وطني و عربي و سياسي

الأربعاء,17 يونيو, 2015
عن البديل في مصر بعد رفع السيسي لشعار “أنا أو الإرهاب”

الشاهد_إن الفكرة التي طالما ساندها الكثيرون في الغرب من أن الرئيس المصري الحالي، الرجل العسكري القوي، عبد الفتاح السيسي، هو الخيار الوحيد المتاح لقيادة البلاد هي خاطئة بقدر ما هي خطيرة، فالنظام الحالي القائم على السياسات القمعية يشدد الخناق على الحياة العامة، علاوة على منع ظهور أي زعامة سياسية و هذا من شأنه أن يؤدي إلى التطرف والعنف المضاد بالإضافة إلى وجود سيناريوهات أفضل.

و يبدو أن واشنطن وبروكسل قد سلّموا بفكرة أنه لا يوجد بديل لنظام السيسي و من هذا المنطلق يتعين على الغرب دعم مصر على المستوى الاقتصادي، و هاهم ينجرفون مرة أخرى وراء نفس الخطأ .  و هذا هو بالضبط تقديم المشورة بشأن السياسات المغلوطة التي منحوها لتونس بن علي و مصر مبارك قبل اندلاع الثورات الشعبية الهائلة التي أطاحت بالاثنين على حد السواء.

و عقب الانقلاب العسكري في مصر في 3 جويلية عام 2013، دعا دبلوماسيون غربيون و برلمانيون معارضون للانقلاب إلى القبول بالواقع الجديد و المضي قدما نحو التجديد .  و إذا لم يكن كذلك، كما قيل لي من خلال زيارة أعضاء البرلمان البريطاني، فأنت “كنت قد دعوت إلى حرب أهلية” و عندما سألت :  ماذا عن تصويتنا في انتخابات حرة ونزيهة؟ وما هي الضمانات التي تحول دون إطاحة رجل عسكري قوي ، بحكومة منتخبة كلما شاء ذلك في المستقبل ؟  كانت الإجابة التي حصلت عليها: “قبول الواقع أولا – وبعد ذلك يمكننا عمل شيء ما”.

لا ينبغي لكل الأزهار أن تزهر:

منذ الانقلاب العسكري، ارتأى السيسي منصة القضاء على أي بديل قابل للتطبيق ، فقد ذبح وسجن ونفى معارضين لاستباق ظهور منافسين فضلا عن الزج بالكثير من الشخصيات العامة في السجون المصرية أو إقصائهم في المنافي الأجنبية التي هي قادرة على تشكيل الحكومات، و توفير بديل لنظام الجنرالات.

بعض الأسماء الهامة، بما في ذلك محمد البرادعي و أيمن نور ، باسم العودة ، محمد محسوب ، محمد البلتاجي ، أبو العلاء ماضي ، عصام سلطان ، و أحمد ماهر ، من بين أسماء أخرى، التي تتبادر على الفور إلى الذهن.

و حتى زملاء السيسي العسكريين قد وقع قمعهم ، بدءًا من محاولة اغتيال المدير السابق للمخابرات عمر سليمان في عام 2011 و إعلان عدم أهليته من سباق الرئاسة في عام 2013 .  أما رئيس الأركان السابق سامي عنان فقد وضع تحت الإقامة الجبرية ،  و أحمد شفيق قد منع من العودة إلى مصر للقيام بحملة انتخابية من أجل خوض سباق رئاسة الجمهورية.

لا انتخابات، إذا لا بدائل:

تخرج البدائل من مسار سياسي فاعل ومجتمع متسامح. كانت هذه واحدة من إنجازات الثورة التي انطلقت في 25 يناير 2011 و التي أفرزت طبقة جديدة من القادة، وكثير منهم من الشباب. و بذلك فقد تجلى التغيير في الأفق، حيث تقدم 13 مرشحا للرئاسة مع برامج ورؤى مختلفة، ومن ثم كان لمصر البدائل.
غير أنه، منذ الانقلاب العسكري،كان السيسي قد عاد لممارسة التلاعب بالانتخابات ، وفاز العام الماضي ب 97.3٪ من الأصوات. كما عمد إلى تأجيل الانتخابات البرلمانية – و كأنها لا تبدو كما لو ستكون هناك انتخابات محلية في أي وقت قريب. و قد قام بخنق المجتمع المدني، تضييق الخناق بشدة على الترويج لمنظمات غير حكومية و تعزيز رتيبة آلته الإعلامية الدعائية. علاوة على ذلك فقد أغلق ميدان التحرير والميادين الأخرى و اعتقل الآلاف من الناشطين تحت مسمى قانون مكافحة الاحتجاج.
و قد قام النظام العسكري بتطهير مؤسسات الدولة والجامعات من الأشخاص الذين يدينون بالولاء إلى مسألة الاحتجاجات. و أعاد السيسي النظام ( الذي كان قد ألغي بعد الثورة) حيث يعين الحكومة مباشرة و يعين بموجبها عمداء الجامعة ويطوّق مؤسسات الدولة بأفراد من العسكريين. هذه هي البيئة التي تخنق أي بديل آخر.

