أهم الأخبار العالمية : عربي و دولي

الثلاثاء,28 يوليو, 2015
عودة تنسيق المصالح بين القاهرة و واشنطن.. وإغلاق صفحة الربيع العربي

الشاهد_بعد توقف نحو خمس سنوات؛ بسبب أحداث ثورة 25 يناير المصرية 2011، وما تلاها من تولي أول رئيس مدني منتخب؛ وهو الرئيس محمد مرسي الذي ينتمي لجماعة الإخوان، ويرفض العلاقة الثلاثية (مصر- أمريكا- إسرائيل) التي كانت سائدة في عهد الرئيس السابق حسني مبارك قبل الثورة، عاد الحوار الاستراتيجي الذي تم تدشينه بين القاهرة وواشنطن منذ عام 1998 ليستأنف جلساته في عهد الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي.

أعلنت وزارة الخارجية المصرية أن الحوار الاستراتيجي المصري-الأمريكي الذي توقف منذ الإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك، سوف يُستأنف الأحد المقبل في الثاني من أغسطس، بعدما كان محددًا له يومي 27 و28 يوليو الجاري، ولكنه تأجل.

مصادر دبلوماسية مصرية وصفت استئناف هذا الحوار الاستراتيجي -والذي يتناول القضايا التي تمثل مصالح مشتركة للطرفين، والذي يتم فيه تحديد نقاط الخلاف السياسية، حتى لا تؤثر في نقاط الاتفاق- بأنه هدف دبلوماسي مصري في المرمي الأمريكي، واعتراف أمريكي رسمي بالنظام الحالي بعد فترة شد وجذب عقب إطاحة الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي بالرئيس الأسبق محمد مرسي.

وقالت إن استئناف الحوار الاستراتيجي يدل على أن إدارة أوباما والكونجرس حسمت موقفها من انقلاب 3 يوليو 2013 لصالح لغة المصالح، لا المبادئ، واستئناف واشنطن المساعدات العسكرية وإرسال طائرات الأباتشي وغيرها، تعد مؤشرات على عودة العلاقات لما كانت عليه قبل ثورة يناير حيث إن المصالح المتبادلة بين النظامين هي التي تحكم العلاقة.

وتصف البوابة الإلكترونية للحكومة المصرية العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية بأنها “علاقة استراتيجية وهامة على الصعيدين الاقتصادي والسياسي“، وتحدد الأهداف الرئيسة لها خلال الأعوام الخمسة القادمة بما يلي:

استمرار الحوار الاستراتيجي رفيع المستوى مع الجانب الأمريكي.

تحقيق شراكة حقيقة مبنية على منفعة الطرفين على مستوى القطاع الخاص المصري والأمريكي.

تعظيم الاستفادة من الخبرات الأمريكية في المجال التقني ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم ورواد الأعمال المصريين بشكل أكثر إيجابية.

ومن المقرر أن يرأس وفد الولايات المتحدة في جلسات الحوار وزير الخارجية جون كيري، فيما يرأس سامح شكري الوفد المصري، حيث أكد خلال لقائه أمس الأول مع المراسلين الأجانب المعتمدين بالقاهرة أن الحوار الاستراتيجي المقبل بين مصر والولايات المتحدة “يمثل فرصة لترسيخ العلاقات الثنائية، ويعكس قوة وأهمية الشراكة المستمرة بين البلدين“.

تاريخ الحوار المصري الأمريكي

جاءت فكرة الحوار الاستراتيجي بين مصر وأمريكا في عهد مبارك، بهدف إيجاد إطار مؤسسي يتجاوز فيه النقاش حدود العلاقة الثنائية، بحيث يتناول تعاونًا أشمل، يمتد إلى بقية المنطقة العربية، وإفريقيا، والعالم الإسلامي، في القضايا التي تمثل مصالح مشتركة للطرفين على السواء، وأن يتم تحديد نقاط الخلاف السياسية، حتى لا تؤثر في نقاط الاتفاق، باعتبار أن لكل منهما ظروفها، وانتماءاتها، وعلاقاتها، ومصالحها.

وكانت أول بداية لهذا الحوار الاستراتيجي المصري الأمريكي في واشنطن عام 1998، حيث كان يمثل مصر وزير خارجيتها -وقتئذ- عمرو موسى، ويمثل الولايات المتحدة وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت، وفيه اتفق الجانبان على أن يتحول الحوار إلى عمل مؤسسي مستمر، تتابع فيه جلسات للحوار بين مسؤولين من البلدين.

وكانت بدايات الحوار الاستراتيجي عامي 1988 و1989 بعقد جلستين في القاهرة وواشنطن؛ للتحاور حول القضايا السياسية الدولية والإقليمية على مستوى الخبراء من الجانبين، غير أن هذا الحوار توقف بعد الغزو العراقي للكويت.

