مقالات مختارة

الثلاثاء,12 أبريل, 2016
غربة المجدد وقصّة أخرى للعنف

الشاهد _ في كتابه “قضية الحقيقة” واصل الدكتور محمد الطالبي (1921)، المُبَرِّز في اللغة العربية وأستاذ التاريخ الوسيط، حملته على “الأحرار المفكرين… دعاة الأنوار” من الكُتّاب والمثقفين التونسيين. من الواضح أنه، بعد عنايته سنة 1956بـ” ابن سيده” وسنة 1966 بـ”الإمارة الأغلبية” وسنة 1973بـ”ابن خلدون والتاريخ” وسنة 1982 بـ”دراسة لتاريخ إفريقية وللحضارة الإسلامية الوسيطة”، قد حزم أمره في وجهة أخرى. لقد تمخضت تآليفه ومواقفه منذ فترة لتناول قضايا مثيرة للجدل لكونها شديدة الإحراج لقسم من الأكاديميين والسياسيين التونسيين بل أحيانا لعموم المسلمين.

لو قصرنا النظر على آثاره المنشورة حديثا تاركين ما عبر عنه الأستاذ الطالبي هنا وهناك في لقاءات إذاعية أو تلفزية فمن المرجح أنه صار “يغرّد” خارج السرب. موضوعيا ليس في ما نشره في هذه السنوات الأخيرة تغريد بل الأمر أقرب، أحيانا، إلى خطاب سجالي حادّ رغم تسميته له “تذكرة” أو”وصيّةً تستشرف جيلا يُصلح ما أفسدته أجيال؟ لقد أقرّ العزم على أن يصدع بما يُعتبر محظورا لدى “تونس العالمة”. هذا التعاطي العلني المباشر في زمن المصاعب الكبرى التي تعرفها البلاد التونسية بعد الثورة وبعد الانخراط في سياسة التوافق مثير للتساؤل.

هل كان الأستاذ الطالبي بكتابه ” قضية الحقيقة” غير واع بطبيعة السياق أم أنه مُصِرٌّ على تحريك السواكن فيما يعتبره البعض مماحكة شخصية أو استفزازا سياسيا؟

بالرجوع إلى فقرات مفصلية في كتابه الجديد تتبين لنا ثلاثة مشاغل رئيسية دفعت المؤلف إلى الكتابة. هناك من جهة لماذا كتب؟ ومن جهة ثانية لمن يكتب؟ ثالثا: أية إشكالية يريد معالجتها؟

طاغوت علماء الدين

عن الدافع الأول يتبين أن المقصود مواجهة الشرخ الغائر الذي يعاني منه عدد من المؤمنين جراء هيمنة “طاغوت علماء الدين الذين يريدون أن يسيطروا على عقول العباد وعلى تصرفاتهم”. لذلك فغاية الكتاب هي المصالحة بين المؤمن “وبين دينه بضمير مرتاح …أن يؤمن بكتاب الله الذي هو بمفرده مُلزِمٌ”. مؤدى ذلك في عبارة جامعة هي قوله: ” الشريعة عُسرٌ والقرآن يُسرٌ”.

بالنسبة إلى السؤال الثاني الخاص بـالمستهدَف من الكتاب، فالطالبي واضح إذ يعلن أن كتابه تذكرة لـ”المسلم العادي الحداثي المثقف ثقافة عصرية” الذي يريد تجاوز أزمة ” العيش بضمير مجروح مكلوم يؤلمه” أو أن “يرفض الإسلام جملة وتفصيلا”. هو في هذا ككتاب “دليل المسلم الحزين ” لحسين أحمد أمين الصادر في ثمانينيات القرن الماضي والمتجاوز الكتابة الدينية التقليدية ليتحدث في مكاشفة راقية تحمل سمات الحداثة الفكرية والموضوعية البحثية عن الإسلام المطلوب لزماننا هذا.

ما يتميز به جانب هام من كتاب الأستاذ الطالبي هو سعيه للتأصيل المنهجي لقضية الحقيقة وهي التي يعتبرها ذهبت- تونسيا وعربيا- بقادة الرأي والفكر وصنّاع القرار مذاهب شتى مُورِثةً الحيرةَ والشك المؤديين في أسوأ الحالات إلى نفي الخالق أي إهمال المعنى والغاية.

في هذا تجاوزُ استتباعات قضية الحقيقة المجالَ التجريدي النظري وما ينجرّ عن ذلك من انخراط جانب من النخب والمثقفين فيه. ما يحرص المؤلف على التصدّي له هو حالة التنافي والاستقطاب بين دعاة التحديث الأداتي القائلين بالقطيعة المعرفية والتاريخية، وبين مدّعي حماية الهوية وتحصين الخصوصيات الثقافية والدينية بتحويل حقبة من الحقب التاريخية إلى منظومة فكرية واجتماعية. مآل هذا التنازع الخطير تهافت الوضع الفكري واحتدام الصراع الاجتماعي وعجزٌ قاتل عن التصدّي للتحديات المتفاقمة التي تواجه فئات المجتمع المختلفة.

