الرئيسية الأولى - ملف الشاهد

الخميس,16 يوليو, 2015
عن الجبة التقليدية والبدلة الإفرنجية ..

الشاهد_لا شك ان الذي يعرف طبيعة الغنوشي وطريقة أدائه الاجتماعي يعلم جيدا ان الرجل لا يخجل من المسلمات الدينية ولا تربكه التقاليد حتى في اشد المحطات توترا ، لذلك ليس من الصواب الحديث عن رغبتة في الاستنجاد باللباس الافرنجي خلال مناسبة دينية كأسلوب من اساليب امتصاص الضغط او التقرب الى معسكر على حساب الآخر ، فالمعالج الفصيح لسلوك الغنوشي والمدقق في مبادراته سيقف على حقيقة واضحة غلبت على منتوجه السياسي والفكري ، وسيتأكد ان الرجل يميل الى خدمة الافكار المتماسكة المشدودة في وجبة واحدة ، وليس له في الومضات العابرة .

حركة واضحة قام بها الغنوشي ، تأتي ضمن سلة من السياسات المتكاملة اختارها زعيم النهضة بمعاضدة كوكبة من الصف الأول للحركة ، لم يكن الغنوشي يرغب في تحقيق التميز او التزلف الى الحداثة بمفهومها الاستحواذي ، وإنما ارتدى زعيم النهضة بدلته في مناسبة دينية عرفت بطغيان اللباس التقليدي وتسيده للمشهد ، في محاولة لتكسير الاحتكار الانطباعي ، وتقديم حالة من التداخل المحمود بين الحداثة والأصالة .

يسعى الغنوشي لإبعاد “شبهة” احتكار الأصيل عن حركته ، كما يرغب في التأسيس لشراكة عميقة لا تعني بالجانب السياسي وإنما تمتد الى بقية الجوانب بما فيها الهوية والأصالة والثوابت والحداثة وحقوق الإنسان والدولة والديمقراطية والحرية وغيرها من المضامين التي عاشت لعقود رهينة للفرز .

من الواضح ان الغنوشي لا يقود حالة من التكتيك كما يروج على نطاق واسع ، ولا يبحث عن توليفات سريعة في شكل مسكنات عابرة ، انما يبحث عن التاسيس لمشاعية المصطلحات والعبارات التي غمرها الفرز فأحالها الى مصانع تفبرك القلقل والتوتر والحزازيات ،

هي محاولة صعبة ودقيقة لاعادة انتشار المفاهيم الكبرى للمجتمع ، واعادة توزيعها على مختلف القوى بشكل عادل يقطع مع الاحتكار ويحد من سياسة التفويت والزهد ، محاولة واعدة لكنها معقدة ، ترخي بموجبها التيارات الإسلامية والمحافظة من حبال الهوية والاصالة والثوابت عسى ان تلتقط الجهة الأخرى طرف الحبل وتنغمس في شراكة مندوبة بل واجبة ، في الان نفسه تسعى القوى الاسلامية الى الشروع في ترجمة خزينتها النظرية المشحونة بمفاهيم الحداثة وحقوق الانسان والمواطنة والمساواة ، والنزول بها الى ارض الواقع لتصبح شريكا فعليا وليس نظريا ، حينها و إذا ما تم التلاقح بشكل سليم ، نكون قد وضعنا اقدامنا على الدرجة الاولى في سلم الدولة المتماسكة المنزوعة الفتائل والتي تملك شروط البقاء ، كل خطاباته وسلوكاته السياسية والاجتماعية ، تؤكد ان الغنوشي شبع الى حد التخمة باعتقاد تحول الى حقيقة مطلقة ، تفيد بـأن الطريق نحو شراكة سياسية ناجحة يمر حتما عبر الشراكة الثقافية والاجتماعية والدينية والفكرية ، وان المكون اذا ما نجح في بناء شراكة عبر هذه المحاور الكبرى ، سوف ينجح في شراكته السياسية بشكل سلسل ، بل بشكل آلي ، منغصاته صفر .

يبقى السؤال اللغز ، هل يتحرك الغنوشي بشراكته تجاه عقلية تملك او تختزل ثقافة الشراكة ؟ وهل سيحالفه التوفيق في مسعاه ؟ اقل المتفائلين يقول بإستحالة ذلك ، وأوسطهم يذهب الى صعوبة الأمر ، واكثر المتفائلين يؤكد ان الغنوشي اذا فشل في تثبيت الشراكة ، فانه بلا شك يكون قد نجح في تعبيد الطريق نحوها ، و ان لم تكن اليوم ، فلعل الخير في غدها القريب .

نصرالدين السويلمي