وطني و عربي و سياسي

الخميس,14 يناير, 2016
فهمي هويدي: أم العجائب فى تونس

الشاهد_لم تعد تونس بلد الاستثناء العربى فحسب، ولكنها صارت بلد الأعاجيب السياسية أيضا. صحيح أنه بالمعايير النسبية فإن إفلات تونس من المقصلة التى نصبت للربيع العربى فى أجواء «تسونامى» الثورة المضادة المخيمة يرتقى إلى مستوى الأعاجيب إلا أنها شهدت هذا الأسبوع حدثا آخر يرشح لأن يصبح «أم الأعاجيب» فى العالم العربى.

 

ذلك أننا نعرف أن حزب «نداء تونس» الحاكم الآن كان قد تشكل فى عام ٢٠١٢ بهدف تحدى حركة النهضة ذات المرجعية الإسلامية التى فازت بالأغلبية فى انتخابات عام ٢٠١١. ولأنه كان خصما للنهضة فقد جذب كل خصومها من علمانيين وليبراليين ويساريين وقوميين وغيرهم. وما عاد سرا أن الدول والتيارات السياسية المخاصمة للإسلام السياسى قدمت للنداء كل صور الدعم التى تخطر على البال، وكان الحزب واضحا فى موقفه حيث أعلن صراحة أنه يتبنى إيديولوجيا علمانية ليبرالية قومية وانه يؤمن بفضل الدين عن السياسة ويهدف إلى إقامة مجتمع تونسى ديمقراطى ومدنى. بهذه التركيبة السياسية والروح المخاصمة لحركة النهضة خاض الحزب الانتخابات التشريعية التى أجريت فى عام ٢٠١٤، وحقق الفوز بالأغلبية فيها. وهو ما أزاح حركة النهضة، التى احتلت المرتبة الثانية بين الأحزاب الممثلة فى البرلمان وليس الأولى. وهى النتيجة التى استقبلت بحفاوة بالغة من جانب كل خصوم الإسلام السياسى فى داخل تونس وخارجها. حتى تحدثت بعض التعليقات عن غروب شمس حركة النهضة ودخول تونس فى مسار إقصاء الإسلام السياسى وهزيمته فى تكرار لما جرى فى بعض الدول العربية الأخرى.

 

ولأن حزب النداء يفوز بالأغلبية المطلقة، إذ حصل على ٨٩ مقعدا فى البرلمان الذى يضم ٢١٧ عضوا، فإنه كان مضطرا للتوافق مع حركة النهضة التى حصدت ٦٩ مقعدا. وهو ما فتح الباب للتفاهم بين زعيمى الحزبين، الباجى قايد السبسى مؤسس حزب النداء، وزعيم حركة النهضة راشد الغنوشى. وحقق ذلك التفاهم نجاحا أدى إلى التوافق فى انتخاب السبسى للرئاسة، وفى تشكيل الحكومة ورئاسة البرلمان. وفى ظل حنكة الرجلين وما تمتعا به من عقل ومرونة، هدأت نار الخصومة وساد جو من التفاهم سمح للتجربة أن تتواصل وان تصمد أمام العواصف التى هبت فى الداخل والضغوط التى مورست من الخارج. إلا أن التفاهم الذى تحقق أزعج دوائر عدة داخلية وخارجية كانت قد راهنت على وقوع الطلاق والانتهاء بالإقصاء. وكان غلاة اليسار فى حزب النداء على رأس هؤلاء ومعهم غلاة العلمانيين. إذ ظل هؤلاء طول الوقت ضد أى تفاهم مع حركة النهضة، الأمر الذى دفعهم إلى التململ والتمرد، ثم الانشقاق والاستقالة من «النداء» ومجموعته البرلمانية الأمر الذى أفقده الأغلبية التى أصبحت من نصيب النهضة. واتجه هؤلاء إلى تشكيل حزب جديد قاد الدعوة إليه الأمين العام السابق لحزب النداء، وهو من رموز اليسار.

 

 

فى هذه الأجواء عقد حزب النداء مؤتمره الأول يوم السبت الماضى ٩ يناير. وكانت المفاجأة أن الشيخ راشد الغنوشى الذى كان خصما قام الحزب لإسقاط حركته، دعا إلى حضور المؤتمر وقام بمخاطبة أعضائه. وقد وقعت على وصف للقاء كتبه الصحفى التونسى المستقل صلاح الدين الجورشى ذكر فيه ما يلى: هناك مسألتان لفتتا أنظار المراقبين وأثارتا ردود فعل واسعة فى مواقع التواصل الاجتماعى. الأولى الاستقبال الحار الذى حظى به رئيس حركة النهضة من قياديى حزب نداء تونس وقواعدهم. والأكثر إثارة الحفاوة الكبيرة به من النساء المشاركات، حيث حظى الشيخ بترحيب خاص من عضوات عديدات، لم يكتفين بمصافحته، وإنما أيضا بأخذ كثيرات منهن صورا معه، ما جعل بعضهم يعلق بالقول «إن نساء تونس سقطن فى شباك الغنوشى». وهذه المسألة ليست بسيطة لأن السبسى مدين لمليون امرأة أوصلته إلى رئاسة الجمهورية بسبب الخوف من حركة النهضة. وهذا يعنى أن الغنوشى نجح فى المرحلة الأخيرة من أن يستعيد ثقة كثيرات منهن، بمن فيهن كوادر عليا ومتوسطة فى حزب نداء تونس العلمانى والليبرالى، الأمر الذى دفع بأحد قادة الحزب إلى تقديم استقالته فى اليوم نفسه، وفى مداخلته قال الغنوشى لأعضاء المؤتمر ان هناك تونسيين يريدون التخلص من تونسيين آخرين (بإقصائهم)، فى حين أن تونس بحاجة إلى كل ابنائها. وعبر عن سعادته بوحدة وقوة حزب النداء، وقال إنه متأكد من أن السبسى سعيد أيضا بحركة النهضة موحدة وقوية (العربى الجديد ــ ١٢/١).

 

 

كان المشهد حميميا بصورة مدهشة. وبمعايير زماننا فإنه ينتمى إلى عالم الأعاجيب السياسية، التى لا ترفض فيه الطبقة السياسية فى بلادنا فكرة المصالحة فحسب، ولكن أغلبها بات يؤيد الصلح مع إسرائيل ويرفض مصالحة أشقاء الوطن!



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.