أهم المقالات في الشاهد

السبت,30 يوليو, 2016
عودة التونسيين بالخارج تنعش ربيع السوق السوداء للعملات

الشاهد_تعيش سوق الصرافة السوداء في تونس هذه المدة في ذروة الانتعاش، في ظل عودة المغتربين لقضاء عطلة الصيف، مما أدى إلى تراجع سعر الدينار مقابل العملات الأجنبية.

وبالرغم من الرقابة التي تفرضها السلطات الأمنية على تجارة العملة المحظورة قانونيا، إلا أن الظاهرة تشهد توسعا كبيرا، وأصبح خروجها إلى العلن أمراً عادياً في قلب العاصمة، حيث وصف محللون ماليون هذه الفترة بأنها ربيع السوق السوداء للعملات الأجنبية.

وفي منطقة “باب البحر”، وسط العاصمة، ينتشر تجار العملة بحثا عن زبائنهم من المغتربين التونسيين أو السياح الجزائريين القادمين عبر البر حيث تمثل محطة سيارات الأجرة الجزائرية بوابة اصطياد الزبائن.

ولا يكشف تجارة العملة عادة عن حقيقة نشاطهم، فغالبا ما يتعمدون تضليل المارة بنشاطات موازية، لكن بمجرد الاقتراب منهم يبادرونك بالسؤال “change”، أي هل تريد تغيير العملة في محاولة لإقناع حائزي العملات الأجنبية بإنجاز عمليات الصرف خارج المصارف، عبر عرض أسعار مغرية مقارنة بالأسعار الرسمية.

ويقدم جزء كبير من المغتربين والسياح الجزائريين على سوق الصرافة السوداء للاستفادة من هامش الربح المرتفع، الذي يحدده تجار السوق السوداء والذي يتراوح عادة بين 10 و20% مقارنة بأسعار المصارف.

ويكشف عاطف، وهو تاجر عملة في العاصمة التونسية، لـ”العربي الجديد”، عن توسع حجم التداول اليومي للعملة في السوق السوداء، مشيراً إلى أن النشاط يتغير حسب المواسم غير أن السوق تسجل ذروة نشاطها ما بين جويلية و أوت.

ويقول عاطف، والذي رفض الإفصاح عن هويته كاملة، إن التداول في فترات الذروة يبلغ يومياً 200 ألف دينار تونسي أي ما يناهز 100 ألف دولار للتاجر الواحد، لافتا إلى أن الطلب على اليورو في ارتفاع هذه الأيام من قبل الراغبين في السفر قصد قضاء العطلة، وفي المقابل يسعى المغتربون إلى تغيير جزء من مدخراتهم في موسم عطلاتهم الصيفية، مما ينشط سوق العملات.

ويشير عاطف إلى أن تراجع قيمة العملة المحلية أدى إلى تآكل قيمة المنحة السياحية، التي يسمح للمسافرين بصرفها، مما يدفع العديد منهم إلى البحث عن البدائل في السوق السوداء، لتأمين مبالغ أكبر لسفرياتهم. ولا يخفي التضييقات التي باتت تمارسها السلطات الأمنية على تجار العملة السوداء، مشيراً إلى أن النية تتجه نحو تحجيم هذا النشاط بسبب شح مخزونات المصرف المركزي من النقد الأجنبي.

ويتوغل عاطف في كشف خبايا سوق العملة السوداء، مشيراً إلى أن العديد من المحلات في منطقة باب البحر ونهج زرقون، تستعمل تجارة الملابس والأحذية كواجهات لإخفاء نشاطها الحقيقي في تجارة العملة حيث يحدد أباطرة السوق يوميا هامش الربح على ضوء بورصة الأسعار المصرفية.

ويصل هامش الربح في السوق السوداء إلى 20% زيادة على السعر الرسمي، وفق عاطف، الذي أكد تفرع تجارة العملة السوداء إلى صنفين، الأول يعتمد العملة الورقية وصنف ثان يعتمد التحويلات الإلكترونية لافتا إلى أن التداول الإلكتروني بات أكثر أماناً في ظل التضييقات الأمنية على سوق تداول العملات.

ووفق المتحدث ذاته، فإن تجارة العملة لا تخلو من مخاطر الوقوع في فخ العملات المزيفة، مشيراً إلى أن هناك تجاراً معروفون بسمعتهم الطيبة رغم عدم مشروعية نشاطهم.