وفى يوليو 1998 تم إحياء فكرة الحوار الاستراتيجي بين الدولتين في أول جولة للحوار بواشنطن، ثم عُقدت الجولة الثانية بالقاهرة في ديسمبر 1998، تلتها الجولة الثالثة في فبراير عام 1999 بواشنطن، ثم انتكست فكرة الحوار الاستراتيجي بين القاهرة وواشنطن مع وصول جورج بوش الابن إلى الحكم في أمريكا عام 2001؛ عندما قررت الإدارة الأمريكية اعتبار الشؤون الداخلية لأي دولة شأنًا أمريكيًا طالما أنه يؤثر على الأمن القومي الأمريكي من وجهة نظر إدارة بوش، وظلت متوترة مع إدارة أوباما.

وتقول الرواية الأمريكية لتفسير استئناف الحوار إن القاهرة عاصمة لا يمكن لواشنطن الاستغناء عنها في كل الأحوال؛ لاعتبارات ترتبط بالعلاقات، وبمجمل الوضع الإقليمي المعقد بدءًا من تصاعد مد الجماعات الإسلامية المسلحة مثل داعش، وأيضًا الاضطراب الكبير الذي يشهده عدد من الدول العربية؛ خاصة في منطقة المشرق التي تؤثر في أمن المنطقة، ومصالح أمريكية استراتيجية هناك.

بينما تركز الرواية المصرية على الدور المحوري لمصر في قضايا المنطقة رغم العقبات التي تواجه مصر حاليًا داخليًا، ودور مصر في التصدي للإرهاب العالمي، ودورها في الخليج العربي، وارتباطها بقضايا عديدة ساخنة تهم مصالح الغرب على رأسها أمن قناة السويس وإسرائيل ودورها في حل أزمات ليبيا وسوريا واليمن، وغيرها.

سر التحول في العلاقات

ما جرى في فترة حكم الرئيس السابق مبارك عندما تصاعدت الخلافات بين واشنطن والقاهرة حول فكرة “الديمقراطية” هو نفس ما يحدث حاليًا في عهد الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، فالخلافات حول الحريات والديمقراطية لم يعد هو المعيار الأمريكي الأول في التعامل مع مصر، ولكن “المصالح”.

لهذا يمكن القول إن التحول في الموقف الأمريكي من الإصرار على “الديمقراطية” للتنسيق فيما يخص “المصالح” الإقليمية، هو سمة مشتركة في عهدي مبارك والسيسي.

وحسبما نقلت صحيفة “الشروق” المصرية الخاصة عن مصادر أمريكية: “واشنطن أدركت استحالة الاستغناء عن علاقات جيدة مع المصريين” لتحقيق مصالحها، وأن ترتيبات استئناف جلسات الحوار الاستراتيجي المصري الأمريكي جاءت بعد قناعة أمريكية بالنظام الحالي بعدما أبدت واشنطن في السابق قدرًا غير قليل من التحسب إزاء الإطاحة بحكم الرئيس الأسبق محمد مرسى في 3 يوليو 2013.

ويمكن القول إن أزمات العلاقات المصرية الأمريكية عديدة وقديمة ويرجع تاريخ تصاعدها إلى فترة حكم الرئيس السابق مبارك؛ بسبب اختلاف الرؤى والمواقف في العديد من القضايا، وقد دفع هذا الإدارات الأمريكية السابقة منذ عام 1997 للاتفاق مع مصر على نوع من التنسيق أو (الحوار الاستراتيجي) شبه نصف السنوي بين البلدين؛ بهدف تقريب وجهات النظر وعدم تعمق الخلافات بشكل يهدم التعاون الاستراتيجي الذي جرى بين البلدين منذ توقيع اتفاقات كامب ديفيد الشهيرة وإبرام معاهدة سلام مع الدولة الصهيونية.

بيد أن تصاعد الخلافات حول قضايا داخلية، وعدم رضاء واشنطن عن مواقف مصرية عارضت توجّهات أمريكية حيال السودان والعراق والانحياز إلى جانب الصهاينة، أدى لتوقف هذه الاتصالات أو (الحوار الاستراتيجي) بين القاهرة وواشنطن عدة مرات بعد جولاته الثلاث الأولى، وعدم عقد جولة الحوار عام 1999، ثم تعليق جولتي عامي 2000 (بسبب الانتفاضة والغزو الصهيوني لفلسطين)، وعام 2001؛ بسبب هجمات 11 سبتمبر، وما تلا ذلك من انتقادات أمريكية للعالم العربي والإسلامي واتهام الأنظمة بالتسبب -عبر قمع التيارات الدينية – في تصدير “الإرهاب” لأمريكا.

ثم عاد الحديث حول استئناف جلسات هذا الحوار بين مصر وأمريكا مرة أخرى منذ عام 2004، وعُقدت بالفعل جلسة هامة في أبريل 2004 على هامش زيارة الرئيس السابق مبارك لواشنطن، بيد أن رائحة الخلافات الكبيرة استمرت في هذه الجلسة أيضًا، وظهرت خلافات واضحة في الرؤى خصوصًا أن خطة الرئيس بوش لما يُسمى “نشر الديمقراطية في العالم العربي” قد بلغت ذروتها بالهجوم الأمريكي الرسمي على حكومة مصر وتوجيه انتقادات حادة لها؛ لقمع المظاهرات والاعتقالات.