ذلك هو الوضع الذي يعتبر المؤلف أننا صرنا إليه في سعينا لمقاومة “السلفية الإرهابية” فإذا بنا نسقط “فيما هو أسوأ: الوقوع في فخّ نفاق المثقفين التونسيين المستنيرين بأنوار “عهد الأنوار” والذين يعملون من أجل إحلال عهد الحداثة على أنقاض الإسلام على غرار ما وقع في الغرب”.

قضية الحقيقة والحداثة

لمزيد تبيان هذه المسألة يبحث الجزء الأول من الكتاب ضمن معالجة إشكالية المعرفة، مختلفَ المقاربات الفلسفية لها قديما وحديثا. في ذلك يعرض بصورة مركَّزة إلى السفسطائية وقولتها في الحقيقة وتغيّرها وإلى النسبوية (Le relativisme) التي تقرّ بوجود الحقيقة لكن تُنكر إمكان امتلاكها. ثم يتناول المؤلف اللاأدريانية (Lagnosticisme) التي مع إقرارها بوجود الحقيقة لا ترى لها محلا لتعادل الأدلة لديها. بعدها يعرض للنُفاتية (Latheisme) التي تعتبر أن الحقيقة الموجودة هي المادة العمياء والمدّعية بوثوق أنه لا وجود لخالق أو غاية وأن الإنسان هو الذي أنشأ من أوهامه ومخاوفه معبودا يخضع له.

مؤدى هذا العرض أمران: أولهما أن الطالبي لا يُخفي اختلافه الكليّ مع ما انتهى إليه مفكرو الغرب وفلاسفته في خصوص قضية الحقيقة في الفترة المعاصرة، لكنه يُجلّ عملهم وإسهامهم في الفكر الإنساني. إنهم يقولون ما يعتقدون بصدق وحماس وهم بما بنوه من فكر في صيغه المتعددة إنما حققوا، عبر الخلاف والسجال، تقدما واستنارة تكسب الاعتقاد مصداقيةً مُثرية لشخصية الفرد مما يمكّنه من الفاعلية النقدية التاريخية والمدنية.

ثانيهما: أن الأمر مختلف نوعيا بالنسبة إلى جانب من النخب العربية وبالأخص التونسية التي ترتكن إلى تلك المقاربات. إنهم نُفاتِيون ماديون منسلخون عن الإسلام رافضون للقرآن. صميم الإشكال عند الطالبي في أنهم يحملون وعيا حداثيا مستعارا وعاجزا لا يمكّنهم من الإسهام في التمدن العربي والوطني المنشود. هذا الصنف من النخب لا يقوى على الاعتراف بما يعتقده من أن القرآن مشتمل على أساطير وأنه من موانع الحداثة والمعاصرة. مع ذلك فإن المؤلف يؤكد من جهةٍ دفاعَه عن حريتهم الفكرية لأن تديّنَه الإسلامي يوجب عليه حماية الحرية للجميع لكنه من جهة ثانية يعلن أنه سيواصل “كشفهم” وقايةً للمسلم العادي الذي يمكن أن يغترّ ” بكذبهم من تدليسهم وتلبيسهم الحق بالباطل”.

خلع القناع عن المُقَنَّعين

يتجه الجزء الثاني من كتاب “قضية الحقيقة” إلى ما سمّاه المؤلف “خلع القناع عن المُقَنَّعين” بفضح مقولات نماذج ثلاثة تَقَصَّدهم بأعيانهم لاتفاقهم في ادعاء أن القرآن فاقد للعقلانية ومحتاج للتحديث الفكري والقانوني والتحرر الاجتماعي. مواجهة المؤلف لرمزية المفكر والمثقف والحقوقي التحديثيين ترجع من جهة إلى مبادرتهم إياه بـ ” الشتم” وأن ما يستحقه الانسلاخسلاميون “على اختلاف أطيافهم” هو “الردع عن الظلم”.

لا يكتفي الطالبي بهذه الرموز الثلاثة بل يتصدى أيضا لمن يراه قد جرّأ بعضا من النخب ففتح لهم الباب مُشرعا لشتم الرسول محمد والاستخفاف بكتاب الله دون خشية (الزعيم بورقيبة) ومن سلكوا دربه السياسي ومن قاوموهم باحتكار الخطاب الديني.