أنا أو الإرهاب:

إن التدابير القمعية وغير القانونية للنظام المصري الحالي تقود إلى التطرف و تحرض على العنف. و بالتأكيد، هذا ليس بديلا مجديا و يجرّ البلاد المصرية نحو حرب أهلية منخفضة الحدة. فمنذ جويلية 2013 فقد أكثر من 3000 من المصريين حياتهم. وفي غضون ذلك، و منذ وصوله إلى السلطة، رفض السيسي مرارا أي إمكانية للمصالحة الوطنية وأصر على افتعال الاستقطاب والتصعيد.
و على غرار مبارك والمستبدين الآخرين، يقدم السيسي المصريين مع خيار صعب – والمغالطات واحدة: إما اختياره أو اختيار الإرهاب وانعدام الأمن. و قد قام بتسييس المجتمع، وجعل من المستحيل أي عملية سياسية فعالة أن تطفو على السطح. و إن غلق السبل المتاحة للتعبير والمشاركة سوف – لا محالة و بكل حزن شديد – تهيئ الظروف لظهور العنف الشعبي كوسيلة لمواجهة العنف من قبل الدولة.

ثلاثة بدائل:

قبل الاستسلام لأطروحة ال”لا بديل” – وليس المطالبة بالتغيير في مصر أن يفتح العملية السياسية، والإفراج عن جميع السجناء السياسيين وضمان حقوق الإنسان – قامت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واضعي السياسات، بتقديم خدمة لا تقدر بثمن إلى استبداد نظام السيسي. فهو يجعل “لا بديل” أطروحة نبوءة تحقق ذاتها التي سوف تنتاب مصر لعقود قادمة.
و يمكن للمرء أن يرى ثلاثة سيناريوهات. دعونا نبدأ مع أقل احتمال: السيسي يعدل عن سياساته القمعية ويفتح العملية السياسية. ان السبيل الوحيد لنتخيل أن يكون هذا، إذا السيسي الذي يواجه انتقادات دولية متزايدة لفشله في استعادة مجتمع آمن واقتصاد مستقر، يعترف بصورة فعلية بالهزيمة. و هذا يتعارض مع إسقاط السيسي لنفسه، في الداخل والخارج، باعتباره الرجل القوي القادر على القضاء على الإرهاب وتوفير الأمن لشعبه.
أما في السيناريو الثاني، فالمؤسسة العسكرية تقرر اتخاذ بضع خطوات إلى الوراء وتسلم السلطة إلى حكومة مدنية و من ثم يتبنى صيغة لتقاسم السلطة. وهذا من شأنه أن يكون النتيجة المحتملة للانتفاضة الشعبية الهائلة التي تلقي باللوم على المؤسسة العسكرية بسبب إسهامها في الإخفاقات الاقتصادية والسياسية في البلاد. و بطبيعة الحال، فإن الطريقة الوحيدة للجيش للسماح لهذا أن يحدث سيكون من أجل تأمين مصالحه الخاصة، و يعترف بأنه يمكن أن يعود إلى هدفه الأصلي وهو ليحرس وليس ليحكم.
و أما السيناريو الأكثر ترجيحا هو أن المؤسسة العسكرية، في مواجهة الذل على انهيار الأمن القومي (سيناء قد أعلنت كمحافظة تابعة لتنظيم الدولة)، وتصاعد انعدام الأمن واحتمال متزايد بأن مصر أصبحت دولة فاشلة، تقرر أن السيسي هو كبش فداء. و في هذا السيناريو يسلّم الجيش مقاليد السلطة لشخص ما (قائد الجيش السابق أو مدني) الذي يفهم المصالح الاقتصادية والسياسية في البلاد إلى حين التمكن من إرساء بداية جديدة وبدء عملية مصالحة وطنية وإعادة البناء السياسي. وهذا المشهد الجديد من شأنه أن يؤدي إلى فترة انتقالية وجيزة فيها المؤسسات السياسية الفعالة وسبل المشاركة البناءة.
إذا، أي واحد من هذه السيناريوهات يوفر فرصا أفضل من الواقع الراهن غير المستدام. إن مصر في حاجة للعودة إلى الحياة السياسية الطبيعية، وتضميد الجراح الاجتماعية و إنشاء المؤسسات المناسبة. و بالنتيجة، “الخيار السيسي” لن يعطينا أي من هذه الأمور في المدى القصير.

عماد شاهين/ترجمة خاصة بموقع الشاهد