وطني و عربي و سياسي

الأربعاء,10 يونيو, 2015
فاير أوبسرفر: أخطار قانون مكافحة الإرهاب الجديد في تونس

الشاهد_يجب على تونس التصدي للإرهاب دون انتهاك الحريات المدنية المكتسبة حديثا في البلاد ثم إن انتشار الهجمات الإرهابية مثل حادثة متحف باردو في مارس وضع السلطات التونسية تحت الضغط. و انتقل الإرهاب من الجبال والمناطق الحدودية إلى المناطق الحضرية. فبدلا من استهداف قوات الأمن والجيش، هذه الهجمات تركز الآن على السياسيين والمدنيين.

و مع هذا التحول الجذري في الإستراتيجية الإرهابية، طالب مجموعة من المثقفين والصحفيين والخبراء الأمنيين، جنبا إلى جنب مع العديد من المواطنين التونسيين، إلى التفعيل الفوري لقانون مكافحة الإرهاب، الذي تم عرضه سابقا من قبل نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي في عام 2003. والنقاش ساخن حول هذا القانون، التي استغله زين العابدين بن علي لتصفية وسحق المعارضين السياسيين، تسبب بعد وقت قصير في نشوب الهجوم المأساوي على المتحف الوطني بباردو، الذي نجم عن 22 قتيلا.

و قد تم إدخال تعديلات طفيفة نسبيا على القانون بعد ثورة 2011. ويتوقع المراقبون عرض مشروع القانون في أحدث إصدار له أمام البرلمان للتصديق عليه، بعد أن وافق عليه مجلس الوزراء في 8 أفريل.

و يعتبر أنصار قانون مكافحة الإرهاب أن التشريع الجديد سيكون ضمانة لفرض سلطة الدولة مؤكدين تصميمهم على مكافحة الإرهاب. كما يعتقدون أن هذا القانون يقلل بشكل ملحوظ من عدد من التونسيين الذين ينتمون إلى جماعات متطرفة، لأنه يتكون من عقوبات قاسية التي لا تترك الحرية لأي شخص من المشتبه في صلتهم بالإرهاب بالإفلات من العقاب.

وتشمل الأجزاء الرئيسية من قانون الفصل 11: “من يعطل عمدا بأي شكل من الأشكال العمليات العادية وحسن سير المؤسسات والمنشآت العسكرية يعاقب عليها بالسجن لمدة ثلاث سنوات وغرامة قدرها 15000 دينار”. و ينص قسم مهم آخر في الفصل 14 على أن: “كل من يشارك، من بين الجمعيات غير المسلحة، في أي هجوم على المؤسسات والمنشآت التابعة للقوات المسلحة يعاقب عليها بالسجن لمدة عشر سنوات وغرامة قدرها 50000 دينار. و تضاعف العقوبة على كل من يحمل سلاحا خفية أو مرئية بصفة كلية أو جزئية”.

كما يرى مؤيدوا قانون مكافحة الإرهاب كوسيلة لتمكين رجال الأمن لأخذ زمام المبادرة في تتبع، وملاحقة المتهمين وبقتل المشتبه بهم في حالة عدم الامتثال لأوامر الشرطة والقوات المسلحة. و سوف تسمح السلطات بمصادرة الأموال والممتلكات للأفراد والجماعات والجمعيات والمنظمات الخيرية أو المواطنين الذين يشتبه في أن لهم أي انتماء إلى مجموعات وصفت بأنها متطرفة.

و خلال فترة عمل رئيس الوزراء السابق مهدي جمعة، وخلال عهد رئيس الوزراء الحالي حبيب الصيد، عدد كبير من المنظمات غير الحكومية، والمؤسسات التعليمية الخاصة، ورياض الأطفال الإسلامية، و وسائل الإعلام وقع حلها بحجة أنها تحرض على الإرهاب وسائل الإعلام الإسلامية، التي ساهمت في نشر الأفكار المتطرفة أو تقديم الدعم اللوجستي للإرهابيين. و تتم مصادرة أموالهم و مكتسباتهم لا بعد قرار تعلنه محكمة رسمية، ولكن وفقا لأحكام مرسوم صادر عن “خلية أزمة” مؤلفة من رئيس الوزراء حبيب الصيد، وزراء الداخلية والدفاع والخارجية والعدل.

ومما يزيد من غموض قانون مكافحة الإرهاب هي التصريحات المتناقضة من قبل المسؤولين التونسيين. وقال وزير العدل محمد صلاح بن عيسى لقناة العربى الجديد في 14 مارس أن “الحريات ضمانات قانون مكافحة الإرهاب، وتتفق مع حماية الحريات”. غير أن الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي قال بعد الهجوم الإرهابي الدموي على متحف باردو أن “الحرية تنتهي عندما يبدأ الإرهاب”.

وقد أثار هذا التصريح القلق بين المراقبين والناشطين في مجال حقوق الإنسان. ويقول محللون أن خطاب الرئيس السبسي يكشف عن سعي النظام الحاكم في تونس للحد من الحريات في حربها ضد الإرهاب، وبالتالي إعطاء الأولوية للأمن على حقوق الإنسان في هذه المرحلة الانتقالية الصعبة. و ما يبرره، هو أن المخاوف تزداد عندما يدرك الشخص الآثار المترتبة على قانون جديد لمكافحة الإرهاب.