وتحتكر المصارف التجارية في تونس نشاط تجارة العملة بيعاً وشراءً، وذلك وفق القانون المحلي الذي يمنع تداول العملة خارج الأطر الرسمية.

وأعرب البنك المركزي عن قلقه في مناسبات عديدة من توسع السوق السوداء في مجال العملة، مما أدى إلى اختلال التوازنات المالية في القطاع المصرفي بمختلف مؤسساته، التي تعاني من صعوبات كبيرة منذ ما يزيد عن الأربع سنوات.

وأشار المركزي إلى أن توسع سوق الصرف السوداء عائد إلى تراجع المبادلات التجارية التي تحكمها سوق الصرف والعملات على اختلافها.

كما عاب عدد كبير من المتخصصين في الشأن المالي صمت السلطات الرقابية أمام تنامي سوق العملة الموازية، وانتشارها على نطاق أوسع.

وطالب المصرف المركزي باستحداث هيئة وطنية لمراقبة الأموال المشبوهة وذلك لدعم عمل اللجنة التونسية للتحاليل المالية التي تواجه صعوبات كبيرة. وحذر محافظ المصرف المركزي الشاذلي العياري، في تصريحات صحافية سابقة، من التعامل غير القانوني مع المال الليبي أو الجزائري.

ولا تقتصر السوق السوداء للعملة على العاصمة حيث يمتد النشاط إلى البوابات الحدودية الغربية والجنوبية، ولا سيما منطقة بن قردان الحدودية جنوب البلاد، التي تنشط فيها سوق الصيرفة الموازية حتى باتت تلقب بـ “وول ستريت”.

ودفع توسع نشاط السوق الموازية في بن قردان إلى التفكير في استحداث منطقة تبادل حر، لتقنين كل المعاملات في المنطقة وإدراجها ضمن الدورة الاقتصادية المنظمة.

وانتقد عضو منظمة الدفاع عن المستهلك المكلف بالمصارف والتأمين، توفيق بن جميع، تقصير المصرف المركزي في محاصرة التداول غير المشروع للعملة، مشيراً إلى أن اللجنة التونسية للتحاليل المالية التابعة للبنك المركزي لم تتمكن من احتواء الظاهرة.

واستغرب بن جميع امتناع اللجنة عن الكشف عن البيانات الحقيقية عن حجم الأموال المشبوهة، التي تمر عبر مسالك غير قانونية في شكل جمعيات وشركات تأمين واستثمارات، وذلك للتعرف على مصادرها الحقيقية بهدف التصدي لها ومقاومة ظاهرة تجارة العملة والسوق الموازية.

وتعاني سوق الصرف التونسية من اضطراب كبير غذّته تجارة العملة الموازية، التي استفادت من تراجع دور السلطة الرقابية للدولة، لتتوسع في كامل مناطق البلاد بعد أن كانت مقتصرة على المناطق الحدودية.

وبالرغم من غياب بيانات وأرقام رسمية عن حجم تداول العملة في السوق السوداء، إلا أن خبراء الاقتصاد يجمعون على خطورة هذا النشاط، لا سيما وأن بعض الخبراء والمراقبين للشأن الاقتصادي يقدرون حجم السوق السوداء للعملة الصعبة في تونس بمليارات الدنانير، التي يقع تبادلها خارج الأطر الرسمية.

كما كشفت دراسة ميدانية أنجزها الخبير الاقتصادي، محمد الهدار، عن أن قيمة التحويلات بالعملة الصعبة في السوق السوداء انطلاقا من منطقة بن قردان إلى الخارج، تتراوح بين 1 و3 ملايين دينار في اليوم الواحد أي ما يعادل 750 مليون دينار سنويا أي نحو 380 مليون دولار.
وقال الهدار، في تصريح لـ”العربي الجديد”، إن كبار الصرافين في السوق السوداء يتحكمون في نشاط العملة المتداولة خارج المسالك الرسمية، ولا سيما في تونس العاصمة والمناطق الحدودية في بنقردان، مشيراً إلى أن هؤلاء التجار لا يقومون بواجباتهم الضريبية، مما يجعل خسارة الاقتصاد مضاعفة.

العربي الجديد-فرح سليم