كتّاب

الخميس,22 سبتمبر, 2016
عن محاولة إستصدار “البيان رقم واحد” مجدّدا في تونس

عندما ضاقت نخب مصر التي أقصاها الصندوق أو إستبعدها أو أعادها إلى حجمها الطبيعي شعبيا و سياسيا لم تجد من حلّ آخر غير “البيان رقم واحد” معلنة بوضوح تخلّيها عن كل تلك الشعارات المتعلّقة بالديمقراطيّة و مدنيّة الدولة و غيرها ليدوس العسكر بدبّاباته على رقاب العزّل و الذين خرجوا لحماية الديمقراطيّة بأنفسهم في الساحات التي أخرجت نخب العسكر إليها “عساكر” مدفوعة أجورهم بدراهم رخيصة أو بلا شيء غير التوجيه الأعمى للرأي العام بالمغالطات و التشويه و الشيطنة فإنتهت تجربتها إلى حين، و هاهي مصر اليوم ترزح تحت حكم العسكرة منقلبة إلى عصور قروسطيّة.

غير بعيد و ربّما بنفس المحرّكات و نفس الغايات تحرّكت نخب و وجوه تونسيّة في ذات الإتجاه غير أن الحرص على إرساء ثقافة الأمن الجمهوري و حياديّة المؤسسة العسكريّة التي حمت الانتقال الديمقراطي و فطنة جزء من النخب و فئة واسعة من الشعب حال دون قراءة “البيان رقم واحد” الذي كان ربّما سيكون بنكهة “الروز بالفاكهة” بعد أن دعا بعضهم الجيش بوضوح لإستلام السلطة و دعت أخرى الجيش الفرنسي لفرض  “الحماية الفرنسيّة” و لم يقفوا هناك فرغم فشلهم و رغم أن الدرس كان واضحا جليا واصل بعضهم دعوة رئيس الجمهورية المنتخب الباجي قائد السبسي إلى عسكرة الدولة في أكثر من مناسبة.

عندما إحتدّ التجاذب و التطاحن السياسي و الإيديولوجي ركنت نخبها الفاعلة و الواعية إلى إدارة الإختلاف بالحوار و هي الطريقة الأكثر تحضرا في إدارة الإختلاف و إختارت نخبها منهج التوافق في إدارة مرحلة إنتقاليّة صعبة لا تعاني خلالها تونس من أطراف في الداخل فقط بل و من أطراف خارجيّة أيضا كان يرعبها نموذج تونسي قادم بتؤدة و بطى هادئة و حثيثة و إن كانت متثاقلة بعض الشيء.

رغم كلّ ذلك و رغم ما يحظى به النموذج التونسي من إحترام و تقدير بين الأمم اليوم فإنّ بعض النخب التونسيّة ما تزال سجينة “البيان رقم واحد” و حتّى المشاهد القادمة من مصر و الدروس القادمة من تركيا مؤخرا لم تدفعها لمراجعة مواقفها و رؤاها فإن فشل إلقاء “البيان رقم واحد” بالطريقة التي أرادوها هاهو بعضهم يطمح للوصول إلى تلك المرحلة عبر تسييس الثكانت الأمنيّة و العسكريّة و إقحامها في الصراع الإنتخابي ما يعني إدخلها في التجاذبات السياسيّة و إبعادها عن أدوارها الوطنيّة و حتّى بعض الوجوه النقابيّة الأمنيّة المثيرة للجدل إنخرطت في هذا التمشّي هي نفسها.

إذا كانت تجارب التاريخ السابقة و التي نراها على مرمى حجر اليوم تشير بوضوح إلى نتائج تسييس الثكنات الأمنيّة و العسكريّة فإنّ خرق الدستور التونسي و التخلّي عن مدنيّة الدولة إلى جانب جعل الطرف المشرف على حسن سير العملية الإنتخابية شريكا فيها سيكون بدون شكّ خطأ لا يقدم عليه إلاّ غبيّ أو جاهل، و إذا كانت الرغبة الجامحة في إستصدار “البيان رقم واحد” قد فشلت سابقا بالتوافق و الحوار فإنّ محاولة استصداره عبر تسييس الثكنات سيكون مآله الفشل بكلّ تأكيد لا فقط للوعي الواسع بخطورة هذا التمشّي و لكن للرغبة الحادّة في القطع مع كل شكل من أشكال التخلّف و العودة إلى الماضي أو السقوط في التجارب الفاشلة.



أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.