و ينص مشروع القانون على ضحايا الإرهاب مع ضمانات التعويض، مما يعطيهم الحق في الحصول على الرعاية الصحية المجانية. ومع ذلك، فإنه يحتوي أيضا على عدد من الثغرات والعيوب. فإنه يتيح للحكومة التضييق على الحريات العامة والشخصية مثل حرية المعتقد والرأي والتعبير،و من بين الأمور الأخرى، الرقابة على حسابات الفايسبوك وحسابات البنك في حين تجاهل متطلبات المحاكمة العادلة للمشتبه فيهم. أما القانون الجديد، و من خلال إعطاء الأولوية للتدابير الأمنية، يضفي شرعية تشديد الرقابة على البيانات الشخصية للمواطنين التونسيين من خلال استراتيجيات مثل التنصت ومراقبة المراسلات الإلكترونية ومراقبة الشبكات الاجتماعية على الانترنت. و واحد من أهدافها الأخرى هو منع الوصول إلى المواقع ذات الصلة بالإرهاب على الهواتف المحمولة.

و لا يتضمن مشروع القانون الجديد إجراءات الرقابة القضائية الكافية التي تمكن السلطة القضائية من فحص وموازنة السلطة التنفيذية وأجهزتها الأمنية من خلال الرقابة. و يبدو أن جدول أعمال الحكومة هو توسيع صلاحيات رجال الأمن في التعامل مع مشكلة الإرهاب. أما قانون مكافحة الإرهاب، بصيغته الحالية، يعطي القضاة صلاحيات واسعة للغاية، مما يتيح لهم القيام بمحاكمات غير علنية، علاوة على تقييد حضور المحامين ومنع وجود وسائل الإعلام أو منظمات حقوق الإنسان.
عدم تحديد المفاهيم

إن جوهر المشكلة في مشروع قانون مكافحة الإرهاب يكمن في حقيقة أنه لا يقدم تعريفا محددا وواضحا من الناحية المفاهيمية ل”الإرهاب”. و كان تعريفه للإرهاب بأنه “كل مشروع فردي أو جماعي يهدف، بحكم طبيعته أو سياقه، إلى نشر الرعب” على نطاق واسع. كما أنه يساعد على إضفاء الشرعية على سيطرة الدولة الصارمة على المجال العام، مما يمكن الحكومة من القضاء على الحق في الاحتجاج.

و مما يبعث على القلق بشكل خاص هو أن المادة 13 من القانون تعتبر “إتلاف الممتلكات العامة والخاصة أو المرافق العامة وتعطيل وسائل النقل” لتكون جرائم إرهابية. و يعيد هذا الحكم، وإن كان ذلك بشكل غير مباشر، تعريف أي حركة احتجاج شعبية مثل المظاهرات، و الاعتصامات في الساحات العامة والشوارع والطرق، -كشكل من أشكال الاحتجاج ضد اقتصاد البلاد أو سياسة المجتمع- بأنها تتحول إلى حالات من أعمال إرهابية التي تهدد الصالح العام وتهديدات للسلم الاجتماعي والأمن الوطني. و في مشروع القانون هذا، يمكن العثور على بذور إساءة استخدام السلطة في المستقبل التي ستبلغ ذروتها في تضييق الخناق على حرية التجمع والتظاهر، و في احتواء المواطنين في الحياة العامة.

في هذه الفترة الانتقالية الحرجة لتونس من الدكتاتورية إلى الديمقراطية، يستمد قانون مكافحة الإرهاب شرعيته من مجموعة متنوعة من العوامل. أمن البلد و الشواغل الإقليمية في شمال أفريقيا، – بسبب النزاع في ليبيا، وارتفاع حدة التوتر على الحدود مع الجزائر والخوف من ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في تونس- يفسر إطلاق صفارات الإنذار بالدعوة للتصديق على قانون مكافحة الإرهاب.

ولكن القانون في مجمله يجب أن يتكيف مع التطورات الجديدة التي غيرت وضعية حقوق الإنسان في تونس منذ ثورة 2011. و إن الدفاع عن حجة “السلامة و الأمن” لاستبعاد الحقوق الأساسية للمواطنين يعد أمرا خطيرا، لأنه قد يؤدي إلى صراع جديد بين الدولة والمواطنين، وإلى العلاقة المتوترة بين المواطنين والشرطة ورجال الأمن.

إن التصديق على قانون مكافحة الإرهاب، دون إدخال تنقيحات عامة، قد يؤدي بالتونسيين إلى العيش مرة أخرى تحت قبضة مشددة من دولة بوليسية قمعية. صحيح أن مكافحة الإرهاب أمر أساسي من أجل ضمان السلامة العامة، ولكن لكي تنجح، فإنه يتطلب زيادة في التوعية حول مخاطر التطرف، وإصلاح السياسة الأمنية، والتعليم و تدريب من رجال الشرطة وإعادة هيكلة القوات المسلحة.

إن التطرف لا يمكن القضاء عليه تماما بمجرد سن قوانين عقابية. كما يترتب على إجراءات مكافحة الإرهاب الناجحة تشخيص الأسباب الكامنة وراء التطرف. و ينبغي أن تشمل هذه المبادرات بشكل أساسي، اعتماد السياسات الثقافية والنفسية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية للتعامل بفعالية مع المتطرفين.

ثم إن الشغل الشاغل لتونس هو كيفية ضمان الأمن مع تجنب أي محاولة لتهديد الحريات المدنية المكتسبة حديثا في البلاد. و لذلك، في استعراض مواد القانون، يجب على المشرعين يولوا مكافحة الإرهاب أهمية الواجبة، ولكن دون انتهاك حقوق الإنسان.

إن مواطن تونس اليوم هو ما يمكن أن نسميه محاكاة ساخرة لحجة ديكارت: “أنا أفكر، إذن أنا موجود” وخلافا لعام 2010، فإن تونسيي عام 2015 أكثر ميولا للدفاع عن لافتة تنص على أن: “أنا مواطن، لذلك أنا حر. أنا حر، ولذلك أنا”.

ترجمة خاصة بموقع الشاهد