الرئيسية الأولى - ملف الشاهد

السبت,4 يونيو, 2016
غباء أم مؤامرة لمنع تدفق العملة ؟ غلاء فاحش في تذاكر السفر يجبر جاليتنا على تحويل وجهتها إلى بلدان أخرى !

 الشاهد _ أمام الوضع الاقتصادي الصعب وتدحرج الدينار في سوق الصرف إلى مستويات تبعث على القلق ، كان ينتظر من الدولة التونسية أن تستنفذ جميع جهودها في إنعاش الإقتصاد ولو بطريقة القطرة قطرة وأن لا تفرط في أي مجال قادر على إثراء خزينة الدولة ولو باليسير ، من بين الجهود التي أهملتها الدولة غياب عملية التنسيق مع الخطوط الجوية التونسية والشركة التونسية للملاحة وغيرها من شركات النقل ، غياب التنسيق جعل أسعار التذاكر تخرج عن السيطرة وتصل إلى مستويات مفزعة دفعت بالكثير من الأسر التونسية إلى إعادة التفكير في وجهة العطلة الصيفية ، هناك عائلات مازالت في حيرة وأخرى اختارت تركيا والمغرب لما يتمتعا به من مناخات جملية والأوكد لوجود أسعار معقولة على متن الرحلات المتوجهة إليهما . بعض أفراد الجالية رتبوا أوضاعهم واختاروا غير سبيل تونس والبعض الآخر مازال يدرس الأمر أمام الهيجان غير الطبيعي لتكاليف النقل ، بينما كان يسع السلطات التدخل لفرملة هستيريا الأسعار وتذليلها مقابل العملة الصعبة التي ستصرفها الأسر خلال العطلة وما يعنيه ذلك من توفير عملة صعبة للبلاد تحتاجها اليوم أكثر من أي وقت مضى .

عندما يقصد رب أسرة متكونة من 8 أشخاص “باعتبار الابوين” أحد وكالات الأسفار في ألمانيا لاقتطاع تذاكر السفر فيصدمه صاحب الوكالة بفاتورة قيمتها تتجاوز 7 آلاف دينار لا يمكن إلا أن يتمتم “السماح ولد عمي” ذلك ما قاله المواطن التونسي الذي ذهب نشطا مستبشرا بقرب إلتئام أسرته الصغيرة على أسرته الكبيرة في تونس ، فعاد بقرار العدول عن الفكرة من أساسها وبدأ يفكر في وجهة أخرى . تذكرة لطفل من ألمانيا إلى تونس تساوي قرابة “المليون” بحجة أنه يحتاج إلى كرسي لوحده ، أسرة تدفع في تذاكر السفر وبعض المستلزمات 10 آلاف دينار ! هذا قبل أن تطأ أقدام أفرادها تونس وتشرع في صرف العملة وما يعنيه من نزيف ، هي بالتأكيد أسرة منكوبة في بلدها ومسؤوليها، أسرة مثل هذه تلقت عرضا من بعض معارفها الذين أعرضوا عن تونس وغيروا وجهتهم ، عرضا للذهاب إلى تركيا لمدة 10 أيام إضافة إلى نزل 4 نجوم مع وجبتي أكل بمبلغ 2650 اورو ، إلى جانب عروض أخرى أكثر إغراء من المغرب ، دون الحاجة إلى الهدايا المكلفة والمصاريف التي لا يمكن التحكم فيها حتى تقلع الطائرة عائدة من أرض الوطن إلى بلد الإقامة .

صيحة فزع إلى السلطات أطلقها العديد من أبناء الجالية ونطلقها تباعا وبإصرار ، على المسؤولين التدخل قبل أن يستفحل الأمر ويعدل التونسي عن موطنه ويطبّع مع الوجهة البديلة ، فالتونسي أينما كان وبشهادة العديد من الجاليات الأخرى شديد التعلق ببلاده ويعتبر العطلة الصيفية من الأشياء التي تشارف على القداسة ، لكن بهكذا إجحاف وبهذه العقلية الإنتهازية الضيقة التي ترغب في تصحيل بعض الأوروات الإضافية للخطوط الجوية التونسية مقابل خسارة عملة هائلة ستصرفها الجالية في تونس ، سيتسرب العزوف إلى أبناء الجالية ، وإذا ما تعود أبناء الجيل الثالث على وجهة أخرى يصبح من الصعب على الأولياء إقناعهم بالعودة إلى أرض الوطن . صيحة أخرى يطلقها أبناء الجالية يطالبون من خلالها بإنتهاج المصداقية وعدم الترويج لتخفيضات وهمية دعائية اكتشفت غالبية الجالية كذبها ، وتبين أنه لم تكن هناك أي تخفيضات ، وحتى لا نكتف بشهادة المتضررين فحسب تحول الشاهد إلى بعض مكاتب التسفير في ألمانيا وتحدث مع أصحابها الذين أجمعوا على أن ما يروج له من تخفيضات “كلام فارغ” .

مشكلة أخرى يجب التنبيه إليها وتتعلق بالتجاهل السخيف الذين تعتمده السلطات تجاه الجالية التونسية في لكسمبورغ ، هذه الجالية التي كانت ومازالت تجبر على التحول إلى بروكسال لاستخراج الوثائق لأن الدولة متعنتة أو عاجزة عن إفتتاح مكتب يصرّف شؤون أبناء تونس ويجنبهم المشقة رغم أن العديد من الدول بكرت بإفتتاح مكاتب وجنبت مواطنيها مشقة السفر لمسافة تتجاوز 500 كم “ذهابا وإيابا” ، إلى جانب ذلك توقفت الرحلات منذ مدة من لكسمبورغ إلى تونس وعادت الجالية تنسج على منوال مهزلة الوثائق تقطع مئات الكليمترات من وإلى مطار شارلروا ” airport charleroi ” من أجل الضفر برحلة إلى تونس !

أيها أصحاب الشان ..أيها أصحاب المسؤولية ..أيها أصحاب سياسة النعامة ، سياسة “دز تخطف” ، إن تونس ليست دولة ثروات معدنية واسعة ولا هي دولة صناعات ثقيلة ولا دولة فلاحية تصدّر ما يدب فوق أرضها من ماشية وما ينمو في ثراها من خضر وغلال ، إنما هي دولة تعتمد على التجميع والتقطير والتفصيل ، تدثر ميزانيتها بتفاصيل صغيرة تتظافر بحكمة وتتكاثر فتنتج “تفتوفة” نتدبر بها أمرنا ، فكفوا عن الإستهتار بالتفاصيل ، لأنها لن تنزل عليكم الثروات من السماء ولن تضربوا بأقدامكم فتهتز الأرض تحتكم بالثروات المعدنية ولن تستيقظوا لتجدوا أنفسكم دولة مصنعة تغزو المصانع العملاقة ربوعها ..انتبهوا إلى الخدمات فهي لقمة عيشنا اليوم وفي الغد القريب والمتوسط.

نصرالدين السويلمي