تحاليل سياسية

الأحد,24 يناير, 2016
عودة الهدوء إلى تونس: استخلاص دروس ومشاورات لحوار اجتماعي

الشاهد_يعود الهدوء تدريجياً إلى تونس بعدما تمكنت السلطات التونسية من احتواء الغضب الشعبي الذي عمّ مناطق متفرقة من البلاد، مع تبنّي الحكومة لمطالب المتظاهرين والنجاح اللافت للقوى الأمنية بالتعامل بسلمية مع المحتجين، إذ لم يُسجل سقوط أي قتيل، في موازاة استمرار حظر التجول الذي أعلنته السلطات، من دون تسجيل عمليات خرق مهمة لهذا الحظر.

 

في غضون ذلك، بدأ التونسيون، حكومة وأحزاباً ومحتجين، في عملية جرد الحساب، لمحاولة فهم ما جرى أولاً، والبحث عن حلول للأزمة التي عاشتها البلاد. ويتعلق أول الدروس بتوصيف الأحداث أصلاً، غضب أم انتفاضة أم أزمة دورية تطفو على السطح في كل مرة، بسبب غياب حلول جذرية لمعالجتها، جعلتها سبب الثورة الأساسي ولم ينجح التعامل معها منذ خمس سنوات.

 

 

غير أن إجماع الفرقاء السياسيين كان واضحاً في ما يتعلق بالإحساس بالخطر، وهو ما أكده بشكل واضح رئيس الحكومة الحبيب الصيد في كلمة وجهها إلى التونسيين، أمس السبت، بعد عودته من باريس. ومباشرة إثر عودته من زيارة فرنسا، أشرف الصيد على اجتماعين هامين، الأول جمعه بخلية التنسيق الأمني والإشراف التي شُكّلت لتدارس الوضع إثر تنامي الاحتجاجات، تلاه اجتماع آخر لمجلس الوزراء بصفة استثنائية.

 

ولفت الصيد، في كلمته أمس، بعد الاجتماعين، إلى وجود “نقلة نوعية هامة في التعاطي الأمني مع الاحتجاجات، حيث كان يتم في السابق بطرق غير ديمقراطية وغير مقبولة، ولكنه ثبت هذه المرة أن الأمن والجيش نجحا في المحافظة على أمن تونس وديمقراطيتها”، مشدداً على أنه سيتم صون “الديمقراطية الناشئة” بكل الجهد حتى تصبح ديمقراطية متكاملة وقوية.

 

وتقاطع كلام الصيد مع تأكيدات الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، الذي أشار إلى وجود عصابات تحاول استغلال الوضع، واتفقا أيضاً في كلامهما حول توصيف الأحداث بكثير من الواقعية، ومن دون شيطنة الاحتجاجات، بل أكد كلاهما على شرعيتها من جهة، وعدم القدرة على حل المطالب كلها في الوقت نفسه.

 

واعتبر رئيس الحكومة أن الاحتجاجات التي انطلقت سلمية وعفوية شهدت اندساس “أنظمة لا علاقة لها بتونس ولم توجد فيها يوماً” محاوِلةً استغلال الفرصة لتنفيذ أهدافها. وأكد أن “هناك إشكاليات اقتصادية وطنية ومناطقية تعمل الحكومة على حلها وعلى تجاوزها، كما تدرك جيداً أن ما قدمته غير كافٍ وهو ما يحفزها على المزيد من العمل وتقديم الحلول لاحتواء الاحتقان في صفوف الشباب الذي يعاني من البطالة”.

 

غير أن اللافت هو ما جاء على لسان زعيم حركة “النهضة” راشد الغنوشي، خلال اجتماع تنسيقية الائتلاف الحاكم التي لم تنعقد منذ أشهر بسبب أزمة “نداء تونس”، إذ نبّه الغنوشي من “خطورة استغلال الإرهابيين للتحركات الاحتجاجية الحالية”، من دون أن يستبعد “وجود جهات أجنبية تسعى إلى بث الفوضى في البلاد”. الغنوشي كان التقى صباح السبت أيضاً الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل حسين العباسي، للتباحث في آخر المستجدات على الساحة الوطنية. وكان موضوع “الحوار الاجتماعي” أحد نقاط اللقاء، وفق تأكيد القيادي في حركة “النهضة” ورئيس كتلتها البرلمانية نور الدين البحيري.