واللافت أن غالبية جلسات الحوارات الأخيرة (آخرها حوار عام 2004) كانت تتم غالبًا بمبادرة مصرية -تقبلها واشنطن- بهدف الاتفاق على حد أدنى من التفاهمات بشأن المصالح المشتركة؛ بسبب انزعاج القاهرة من الموقف الأمريكي الضاغط على مصر فيما يخص قضية الديمقراطية، خصوصًا مسألة الحوار الغربي مع التيارات الإسلامية والمخاوف المصرية حينئذٍ من استفادة تيارات إسلامية مثل جماعة الإخوان من هذه الضغوط الأمريكية على النظام الرسمي في مصر كما حدث في انتخابات برلمان 2005 .

تحول جوهري في نقاط الحوار

وتعتبر جلسة الحوار التي بدأت يوم 18 يوليو 2006 في واشنطن بطلب مباشر من الولايات المتحدة لبحث قضايا إقليمية عديدة تمس المصالح الأمريكية، وتحتاج فيها واشنطن للدور المصري والعربي بعد توقف قرابة عامين، هي الأولى من نوعها التي تشهد تحولاً جوهريًا في أجندة الحوار لتحل القضايا الإقليمية محل المحلية.

وظهرت مؤشرات -ثم نتائج- هذا الجولة الهامة للحوار في صورة تحولات في الموقف الأمريكي، من التركيز على فكرة نشر الديمقراطية (التي ظهر أنها تضر أمريكا بسبب استفادة الإسلاميين منها على عكس المخطط الأمريكي) وما يتصل بها من قضايا الإصلاح، إلى التركيز على التنسيق في القضايا الإقليمية التي تتصل بالمصالح الأمريكية في المنطقة مباشرة .

وزاد من أهمية التحول الأمريكي حينئذ باتجاه التركيز على القضايا الإقليمية – في الحوار الاستراتيجي – بدل قضايا الإصلاح الداخلية، تصاعُد دور التيارات الإسلامية في مصر والدول العربية المحيطة قبل الربيع العربي.

وأيضًا تصاعد دور المقاومة الإسلامية في فلسطين ولبنان التي تسعى لتحرير الأرض وترفض خطط السلام الهش الأمريكي الصهيوني، والحاجة الأمريكية للاستفادة من علاقات أنظمة الحكم العربية -خصوصا في مصر والأردن- بهذه الحركات المقاومة من أجل لجمها، ومنعها من تهديد المصالح الأمريكية.

وربما لهذا ظهرت أهمية حوار عام 2006 من حجم ونوعية البعثة المصرية المشاركة في الحوار وكذلك ما تضمنه جدول الأعمال من مناقشة قضايا أغلبها إقليمية، وفي ذيل الأولويات جاءت مسألة الإصلاحات السياسية والاقتصادية في مصر.

ووضحت أهمية الحوار والتحول الكبير في القضايا الإقليمية التي نُوقشت والتي تهتم واشنطن بتسويتها أو وقف التصعيد فيها، وتحتاج فيها إلى الدور المصري الإقليمي خصوصًا قضية فلسطين ولبنان وأمن الخليج والسودان والعراق حتى إيران والصومال، فضلاً عن الاستجابة الأمريكية شبه الواضحة للمطالب المصرية المتعلقة بمنع اختزال العلاقات في ملف أو اثنين مثل ملف الإصلاح.

بعبارة أخرى، تحول الحوار الاستراتيجي في عهد مبارك بينه وبين أمريكا إلى (تبادل المصالح): بين مطالب مصرية تتمثل في توقف التلويح بسلاح المعونات، وتضارب المواقف في هذا الشأن بين الكونجرس وإدارة بوش السابقة، فضلاً عن “منع التعليق على تفاعلات الإصلاح السياسي في مصر علنًا وعلى الهواء ” أي وقف نقد الإصلاح في مصر.

وبالمقابل مطالب أمريكية تتلخص في التعاون المصري في قضايا إقليمية تتعلق بلبنان وفلسطين، مع ما يعنيه ذلك من التجاوب المصري مع خطط أمريكية لتحجيم، والتخلص من حركات المقاومة في المنطقة، وقد ألمح بوش ورايس وقتئذٍ لهدف التخلص من المقاومة.

وقد تزامن الحديث عن تصعيد القضايا الإقليمية في الحوار على حساب قضايا الإصلاح والديمقراطية مع اتهامات من قبل ليبراليين مصريين لإدارة بوش حينئذٍ بالارتداد عن دعم الديمقراطية في مصر والمنطقة العربية لصالح مصالحهم الإقليمية، والرغبة في مساندة الأنظمة الحاكمة الحالية لهذه المصالح.

وكان اللافت أن نفس هذا التطور هو ما شهدته العلاقات بين القاهرة وواشنطن منذ مجيء السيسي للسلطة قبل عامين، حيث بدأت بصدام حول ملفات الديمقراطية والإصلاح السياسي، وانتهت بتنسيق حول المصالح المشتركة مع القاهرة، وإدخال تل أبيب في المعادلة كما كان الحال في عهد مبارك باعتبار أن أهم مصالح أمريكا لدى مصر هي حرية الملاحة في قناة السويس وأمن الدولة الصهيونية.