فن - كتّاب

الخميس,6 أغسطس, 2015
عن مشاهد “عُري” في إسطنبول

الشاهد_نساء إسطنبول، أو قل غالبيتهن المرئية، لا يرتدين، في أيام الحرارة المرتفعة هذه، سوى السراويل القصيرة جداً، بل التي تعلو إلى ما فوق الركبة بشبر أو أكثر، ومعها قمصان خفيفة، تنحدر فتحات ياقاتها إلى ما دون عظم الترقوة، لتكشف عن مساحات شاسعة من الصدر والنهدين.

لا مطوعين، هنا، يضربون هؤلاء “الكاسيات العاريات” بالعصي، ولا دعاة، أو خطباء مساجد، يتوعدون الأمة بالويل والثبور وعظائم الأمور، إن لم تتراجع عن “طريق الرذيلة”، ولا متطرفين يأخذون الدين والقانون بأيديهم، فيرشقون الوجوه والسيقان بماء النار، ولا شرطة آداب، تتدخل في ما يرتدي المواطنون، وما لا يرتدون، من ثياب كاشفة، أو ساترة، ولا فضوليين يلاحقون اللحم البشري المكشوف، حتى بمجرد النظر.

إنه بعض من إرث الدولة العلمانية التي أسسها كمال أتاتورك، وعمّرت، حتى الآن، نحو مائة سنة، قد يقول قائل، في تفسير المشهد – الظاهرة، وهذا صحيح موضوعياً، بصرف النظر عن الموقف منه. لكن، ما لا يقل صحة عنه أن قادة تركيا الحاليين، الموصوفين بالإسلاميين، وفي مقدمتهم رئيسها، رجب طيب أردوغان، الملقب بالسلطان العثماني الجديد، لا يهمهم من الأمر سوى ما ترتدي زوجاتهم وبناتهم، وفق المعروف عن تجربة في الحكم، انهمك هؤلاء خلالها ببناء مكانة بلادهم السياسية والاقتصادية، بعيداً عن سفاسف الأمور.

ولو أن حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، بزعامة أردوغان، فعل خلال 13 عاماً من توليه السلطة، عكس ما فعل، وانشغل قادته بفرض القيود الاجتماعية على الناس، في مقابل إهمال قضايا التنمية، لما حصلوا على أصوات غالبية الشعب في الانتخابات البرلمانية، مرة تلو أخرى، ولاقتصرت كتلة مؤيديهم على النساء المحجبات وأزواجهن الملتحين. ومن يدري؛ فلربما كانوا يرزحون، اليوم، خلف قضبان السجون، وسط شماتة ملايين المواطنين المتمسكين بنمط حياتهم، وبقيم الحرية الشخصية.

بيد أن مشهد عُريّ الأجساد، الباقي في زمن العثمانيين الجدد، ليس وحده الذي قد يدهم ناظريك في شوارع إسطنبول، وأمام فنادقها ومتاحفها، ثمة إلى جوارها مشهد يعبر عن عري الأرواح، ويثير الخاطر أكثر، لأنه مستورد من إحدى أشد أنظمة الحكم العربية ادعاءً للعلمانية، وأعني مشهد اللاجئين السوريين، وقد ضاقت عليهم أرض الشام بما رحبت، وفرّوا من بطش بشار الأسد، ليصيروا شحاذين، يتوسلون إلى السياح، من أجل الحصول على ما يسد رمق أطفالهم الذين يفترشون عشب الحدائق العامة، أو يجولون معهم بحثاً عن المحسنين.

وحيث يتذكّر المرء إزاء مشهد كهذا، شعارات الحرية والكرامة التي ميزت الثورة السورية، منذ اندلاعها، فإن جرعة الألم تصير أقسى، لأن قوى التطرف التي نمت على ضفاف مستنقع الدم، واحتلت أكثر من نصف مساحة سورية، قد فرضت شعارات بديلة، قوامها إنشاء ما تسميه دولة الخلافة، وتطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية، لتبدأ مسبقاً برجم الناس، وقطع رؤوسهم، وأيديهم، بذريعة إقامة حدود الله، ناهيك عن تلويحها بتخيير الأقليات الدينية بين أن تُسلم أو تدفع الجزية.

لا حكم العلمانيين، في بلادنا، والحال هذه، منح الناس حريتهم، ولا حكم الإسلاميين، وعدهم بحياة أقل موتاً. كلا الاتجاهين ينتهج لغة الحديد والنار، في سوس الناس إلى ما يكرهون، وإن حدث وبزغ في الأفق خيار ثالث، علماني راشد وغير فاسد، أو إسلامي معتدل وغير دموي، فالمشانق والسجون تكون له بالمرصاد، وذاك يعني أن أمامنا مشوارا كفاحيا طويلا، علينا أن نرفع فيه، نحن العرب، شعار بناء دولة القانون والمؤسسات القادرة على أن تمنع الزعماء من التحول إلى أنصاف آلهة، وأن تحاسبهم، وتوقفهم حين يلزم الأمر، عند حدهم، تماماً كما أوقف الناخبون الأتراك رئيسهم أردوغان عن السعي إلى توسيع صلاحياته، بأن منحوه، في الانتخابات الأخيرة، أصواتاً أقل.

ماجد عبد الهادي