خلاف المؤلف مع”المفكرين الأحرار” مُركَّب: إنهم عجزوا عن أن يكون التحديث المستعار قاعدةً للإجماع ومعيارا مشتركا بين مختلف تيارات الرأي العام رغم سلطتهم ونفوذهم. الأنكى أنهم استسهلوا التغيير فظلوا مقلدين لاعتقادهم أن الحداثة تأسست على التجرد من كل أثرٍ للبعد الديني. ثالثة الأثافي في خطل وعي أصحاب “النفاق والبهتان”، حسب المؤلف، اشتراطهم، غير المبرر وغير المُعلن، لهذا التجرد عن الدين بتحطيم النص القرآني المؤسس طمعا في الارتقاء للأُفق الحداثي.

مع خاتمة الجزء الثاني وباستعادة مبدأ :”الإسلام دين الحرية” لا يتردد المؤلف في القول بأن: “الكافر له الحق أن يكون كافرا حرّا صريحا يفخر بكفره علانية، لا يخادع ولا ينافق”. تلك هي البداية لنشوء المواطنة النابذة للعنف القادرة على أن توفّر ” خطابا دينيا عقلانيا معتدلا يضمن كل الحريّات للجميع ذا مصداقية يبني الحداثة ويضمن التقدّم مع الإسلام لا ضدّه”.

تجديد الفكر الإسلامي المعاصر

تحتل قضية الإيمان لدى مختلف المؤمنين القسم الأخير من الكتاب مع تخصيص لـ”الإيمانية الإسلامية” وما يتصل بها من مسائل الألوهية والحقيقة والهداية.

في هذا يحرص المؤلف على “راهنية الإيمان” بالعمل من أجل تجديد الفكر الديني الذي يحتاجه المسلم المعاصر لتجاوز حيرته وضياع المعنى لديه.

محمد الطالبي بهذا يعبّر عن فقدانه الثقة في المشروع الحضاري الإنساني للحداثة والتنوير في صيغتهما الغربية. هذا ما يمكن أن يفسر طبيعة الخطاب السجالي الحادّ الذي انساق فيه المؤلف في أكثر من موضع من كتابه. لقد غدا تغريده خارج السرب تعبيرا عن غربة موحشة وصرخة غضب في وجه “المفكرين الأحرار” المتصدرين المشهد الفكري والجامعي والإعلامي والمصرّين على أن الحداثة واحدة ووحيدة. الثابت أن المؤلف لم ينقطع منذ ثمانينيات القرن الماضي عن التنبيه لخطر من يعتبرهم منسلخين عن الإسلام والمغادرين رحابه على ” أطراف أصابعهم”. واصل في التسعينيات نداءَه من أجل تجديد الفكر الإسلامي المعاصر دون كبير جدوى منتهيا سنة 2010 إلى كتابه “ليطمئن قلبي” الذي هاجم من ينزعون هالة القداسة عن النص المُوحَى معتبرين إياه مجرد مُنتَج ثقافيّ.

هذا الطرح، في تقدير المؤلف، لا يُنهي التعطّل الذي حال بين الهوية الجماعية وبين مواكبة مقتضيات اللحظة التاريخية ولا يجعل الإبداعَ غايةً للمعاصرة، إنّه موقف قَبْـلِيٌّ لا يرى للداخل الثقافي أية قدرة على تمثّل مستجدات المعرفة والواقع.

في الحصيلة، محمد الطالبي ضائق ذرعا بالاشتراط المتعسف العامل على ضرورة التجرّد من كلّ مقدّس لتحقيق معاصرة تبلغ الأفق الحداثي. في ذات الوقت هو منزعج ممن يتصدرون المشهد الديني والسياسي وينكرون عليه اعتباره أن الوحي لم يقض على حالة التساؤل بل غذّاها. ذلك أن الإيمان، عنده، يتطلب قدرا من الشك المستمر لأن الوحي لم يكن بديلا عن العلم ولا حائلا دون البحث.

كتاب “قضية الحقيقة” يكون بهذا مواصلة لنضال تجديدي واستغاثة من أجل الإيمان المسؤول، باعتباره أرقى تعبير عن حريّة الضمير. هو التجديد المؤسَّس على إدراك ذاتي وجهد فكري وروحي يتفاوت في عمقه بين شخص وآخر، لكنه يبقى وليد الجهد والتأمل والاقتناع. وبهذا، كتاب الطالبي نداء للنخب الصاعدة أن تتواصل مع مجتمعها لتجدد ثقافته دون ازدراء له أو ضيق به. هم بذلك يسهمون في سدّ منافذ العنف المستشري ومقولات التطرّف اليائس اللذين استفحل أمرهما عندما احتكرت النخب التحديثية القول الفصل. هي قصة أخرى للعنف نجمت عن تجاهل النخب مهمتها في إرساء أواصر التثاقف والتعاقد مع مكونات الشعب المتعددة بتقوية وعيه التاريخي والوطني إفرازا لإرادة واحدة وفاعلة.

احميده النيفر

العربي الجديد