مقالات مختارة

الأربعاء,30 مارس, 2016
عودة مؤذية

الشاهد _ لم تؤذني تلك المرأة المنقبة التي تعترضني كلّ صباح وهي تحثّ الخطى مع ابنتها الصّغيرة لإيصالها إلى المدرسة وتبادر كلّ مرّة بالتحيّة: السّلام عليك فأردّ: صباح الخير وأبتسم لها فتردّ بابتسامة تحت النّقاب أو هكذا يخيّل إليّ..

ما أذاني هو ما سمعته اليوم عن القبض على قرابة العشر من تلامذتنا ( البعض منهم فتيات درّستهنّ السّنة الفارطة وأحمل لهنّ ودّا كثيرا) وأحدهم تلميذ أدرّسه هذه السّنة وذلك بسبب استهلاك نوع من المخدّرات وبسبب أشياء أخرى. المجموعة الأولى تمّ القبض عليها خلال العطلة في بيت صيفي بحري بعيد. أمّا تلميذي فوقع القبض عليه في حيّه الشّعبي متلبّسا..
لم تؤذني تلك المرأة المنقّبة التي تعترضني كلّ مرّة وهي تقبض على يد ابنتها بقوّة كأنّما تخشى عليها الطّريق والحياة..

ما أذاني هو أن يترك الأطفال للرّيح من آباء لا يتحمّلون مسؤولية إنجاب أطفال في هذا العالم..

وما أذاني هو أنّ المجموعة الأولى تمّ إطلاق سراح أغلب عناصرها بسرعة نظرا لانتماء الأبناء إلى عائلات ثريّة ومتنفذة ( أبناء قضاة ومقاولين.. ) في حين يظلّ تلميذي أيمن ابن الحي الشّعبي إلى الآن في السّجن في انتظار محاكمته غدا ( وفق ما روي لي ).

وما أذاني أن أجد بعض تلامذتي من أصدقاء أيمن يشعرون بالضّيم ويطلبون منّي، وهم الذّين يتلصّصون على صفحتي، أن أكتب عن أيمن.. هذا الذّي لا سند له…. أعدهم بذلك حزينة.. هل سيسجن أيمن سنة كاملة؟ أذكر كم هو مهذّب ولطيف في علاقته بي فأزداد حزنا..
لم تؤذني تلك المرأة المنقّبة التي لا تهتمّ بأحد سوى بابنتها تحدّثها وهي تسير وتجيبها بطريقتها عن أسئلتها الكثيرة.

ولكن تؤذيني هذه الشبكة الهلامية الزئبقيّة المجهولة التي تحوم حول التّلاميذ وتتّخذهم حقلا للتّرويج وللتّخريب .. يتحدّث البعض عن تلاميذ يشتغلون في الترويج مقابل 200 د وعن وسائل خبيثة يتمّ استعمالها لتعويد التّلاميذ على الاستهلاك مثل دسّ هذه المواد في مأكولات عديدة..

ويؤذيني هذا الخوف الذي يتملّكني على ابني رغم حصانة قويّة وعلى تلامذتي أيضا
وما يؤذيني أن نترك كلّ هذا الخراب لننشغل بالنّقاب.. أليس النّقاب في أحد وجوهه هروبا إلى الكهف، كهف الماضي، من هذا الخراب؟ أليس دليلا على عجزنا عن تقديم أجوبة أجمل لحاضر يمتلكه مصّاصو دماء فندفع بأجيال إلى الانتحار البطيء أو إلى قبور الماضي المظلمة؟

المرأة المنقّبة التي لا أعرف اسمها ولا وجهها ولا ابتسامتها لا تهدّدني.. ما يهدّدني هو هذا الأخطبوط المنقّب من الفساد الذّي أجهل العقل المدبّر الذّي يقوده والأهداف التي يصبو إليها.

ليلى الحاج عمر