مخطئين، وما هي أخطاؤهم، أو ما الذي أضرَّ بآمالهم العالية. والعديد منهم توقف عن أن يكون ماركسيًا […] وبالنسبة إلى البعض [فإن القتال ضد الفاشية] يمثِّل الجزء الوحيد من ماضيه السياسي الذي ينظر إليه بعد خمسين سنة برضًا تامٍ يفوق الوصف” (ص 306).

وما قد يكون مهمًا وملهمًا فيما يتعلق بالنقاشات الماركسية حول مواجهة الفاشية هو مدى الذكاء السياسي والأيديولوجي في تحليل الظاهرة الفاشية وخصائصها عند الكثير من النُخَب الماركسية وقتئذ، وربط ذلك بالاستراتيجية الشيوعية.

 

في دراسته الختامية، “ماركس والعمّال: القرن الطويل”، يقول هوبزباوم:

“الليبرالية الاقتصادية والسياسية، بمفردها أو مع غيرها، لا تستطيع أن توفر حلًا لمسائل القرن الحادي والعشرين؛ لذا: آن الأوان من جديد للنظر إلى ماركس نظرة جدّية” (ص 396).

محمد الدخاخني



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.