 

ويبدو أن الأحزاب التونسية اقتنعت بهذا الحوار، إذ دعا عدد منها خلال اليومين الماضيين إلى ضرورة العودة إلى طاولة المفاوضات وإن بعناوين مختلفة. وأشار كثيرون إلى حوار حول مواضيع البطالة والتنمية في المناطق وسبل تمويل ذلك، بينما يفكر آخرون في حوار سياسي على غرار الحوار الوطني الأول. ويأتي هذا الاختلاف ليعكس محاولات التموضع السياسي من قِبل بعض الأحزاب، ومحاولة الاستفادة من الأوضاع سياسياً، تأكيداً على فشل حكومي واستعداداً للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

 

غير أن تنسيقية الأحزاب الحاكمة، التي اجتمعت أمس، سعت إلى سحب البساط من تحت معارضيها، إذ اعلنت، وفق حديث البحيري لـ”العربي الجديد”، تبنيها لمطالب الشباب، وتأكيد شرعية احتجاجه السلمي، وضرورة البحث عن حلول عاجلة لأزمة البطالة قبل الحلول الآجلة.

 

وأكد البحيري أن الأحزاب الأربعة (الحاكمة) طلبت اجتماعاً عاجلاً مع الحكومة لتقديم اقتراحاتها، مشدداً على دعم العمل الحكومي والبرلماني في إطلاق المشاريع المعطلة في المناطق، خصوصاً في المحافظات الـ14 التي تتمتع بالتمييز الإيجابي (لها أولويتها على بقية المناطق في المشاريع)، ووضع حد للتعطيل الإداري وأشكال الفساد التي تحول دون ذلك، بالإضافة إلى تطوير القوانين التشريعية التي تعرقل الاستثمار في هذه المناطق.

 

سياسياً، قال البحيري إن الأحزاب الحاكمة عبّرت عن رفضها لما سمّاه بـ”التوظيف السياسي الذي تجاوز حدود الاحتجاجات إلى الدعوة للانقلاب على الدولة والمؤسسات المنتخبة والنظام السياسي بشكل عام”. وأكد موافقة الائتلاف الحاكم على تنظيم ندوة وطنية تجمع كل الأحزاب التونسية من دون إقصاء، من أجل إرساء حوار اجتماعي.

 

وفي ما يتعلق بتصريحات الغنوشي حول وجود أطراف أجنبية تعمل على تأجيج الأوضاع، قال البحيري إن المعطيات المتوفرة هي التي قادت إلى هذا الاستنتاج، إذ ألقت قوات الأمن القبض على أطراف تتنقل بين المدن وبإمكانيات مادية كبيرة لتوزيع الإطارات المطاطية التي يتم حرقها، وتوزيع الأموال، ونقل مجموعات بغاية التخريب من منطقة إلى أخرى، مشيراً إلى أن الكشف عن هذه الأطراف متروك للجهات الأمنية والقضائية.

 

ويبدو أن التعامل مع الاحتجاجات قد خلص هذه المرة إلى عدد من الاستنتاجات والدروس الهامة، أولها النجاح الأمني اللافت في التعاطي مع المحتجين سلمياً، وحتى المخرّبين، إذ لم تسجل أية وفاة بسبب إطلاق الرصاص، وهو تطوّر في غاية الأهمية. وجاءت واقعية الحكومة والرئاسة والأحزاب وعدم سعيها إلى شيطنة الاحتجاجات، بل وتبنيها للمطالب المشروعة، لتسهم في تهدئة الأوضاع من ناحية، وتسحب البساط من تحت المعارضة من جهة أخرى، ولو إلى حين.

 

لكن كل ذلك سيكون مرهوناً بمصداقية الخطاب السياسي، وقدرة الحكومة على تقديم حلول وتنفيذها، وفي آجال قريبة، وسيكون أيضاً متروكاً لإقناع التونسيين الصابرين بخطاب يقنع الغاضبين في المناطق بأن تغييراً حقيقياً بصدد الحصول، وقد ينهي جزءاً من المعاناة المتراكمة.

 

وليد التليلي-العربي الجديد